الاقتصادية

أزمة العولمة أم عولمة الأزمة

أزمة العولمة أم عولمة الأزمة

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2012 / 4 / 24
الادارة و الاقتصاد

أزمة العولمـــــــــة أم عولمـــــــة الأزمــــــــة
د. نبيل جعفر عبد الرضا و د. يوسف الاسدي
المقدمـــــــــــــــــة :
يبدو أن التأثير المتبادل ما بين العطاء الفكري الاقتصادي من جهة واثر العوامل الأيديولوجية من جهة اخرى واضحا . إذ أننا نجد الانعكاس الفلسفي – الايدولوجيا في الفكر الاقتصادي العالمي عبر الزمن اخذ مداه . فضلا عن وجود بعد آخر له الأثر البالغ في الفكر الاقتصادي ألا وهو النظام السياسي القائم او الطبقة الحاكمة فيه المدافع عن مصالحه الاقتصادية . فلقد انطلق الليبراليون الجدد من المبادئ الرئيسية التي أكدها من سبقوهم وبخاصة الأفكار الكلاسيكية والتي يأتي في مقدمتها أفكار رائد النظرية الرأسمالية الكلاسيكية ادم سميث الذي تحدث عن الحرية الاقتصادية وعبر آلية السوق يتحقق التوازن والتي كانت انعكاسا للمحتوى الاجتماعي القائم آنذاك الذي جعلها أكثر قربا من الواقع . إلا أن الليبراليون الجدد قد وظفوا ما ذهب إليه سمث من خلال التأكيد على كفاءة الأسواق ورفض أية إجراءات تدخليه على السياسات المالية التي أدت إلى تزايد العجز المالي والالتزام الصارم بمعدل ثابت للتوسع النقدي حيث ان هذه السياسات سوف تعود إلى تحرير الأسواق لممارسة نزعتها التصحيحية الذاتية في مواجهة الاتجاهات الاقتصادية المختلفة
.لقد مر الاقتصاد الرأسمالي بمرحلة ركود مزمن خلال عقدين متتالين من القرن الماضي بعد انهيار النظام النقدي العالمي ” نظام بريتن وودز ” فزادت نسبة البطالة وارتفعت معدلات التضخم وتباطأت معدلات النمو وتوالت الأزمات مثل أزمة عامي (1974-1975) وأزمة عام 1982 وأزمة عام 1987 . لذلك يمكن طرح السؤال التالي :
كيف يمكن تجاوز كل هذه التراكمات – ألازمات الاقتصادية التي تعرض لها الاقتصاد العالمي ؟
لذلك بدا الفكر الليبرالي الجديد يؤكد على عولمة الاقتصاد العالمي من خلال زيادة التبادلات التجارية وسرعة حركة رؤوس الأموال وتبادل المعلومات والأفكار وتزايد حركة انتقال العمل فضلا عن انتشار وتوسيع عمل الشركات المتعددة الجنسيات وتقليص دور الدولة الاقتصادي وتجاوز الحدود الجغرافية والسيادية وتطوير عمل المؤسسات الدولية .

لقد استند الفكر النيو ليبرالي إلى وثيقة صدرت في واشنطن عام 1989 وأصبحت معروفة تحت اسم إجماع واشنطن وهي تشمل عشرة وصايا منها :
o الخصخصة
o تحرير التجارة العالمية
o انتقال رؤوس الاموال
o تخفيض الاجراءات والقيود على عمل الاسواق
o الانضباط المالي بخاصة تخفيض عجوزات الموازنة
ولقد اختصر بعض الاقتصاديين هذه الوصايا بثالوث ” ثبت – قرر – خصخص ”
لقد كان لانهيار الاتحاد السوفيتي وبروز القطبية الاحادية في النظام العالمي وقيادة الولايات المتحدة للنظام الاقتصادي العالمي حافزا على انتشار الفكر الليبرالي والذي نتج عنه عولمة الاقتصاد العالمي اذ اصبحت الشركات الكبرى لا تعرف دولا او حدودا او جنسية لا سيما الشركات الغربية التي انتشرت في معظم انحاء العالم بخاصة الصين والهند فضلا عن انتشار الاستثمارات المختلفة لبعض الدول ذات القوة الاقتصادية المتميزة في معظم دول العالم والتشابك المالي بين المؤسسات المالية والبنوك في مختلف الدول من حيث القروض او الديون على الدول المدينة وغيرها من الارتباطات المالية الاخرى . واصبحت السياسة النقدية غير خاضعة للسلطة النقدية المحلية التي عجزت عن الدفاع عن اسعار الصرف واسعار الفائدة واسعار الاوراق المالية في البورصات وهكذا تحولت الاقتصادات العالمية الى مجرد قرارات بيد قلة من المضاربين الذين يتاجرون بالعملات والاوراق المالية دون تدخل سلطة محلية او اجنبية لمحاسبتهم وردعهم .
ويرى بعض الاقتصاديين بانه الازمة المالية الحالية ترجع في اسبابها الى طبيعة النظام الراسمالي القائم على فسح المجال امام الراسمالية الحالية التي تشكل ركنا مهما في اقتصاد السوق الذي يعد الدعامة الاساسية للعولمة . ان عولمة سوق المال ادت الى ازدهار سوق الرهن العقاري عالميا . فلولا السوق المفتوحة والمضاربات المالية التي وفرتها سياسات العولمة لما تطورت المشكلة الى ازمة عالمية انتشرت افقيا وبسرعة مذهلة على جميع الدول . وان اقسى ما يمكن ان يتمخض عنه هذا الانتشار بسبب العولمة هو ان تصبح الاقتصادات الهامشية المدمجة بالاصل عرضة لازمات لا يتحمل اسبابها واقع تلك الاقتصادات وانما فقط لانها اقتصادات مدمجة . فانها يمكن ان تمثل الوعاء البديل لاي اختلال يظهر في واقع علاقات وقوانين السوق في المراكز الرسمالية .

مشكلــــــة البحـــــــــث :
ان الافكار النيوليبرالية قد بنيت على ازمة عاشها الاقتصاد الراسمالي بل هي ردة فعل على كل مشاكل هذا النظام . فقادت تلك الاقطار دمج الاقتصادات العالمية للتخلص من حالة الكساد المزمن . ولم تاخذ مداها الزمني الكامل وعند تطبيق مبادئ هذه الافكار توالت الازمات في عقد التسعينات ففي عام 1992 حدثت ازمة سوق لندن وتلتها الازمة المكسيكية في عام 1994 ومن ثم ازمة شرق وجنوب شرقي اسيا عام 1997 وفي عام 1999 حدثت الازمة البرازيلية وتلتها الازمة التركية عام 2000 ومن ثم الازمة العالمية في عام 2008 .
وان هذه الافكار كانت انعكاسا واضحا للبعد السياسي بخاصة بعد انهيار جدار برلين على اعتبار ان النظام الراسمالي هو نظام اجتماعي ديمقراطي لا توجد أي تناقضات قد تؤدي الى استمرار عمليته التاريخية لينتج عنه نظاما جديدا بديلا عنه .
هــــــــدف البحـــــــث :
احتلت الازمة الاقتصادية العالمية اهتماما واسعا من قبل الباحثين لمعرفة اسبابها ونتائجها والمدى الزمني الذي من المتوقع ان تاخذه بابعادها الاقتصادية والمالية وستشكل النظام الاقتصادي الذي سيقود الاقتصاد العالمي بعد فشل العولمة الاقتصادية في ضبط حركة الاسواق بعد ازاحة دور الدولة الاقتصادي باعتبار الضابط المهم لخلق التوازنات في مختلف الاسواق لذلك يهدف البحث الى دراسة الدوافع الاقتصادية للدول الراسمالية قبل اتساع رقعة هذه الافكار ومن ثم دراسة واقع تلك الاقتصادات بعد تطبيق مبادئ العولمة الاقتصادية .
ولغرض الوصول الى هذا الهدف قسم البحث الى الاتي :
1- الجانب المفاهيمي والتاريخي للعولمة والازمات الاقتصادية
2- ازمة العولمة
3- اثر العولمة في الازمة الاقتصادية الراهنة
4- عولمة الازمة

اولا : الإطار المفاهيمي للعولمة والازمة الاقتصادية
1- الدلالة اللغوية للعولمة :
العولمة (Globalization ) لغة على وزن فوعلة . وهو من المصادر القياسية في اللغة العربية . فهي مصطلح سليم من ناحية التركيب ( الانباري ، بدون سنة نشر ،ص556 ) . وهو كما معروف بان المصادر في اللغة العربية تختص دون سواها من المفردات باتساع اتجاهاتها سواء اكان في الوقت ام في السياق . فهي تنوب عن الفعل فيكون معناها اداء الفعل . والجذر اللغوي لها هنا هو (علّم ) المأخوذ من معنى العالم . وبذلك يكون معنى العولمة جعل الشيء عالميا او جعل الشيء على مستوى العالم . وبذلك حصلنا على مفتاح مفردة العولمة والميدان الذي تدور في فلكه . على الرغم من ذلك تعددت الالفاظ الدالة على العولمة الا انها تدور في فلك واحد هو المستوى العالمي . فيطلق البعض عليها الكوننة بدليل ان الشق الاول من الكلمة الانكليزية ( Globe ) تعني الكون . في حين يطلق البعض الاخر عليها الكوكبة وهو ايضا مشتق من الكلمة الانكليزية (Globe ) بمعنى الكرة والمقصود هنا الكرة الارضية او كوكب الارض الذي نعيش على سطحه (اسماعيل صبري عبدالله ،1999،ص44) . وكذلك يطلق عليها الشوملة انطلاقا من شمول العالم بنظام اقتصادي واحد . الا ان بريجنسكي * قدم استخدم مصطلح المدينة الكونية وفضله على مصطلح العولمة الذي استخدمه اول مرة ماك لوهاك الذي اختلف كثيرا في دلالته على اعتبار ان مفهوم العودة الى الجماعة والحياة المرتبطة بالقرية لم يعد مناسبا في دلالته على التشابكات الدولية في عصر التكنولوجيا الالكترونية .
ونعتقد ان مصطلح العولمة هو الاكثر دقة وتعبيرا للفعل وادائه ومجال حركته بخاصة عندما نتحدث عن النظام العالمي الجديد والتحولات العالمية في النشاطات الاقتصادية باتجاهاتها المختلفة . باعتبار ان العامل الاقتصادي هو اكثر المؤشرات دلالة على ابعاد هذا النظام الجديد وما يتطلبه من حركة وسيطرة على التجارة العالمية والانتاج العالمي .

* مستشار الرئيس الامريكي كارتر (1977-1980) الذي روج للحداثة على انها نموذجا كونيا يعتمد القيم الامريكية التي تستطيع الوصول بالمجتمع الدولي الى العالمية من خلال الخواص الاربع والتي هي :
1- قوة عسكرية عالمية
2- دور اقتصادي عالمي
3- جذب ثقافي وفكري عالمي
4- ارادة وقوة سياسية عالمية .
2- العولمة بين نهاية الجغرافية ونهاية التاريخ
لقد تبنى كينيشي اوماي (kenichi Ohmae ) رئيس ماك كينزي (Mc-Kinsey ) في طوكيو المسمى في الغرب مبتدع العولمة الذي الف كتاب ثالوث القوى في عام (1985) وكتاب عالم بلا حدود . قد تبنى مقولته الشهيرة (بان العولمة هي نهاية الجغرافية ) ويعني بذلك انعدام كل الحواجز الاقتصادية والسياسية والثقافية والعلمية والجغرافية والعرقية والمذهبية (د0 عزت السيد احمد ،2000،ص6 ) . وان جذور تلك المقولة ترجع الى عهد الاستكشافات الجغرافية الاوربية عندما تمكن البرتغاليون والاسبان والبريطانيون والهولنديون بعد اكتشافهم راس الرجاء الصالح الوصول الى العالم الجديد وبسط سيطرتهم على تجارة الشرق وموارده منذ القرن الخامس عشر وحتى القرن السابع عشر . الا انه في القرن الثامن عشر بدات القوى الاقتصادية الجديدة تتشكل من خلال سيطرتها على اجواء كبيرة من العالم دون ان يكون لها القدرة على ادارته بمفردها . ولذلك وضعت قواعد جديدة للتجارة العالمية التي اتبعها الاخرون والتي اتخذت اشكالا سياسية متعددة منها المستعمرات ، المحميات ومناطق النفوذ وغيرها . واستمرت تلك السياسة حتى نهايات القرن العشرين . فمن خلال منظمة التجارة العالمية التي تهدف الغاء الحواجز الكمركية التقليدية وتحويل العالم الى قرية بلا حدود وفتح كل الابواب امام السلع الاقتصادية الواردة من الدول الغنية والمتميزة سلعها بالوفرة والجودة المقرونة بالاسعار المنخفضة . فضلا عن سيطرة الشركات المتعددة الجنسية على الخريطة العالمية على الرغم من ان اصحابها وسكان دولها لا يشكلون الا (20%) من سكان العالم . ومن خلال نشاطهم التجاري استطاعوا تجاوز الحدود والجغرافيا لتشمل العالم باسره بفعل منظمات دولية تتخذها هذه الشركات كغطاء لاملاء شروطها تحت ستار القروض والمساعدات .
في حين اطلق فوكوياما مقولته الشهيرة التي تؤكد على نهاية التاريخ من خلال عدم مقدرة العالم غير الغربي في مواجهة الغرب والتي نشرها في مجلة المصلحة القومية (National Interest ) في صيف عام 1989 والتي استندت الى التساؤل الاتي : ” هل ان ما يشاهد اليوم من تغير وعودة لليبرالية لا غيرها وسيادتها على كل النظريات والمجتمعات . يعني ان التاريخ قد وصل الى نهايته المحتومة ” (فرانسيس فوكوياما،ترجمة د0 حسين الشيخ ،1993،ص28) .
لقد استمد فوكوياما مقولته نهاية التاريخ من كبار المفكرين امثال هيكل وماركس . فقد اعتقد كل منهما ان تطور المجتمعات البشرية ليس الى ما لا نهاية بل انه سيتوقف حين تصل البشرية الى شكل من اشكال المجتمع الذي يشبع احتياجاته الاساسية والرئيسية . وهنا يؤكد الاثنان ان للتاريخ نهاية وهي عند هيكل الدولة الليبرالية وعند ماركس المجتمع الشيوعي (احمد خالد احمد ،1999،ص138-139)
لذلك حول فوكوياما الصراع ما بين القوى العاملة (الاممية ) والهيمنة العولمية لراس المال ، وان الغلبة المؤكدة ستكون لصالح العولمية لراس المال على البروليتارية الاممية . وبذلك يلغي فوكوياما اي تناقضات قد تظهر في النظام الاجتماعي الديمقراطي الحر . وان يتوقع استمرار العملية التاريخية لتنتج نظما جديدا على غرار ما قرره هيكل وماركس من قبل . في حين لم يضع ماركس في حساباته التناقضات التي لم يرها والتي ظهرت في النظام الاشتراكي قبل عام (1990) . ومن ثم انهارت الاشتراكية . الا ان فوكوياما لا يتخيل اي تناقضات بل يتوقع استمرار العملية التاريخية لتنتج نظاما اقتصاديا يعتمد الليبرالية اساسا له من خلال العمل على ايجاد عالم بدون حدود اقتصادية وجعله عالما واحدا يعيش فيه الانسان في مجتمع كامل والوصول الى غايته وبالتالي ولم يعد هناك مكان للتطور التاريخي بعد هذه المرحلة على اعتبار ان النموذج الراسمالي هو حل لكل مشاكل البشرية التي وصلت الى نهاية ابداعها الفكري .
ان البعد الايدولوجي في المفهومين السابقين واضحا سواء اكان في طروحات اوماي ام في طروحات فوكوياما . فما ان انتهت الحرب الباردة وتفككت المنظومة الاشتراكية حتى بدأت الولايات المتحدة للترويج للنظام العالمي الجديد الذي يعتمد الحرية الفردية وحقوق الانسان وصولا الى الاقتصادات العالمية المفتوحة على بعضها وهذا المفهوم ما هو الا انعكاسا للايدولوجيات والمفاهيم الليبرالية للمدارس السابقة سواء اكانت التجارية التي اهتمت بكيفية رفع الفائض في الميزان التجاري ام الطبيعة التي اكدت على ترك النشاط الاقتصادي حرا من كل قيد وتدخل . في حين اقر ادم سمث مؤسس النظام الراسمالي ان المصلحة الخاصة هي التي تضمن عمل وتوازن النظام الراسمالي . وينبغي توفير الحرية كشرط اساسي لتطبيق تلك المصلحة . فالسوق الذي يعد اهم اليات التوازن في القطاع الراسمالي يحتاج الى الحرية مثلما يحتاج راس المال الى حرية الحركة اي ان ينتقل بين القطاعات ذات العائد القليل الى القطاعات ذات العائد الكبير دون النظر الى الحدود . ولكي تحقق السلع وقوة العمل التي تقف وراء انتاجها لقيمتها التبادلية تحتاج الى حرية التبادل .
ان هذا الاتجاه في التحليل عاد وبقوة في السبعينات من القرن الماضي عندما زاد نفوذ مدرسة شيكاغو على يد اشهر منظريها ملتون فريدمان والتي ترتكز على الفكرة الاساسية القائلة بان حرية الفرد والمجتمع هي القاعدة والضوابط هي الاستثناء . فالرأسمالية كنظام تتمكن من تصحيح أخطائها والانحرافات الناجمة في سيرتها ولو استطاع المجتمع حماية هذه الحرية وحدد سلطة الدولة الاقتصادية (جيمس جوارتيني وريجارد استروب ، ترجمة د0عبدالفتاح عبدالرحمن واخرون 1988،ص196) .

وهذا يؤكد ما ذهب اليه بورنهام من ان حتمية الانتقال من الراسمالية الى مجتمع اخر محسومة . الا انه يؤكد ان الراسمالية لن تنتقل الى الاشتراكية كما يريد ماركس واتباعه . بل الى مجتمع وعهد جديد هو عهد المدراء او المنظرين . وهذا يشابه ما ذكره شومبيتر في كتابه الذي نشر عام 1912 والمتعلق بالنمو الاقتصادي في النظام الراسمالي وعلى النحو الاتي :
” ان هذه الفكرة وهذا الهدف هما بالضبط بنفس الفكر و الهدف الذي وضعهما كارل ماركس بان التطور الاقتصادي هو عملية مستقلة متولدة من النظام الاقتصادي نفسه ” (منشنزوفينللو ، ترجمة د0 محمد ابراهيم زيد ،1967 ،ص72-73 ) .
بذلك ربط شوبيتر تحليله للنمو الاقتصادي بمدير المشروع وهذا نابع من الفلسفة او الايدولوجية التي ينحدر منها شومبيتر ، حيث اطلق عليه بالعامل الحاسم في التحول الاقتصادي على اعتبار ان هذا الشخص هو الذي يحقق التغيرات التكنولوجية الحاسمة داخل المشروع ومن ثم تحقيق الارباح وتوسيعه . وهذا له اسقاطاته على النشاط الاقتصادي الكلي . حيث يحاول المديرون الجدد في المشاريع الاخرى في طلبهم لوسائل الانتاج وزيادته مما يتطلب اسواق جديدة تضمن تصريف هذه الزيادة في الانتاج ومن هنا لا بد من فتح اسواق جديدة في بلدان اخرى تضمن للمشاريع في البلدان الراسمالية من خلالها استمراية زيادة ارباحها . وهذا يتفق مع طروحات مدرسة جانب العرض .

ثانيا : ازمة العولمة
1- الازمة في الفكر الرأسمالي :
النظام الراسمالي هو نظام تكون فيه وسائل الانتاج مملوكة ملكية خاصة وان التوازن بين الانتاج والاستهلاك غير قائم فيه بشكل نهائي وانما ينشا بالتدريج من خلال تقلبات السوق وكذلك هناك انفصال ما بين اصحاب العمل والعمال بحيث يؤدي هذا الانفصال الى استقطاب اجتماعي حاد على اعتبار ان العمال يملكون قوة عملهم فقط في حين يملك اصحاب العمل ادوات الانتاج مما يؤدي الى سيادة الاستغلال الاجتماعي والاقتصادي . فضلا عن سمات اخرى تتراوح ما بين الباعث الاساسي للنشاط الاقتصادي الذي هو الربح والغياب النسبي للرقابة الحكومية على النشاط الاقتصادي مما مهد لقوى السوق العرض والطلب لتنظيم العمليات الاقتصادية وحل كل مشكلاته الاقتصادية .
ويمكن تلخيص ميزات الاقتصاد الراسمالي بميزتين رئيسيتين هما :
1- انه اقتصاد سوقي اي ان غرض الانتاج هو اشباع حاجات اسواق غير محددة ومعروفة سلفا . فيصبح احتمال اختلال التوازن ما بين العرض الكلي وبين الطلب الكلي قائم لا محال .
2- هو اقتصاد نقدي وائتماني يتميز بمقدرة المصارف على خلق النقود وتقديمها بمعدلات فائدة .

فتدخل العوامل النفسية سواء اكانت تشاؤمية ام تفاؤلية في تغير اتجاهات نشاطات المنظمون ويبالغ المنظمون في حالة التفاؤل في زيادة الطلب على الاقراض . اما في حالة التشاؤم فيقللون من اقراضهم وكانت نتيجة لذلك كله تارجح النشاط الاقتصادي ما بين الرخاء تارة وبين الكساد تارة اخرى . لقد لفتت هذه الظاهرة انظار الاقتصاديين منذ بداية القرن التاسع عشر وعكفوا على تفسيرها ودراستها للوقوف على اسبابها وايجاد الحلول المناسبة لها . فالاقتصاد الراسمالي لا يسير على وتيرة واحدة حيث تشير الدراسات التاريخية ان تطور النظام الراسمالي لم يتحقق في شكل خط مستقيم بل في شكل حركات شبيهة بالتموجات. ففي فترات التوسع الاقتصادي وانخفاض معدلات البطالة يتبعها فترات بطء النمو الاقتصادي وانكماش النشاط الاقتصادي . وفي فترات بطء النمو الاقتصادي ، ينمو الناتج القومي الاجمالي الحقيقي بمعدلات بطيئة او يتوقف عن النمو . واثناء التوسع ينمو الناتج القومي الاجمالي الحقيقي بمعدلات سريعة . ويطلق الاقتصاديون ضمنا على هذا الاصطلاح الدورة الاقتصادية (جيمس جوارتيني وريجارداستروب ، ترجمة د0عبدالفتاح عبدالرحمن واخرون 1988،ص196) .
تمثل الازمة قاعدة الدورة الاقتصادية وعندما تحدث الازمة فان جزءا من الجهاز الانتاجي يتوقف عن العمل ويتم خروج جزء من راس المال الثابت الموازي في طاقته لفائض العرض السلعي . فيخرج بعض المنتجين من دائرة الانتاج والاسواق بسبب الخسائر التي يتعرضون لها . ولكن جزءا اخر يبقى ويتحمل اثار الازمة ويستطيع استئناف عملية الانتاج بعد ان يكون الفائض السلعي قد اختفى وبدات الاسعار بالميل نحو الارتفاع .

2- المدارس الفكرية الراسمالية وتفسير الازمة .
ا ن اول ازمة حدثت في انكلترا في عام (1825) ، اعقبتها ازمة ثانية في عام (1836) اقتصرت على انكلترا والولايات المتحدة . ثم ازمة ثالثة في عام (1847) شملت دولا اخرى مثل فرنسا والمانيا فضلا عن انكلترا والولايات المتحدة . وازمة رابعة في عام (1857) عمت جميع الدول الراسمالية . اما في القرن العشرين فقد حدثت الازمات الاتية : (1907) ، (1929) ، (1949) ، (1957-1958) ،(1974-1975 ) ، (1982) ،(1987) ، (1992) ، (1994) , (1997) . اما في القرن الحادي والعشرين كانت ابرز ازماته هي ازمة عام (2008) .
لذلك كان للمدراس الفكرية الراسمالية المتعاقبة اسهاما واضحا في تفسير تلك الازمات التي لازمت تطور الفكر الراسمالي مثلما توضح من خلال الترتيب الزمني لتلك الازمات . وفي ما ياتي توضيح لتلك التفسيرات .

2-1- المدرسة الكلاسيكية وتفسير الازمة :
لقد لاحظ رواد هذه المدرسة الازمة منذ بداية عهد الراسمالية .فقد سماها دافيد ريكاردو بالزيادة المفاجئة في قنوات التجارة وادى ذلك الى حدوث انخفاض مفاجئ في الطلب على منتجات احدى الصناعات وتنخفض الارباح وتسبب البطالة ومن ثم انخفاض في معدل نمو الاقتصاد . الا ان هذا الطرح لا يخرج عن نظرية ضعف الاستهلاك التي انتقدها كل من ساي وميل اللذين قالا بان هذا يحدث بشكل جزئي وفي حالات محددة هي (د0 محمود نيربي ،1973،ص217) :
1- عندما يحصل اكتناز لقسم من القوى الشرائية .
2- عندما لا يمكن زيادة الكلفة النقدية في التداول هذه الزيادة التي تسهل امتصاص العرض الزائد .
في حين اكد هاوتري ان الازمة هي حدث نقدي وان حركة النقود هي المسؤولة الوحيدة عن التقلبات الاقتصادية . فعندما يزداد الطلب النقدي اي الطلب الذي يتخذ كوسيلة للتبادل تزداد حركة التجارة وينمو الانتاج وترتفع الاسعار . اما التقلص الفجائي في التداول النقدي مثلا ينتج تخلفا نقديا ينعكس على الفعالية الاقتصادية فيقللها فلا يمكن حينئذ تصريف الانتاج وهذا يؤدي الى تكوين مخزون سلعي وخسائر وبطالة (د0فوزي القيسي ،1964، ص 99) .اما هايك فقد ركز على راس المال الفائض الذي له اثران . الاول هو تضخيم الانتاج والثاني هو تطويل عملية الانتاج . فان زيادة الانتاج هو من محاسن راس المال . ولكن تاخر هذا الانتاج يحمل في طياته اخطار كبيرة منها اختلال التوازن في النظام الاقتصادي . على اعتبار بان راس المال يمر بثلاث مراحل هي التشكيل والاندثار ووقت امتصاص السلع المنتجة بواسطته عن طريق الاستهلاك او وقت الاستهلاك . فوقت التشكيل والاندثار لا يتوافق مع وقت الاستهلاك ويحدث بسبب ذلك اختلال التوازن ما بين العرض والطلب (د0 محمود نيربي ،1973،ص224) .
لقد استخدم افتالون نفس التحليل السابق الا انه اختلف معه في ادخال عنصر التكنولوجيا الحديثة واثرها في تحقيق فيض راس المال . وان الفارق الزمني ما بين وقت الاستهلاك ووقت تشكيل راس المال . على اعتبار ان الاول سريع والثاني بطيء بتاثير التطور التكنولوجي الذي يصبح اكثر كلفة من راس المال الانتاجي القديم وبذلك تصبح حركته اكثر بطئا مما سبق . كما انه لا يمكن ايقافه بعد تشكيله والبداية به (د0 فوزي القيسي ،1964،ص82-83) .
الا ان ويكسل قدم تفسيرا متقدم عما سبقه من الاقتصاديين الكلاسيك حينما ربط ما بين النظام المصرفي واسعار الفائدة النقدية واسعار الفائدة الطبيعية (انتاجية راس المال ) واثرها في اختلال النظام الاقتصادي . فعندما يسهل النظام المصرفي منح القروض عندما يكون سعر الفائدة النقدي منخفضا عن سعر الفائدة الطبيعي الذي من شانه ان يبعث على زيادة تشكيل رؤوس الاموال الانتاجية وسوف ترتفع الاسعار وتزداد الارباح . وعندما يزداد الطلب على القروض فلا تستطيع المصارف على تلبية هذا الطلب الى ما لا نهاية فيضطر لتقليص القروض ويحدث هذا التقليص ارتفاع سعر الفائدة النقدي .وعندئذ تقل الفجوة بين سعر الفائدة الطبيعي وسعر الفائدة النقدي وتتقلص الاستثمارات وتنخفض الاسعار ويزداد هذا الانخفاض حتى يصبح سعر الفائدة الطبيعي اقل من سعر الفائدة النقدي . فتحدث الخسائر وتعمم البطالة وينخفض معدل نمو الاقتصاد ككل (د0 عبدالكريم كامل عبدالكاظم ،1988،ص59) .
2-2- المدرسة الكينزية وتفسير الازمة
ان الازمة عند كينز ما هي الا ازمة نقص في الطلب او نقص في الاستهلاك وهناك مجموعة من العوامل التي تعد مصدر لهذه الازمة وهي (باري سيجل ، ترجمة د0طه عبدالله منصور ،1987،ص536) .
1- هبوط الميل نحو الاستهلاك
2- تناقص الكفاية الحدية لراس المال
3- تفضيل السيولة
4- تجميد الاموال الاحتياطية
حيث جعل كينز من الاستخدام دالة في الطلب الكلي وان العوامل السابقة هي التي تتحكم في حجم هذا الطلب وهي التي تسهم في تقلبات الاستخدام ومن ثم تحدث الدورة الاقتصادية التي تقع في قاعها الازمة . فما دام الطلب الكلي هو مجموع الطلب الاستثماري والطلب الاستهلاكي . وحيث ان الطلب الاستهلاكي يتميز بنوع من الثبات والاستقرار فان الطلب الاستثماري هو الطلب الرئيسي هو الذي … التقلبات في النشاط الاقتصادي على اعتبار ان الدورة الاقتصادية ما هي الا دورة في الكفاية الحدية لراس المال (جيمس جوارتيني وريجارد استروب ،1988،ص435-436 ) . وبذلك يرى كينزان الكفاية الحدية لراس المال ( سعر الفائدة الطبيعي عند ويكسل ) عندما تكون اعلى من معدل الفائدة النقدي تزداد الاستثمارات عن الادخارات وتحدث حركة نحو الاعلى وزيادة في الاستخدام والدخل وزيادة في الطلب الاستهلاكي . اي رخاء اقتصادي . ويحصل العكس فيما لو ارتفع معدل الفائد النقدي عن معدل الفائدة الطبيعي او عن الكفاية الحدية لراس المال . فتقل الاستثمارات ويقل الاستخدام والدخل ويقل الطلب الاستهلاكي وينحدر الاقتصاد نحو الشلل والركود .
وقد توصل كينز الى ان قوى السوق ليس لها القدرة بتغليب ميل العمالة الى العودة الى المشاريع الانتاجية لعدم وجود الية اتوماتيكية للسوق على افساح المجال لهذا الميل . فمن الطبيعي ان يكون من الضروري حدوث تدخلات خارجية قادرة على تحقيق التوازن في النشاط الاقتصادي . وعد هذه التدخلات لها وظيفة مهمة هي معالجة الكساد وسد الفراغ الذي احدثته قوى السوق . ومن هنا ياتي تدخل الدولة الادارة الفعالة والحيوية لتشغيل الالة الاقتصادية المعطلة في مراحل الكساد ولها السلطة في التغلب على التناقضات الاساسية للنظام الراسمالي .
اما الاقتصاديون الذين اتبعوا افكار كينز امثال ساملسون وهانس ودومار وهكس وهارود وكالدور اهتموا كثيرا في النمو الاقتصادي من خلال نماذج رياضية معروفة باسمائهم اكثر من اهتمامهم في تفسير الدورة الاقتصادية . الا ان هذه النماذج استطاعت من خلال الجمع ما بين مبدئي المضاعف والمعجل في تفسير معدل النمو المتوازن والذي يتطلب كمية من الاستثمارات الكافية لاستيعاب المدخرات الناجمة عن نمو الدخل . وان الدورة تتذبذب وتدور حول هذا الاتجاه اي ان الدورة تتذبذب حول توازن متحرك وليس حول توازن ثابت . وتعد الاستثمارات العامة ضرورة وذات اهمية قد تكون اكبر من اهمية الاستثمارات المستقلة في تحريك النشاط الاقتصادي .

2-3- المدرسة النقودية وتفسير الازمة :
لقد بين فريدمان وشوارتز عند دراستهما التقلبات الاقتصادية خلال الفترة (1867-1940) ان انخفاض القاعدة النقدية وانخفاض كمية النقود في التداول بسبب بعض الضغوطات السياسية فضلا عن قوى اقتصادية غير نقدية سابقة او حالية في النشاط الاقتصادي . الا ان التغيرات الملموسة في معدل نمو كمية النقود هو السبب الرئيسي لهذه التقلبات .
فخلال الكساد (1875-1878) حصل انخفاض في القاعدة النقدية بسبب الضغوط السياسية التي استهدفت العودة الى نظام الذهب . اما الكساد العظيم خلال المدة (1929-1933) فقد سبقته فترة كان فيها النمو النقدي صفرا . وهذا يرجع الى محاولات المصرف المركزي الفيدرالي الى محاربة المضاربة في سوق راس المال باتباع سياسات نقدية متشددة. فقد انخفض العرض النقدي خلال تلك المدة بنسبة (34%) . اما الاحداث التي سبقت الكساد خلال المدة (1907-1908) فتتركز في الذعر المالي الذي صاحبته زيادات حادة في نسبة النقود لدى الناس .
أما خلال المدة (1967-1968 ) حقق معدل نمو عرض النقود حقق معدل نمو عرض النقود (7,4%) صاحبه زيادة في معدل النمو الاقتصادي في الولايات المتحدة وانخفاض في معدل البطالة في سنة (1968) بلغ (3,6%) بعد ان كان (4,5) سنة (1965) . وكذلك الحال خلال المدة (1971-1982) فقد انخفضت البطالة وزاد الانتاج بشكل حاد بسبب النمو النقدي الذي بلغ (7,8%) سنويا وهو اعلى معدل نمو نقدي بعد الحرب العالمية الثانية وزاد الناتج المحلي الاجمالي بمعدل (5,6%) خلال المدة (1977-1978) (ريمون برتران ، ترجمة محمود بهير انسي ،1975،ص229) .
ولقد خلص النقوديون الى نتيجة مفادها ان الانكماش الذي سيحدث في نمو كمية النقود المتداولة سيكون تاثيره على الانتاج اولا واقوى من تاثيره في الاسعار . لان في الاسعار والاجور التي استقرت في ضوء توقعات التضخم سيتواصل ارتفاعها . الا ان مجموع الطلب الكلي لن يكون في الفترات المقبلة كافيا للوفاء بهذه الاسعار والاجور المرتفعة . وسيؤدي هذا الى وقف نمو الاسعار والى خلق حالة من البطالة والطاقات العاطلة (جيمس جوارتيني وريجارد استروب،1988،ص435-436) .

3 -نظام بريتن وودز وبداية الازمة
يتسم التاريخ الممتد ما بين عامي (1945) ولغاية (1970) بتغيرات متعددة الا انه يمكن القول انها تميزت بالهدوء النسبي في مجال المدفوعات الدولية بخاصة اذا ما قورنت بالمدة الممتدة ما بين الحربين . ويمكن ايضاح ذلك من خلال بعض المؤشرات الاقتصادية الرئيسية التي تؤثر في التوازن الاقتصادي العالمي فقد زاد الناتج القومي الاجمالي للولايات المتحدة بمقدار (40%) عن مثله في دول اوربا الغربية مجتمعة . في حين ان مجموع مبادلات دول اوربا الغربية مع سائر دول العالم ازداد بمقدار (22%) عن مبادلات الولايات المتحدة مع تلك الدول (باري سيجل ،ترجمة عبدالفتاح عبدالرحمن ،1988،ص671-672) . اما على مستوى المعاملات الدولية والمدفوعات نجد ان هناك تحولا تدريجيا في الاهمية النسبية لكل من الولايات المتحدة ودول اوربا الغربية . حيث كانت تعاني دول اوربا الغربية من عجز ميزان مدفوعاتها ومن تضخم نقدي حاد . نجد ان فائضا في ميزان المدفوعات للولايات المتحدة ولكن بعد تفاقم حرب فيتنام انعكست جميع المؤشرات الاقتصادية السابقة .فقد سجل ميزان مدفوعات الولايات المتحدة عجزا وتعاني من التضخم قياسا بالدول الاوربية . لذلك يمكن تقسيم تلك الفترة الى ثلاث مراحل هي ( ريمون برثران –ترجمة محمود بهير انسي -1975 ص212 ) :

3-1- مرحلة ندرة الدولار (1945-1952)
لقد عانت الدول الاوربية من مخلفات الحرب العالمية الثانية وبخاصة انخفاض في انتاجها الصناعي والزراعي والتضخم ولم يكن امام تلك الدول الا الولايات المتحدة في سبيل الحصول على احتياجاتها من المواد الغذائية والاولية والمنتجات المصنعة .وبالتالي حدث عجزا واضحا في ميزان مدفوعات تلك الدول . من اجل معالجة هذا الوضع اعلن الجنرال مارشال مشروعه الشهير بتقديم معونات عاجلة للدول الاوربية ابتداء من عام 1947 . الا ان الاوضاع سرعان ما انقلبت بعد عام 1950عند اعلان الحرب الكورية وتراجعت المعونات بشكل كبير من الولايات المتحدة الى دول اوربا الغربية وحقق ميزان المدفوعات الامريكي ولاول مرة عجزا قدره (3.5) مليار دولار في عام 1950.
3-2- مرحلة الانتقال (1952- 1958 )
خلال تلك المدة زاد الانتاج الاوربي بمعدل كبير فيما زاد معدل الادخار وتكوين راس المال اثر الزيادة الكبيرة في معدلات الاستثمار . واقترن التوسع الاوربي الذي فاق مثيله في الولايات المتحدة الامريكية . ولم تتخذ الولايات المتحدة الامريكية رغم العجز في ميزان مدفوعاتها اية اجراءات للحد من هذا العجز . ولذلك تناقص رصيدها من الذهب بين عام (1952 – 1957) بمتوسط (260) مليون دولار سنويا .وازدادت الارصدة الدولارية لغير المقيمين باكثر من مليار دولار . فيما استطاعت الدول الاوربية من زيادة النفقات الجارية المستحقة بالدولار ومن السماح بتحويل عملاتها بالدولار .
3-3- مرحلة وفرة الدولار (1959- 1969)
استمر النمو الاقتصادي في معظم الدول الاوربية وبمعدل سريع دون ان تصاحبه ضغوط تضخمية في بداية تلك المرحلة بالرغم من الفائض الخارجي الكبير .الا ان الولايات المتحدة الامريكية عانت كثيرا من عجز ميزانها التجاري بالرغم من التدابير التي اتخذتها لاخفائه او تمويله . وكان هناك اتجاه الى القاء مسؤولية الاختلال على عاتق دول اوربا الغربية بدعوى ان عملاتها مقومة دون قيمتها الحقيقية في حين ان الدولار الامريكي مقوما باعلى من قيمته الحقيقية . لذلك اصبحت الدول الاوربية مركزا لجذب الاموال الامريكية واعتبر البعض هذه الحركة وبخاصة من رؤوس الاموال الخاصة سببا رئيسيا في زيادة الاختلال في ميزان المدفوعات الامريكي وقد ادى ايضا التدخل الامريكي الواسع في فيتنام ابتداء من عام 1965 الى عجز كبير في الميزانية ادى الى زيادة حدة التضخم فيها . مما ساهم في ارتفاع الاجور والاسعار بشكل كبير وخلق هبوط في فائض ميزان المدفوعات الجارية مع العالم الخارجي .واصبحت الولايات المتحدة تعتمد بشكل كبير على جذب الاستثمارات الاجنبية نحو الداخل .
4- النظام النقدي الجديد وازمة العولمة .
عندما اعلن الرئيس الامريكي نيكسون في اواسط اب في عام (1971) وقف تحويل الدولار الى ذهب .فضلا عن تدابير اخرى اهمها فرض ضريبة اضافية على الواردات بواقع (10%) بقصد تصحيح عجز الميزان التجاري وتجميد الاسعار والاجور لفترة ثلاثة اشهر في محاولة لكبح التضخم . ولا شك ان هذا الاعلان كان نهاية عهد مؤتمر بريتن وودز بعد تصاعد المضاربة ضد الدولار ابتداء من عام 1970 بعد فشل سياسة مكافحة الانكماش التي بدات الولايات المتحدة تطبيقها منذ عام 1969 . وتصاعدت عمليات المضاربة في النصف الاول من عام (1970) مما زاد من فقدان الثقة في الدولار (ريمون برتران ، ترجمة محمود 0000 ،1975،ص229) .
وقد ادركت السلطات النقدية في جميع الدول الطابع المؤقت لسياسات اسعار صرف العملات التي تحددت في تلك المدة من خلال المضاربات . لم تعتمد على الاسواق في استعادة التوازن دون تدخل . بل كان تدخل البنوك المركزية هو الذي اعاد تقويم اسعار الصرف وتقييد المضاربات على جميع العملات الرئيسية . مما دعى جميع الاطراف الى عقد اجتماع يضم الدول العشر (الولايات المتحدة وكندا واليابان والدول الاوربية ) الذي انتهى بعقد اتفاقية واشنطن لتحديد اسعار التعادل الجديدة .
الا ان اهداف اتفاقية واشنطن لم تحقق في اعادة الثقة في اسعار التعادل ولم يحدث التدفق لرؤوس الاموال من اوربا واليابان الى الولايات المتحدة الذي كان متوقفا في بداية عام (1972) . وبالتالي حدثت ثلاث ازمات نقدية متعاقبة ادت الى زعزعة الثقة في الاتفاقية . الاولى في عام (1972) انتهت بتعويم الجنيه الاسترليني والثانية في عام (1973) ايضا انتهت بتعويم الليرة الايطالية .والثالثة في نفس العام عندما قررت الحكومة السويسرية تعويم الفرنك (تربسي كيدر ،1990،ص115) .
لقد انعكس ذلك واضحا في العجز المالي في اغلب دول العالم في عام 1975 وحتى عام (1979 ) . فقد ارتفع العجز كنسبة من اجمالي الناتج القومي في كل من (النمسا ،بلجيكا ،كندا ،فرنسا ،المانيا ،اليونان ،ايطاليا ، اليابان ، هولندا ، المملكة المتحدة ،الولايات المتحدة ) حيث بلغ على التوالي (2,5 ، 4,7 ، 2,4، 2,2 ، 5,7 ، 3,4 ، 11,7 ، 2,7 ،3,0 ، 4,5 ، 4,2 ) بعد ان كانت نسبته في عام 1970 وعلى التوالي ( 2,0 ، 2,0 ، 0,9 ، 0,9 ، 0.9 ، 0,2 ، 0,1 ، 5,0 ، 1,9 ، 0,8 ، 3,0، 1,1 ) واستمرت الزيادات الكبيرة في نسبة العجز المالي في جميع تلك الدول بسبب بطء النشاط الاقتصادي حتى عام 1979 (ميتو كانزي ،1985،ص16) .
فليس من الغريب ان تظهر الاحصاءات الرسمية اخفاق اكبر (500 ) شركة صناعية في الولايات المتحدة في ايجاد وظيفة واحدة اضافية ما بين عامي (1975- 1990 ) وانخفض نصيبهم في القوة العاملة المدنية من (17%) الى اقل من (10%) على الرغم من الولايات المتحدة كانت تضيف اكثر من (18) مليون شركة سنويا الا ان معظم الوظائف الجديدة التي تخلق داخل الاقتصاد الامريكي تاتي من الاعمال الصغيرة . وحدث مثل هذا ايضا في الدول الاوربية الاخرى (Research Report ,1990,p.p 12-14) .
لقد دخل الاقتصاد الامريكي عقد الثمانينات بمعدل نمو سالب وعجز ميزان المدفوعات بحدود (8,9) مليار دولار ومعدل بطالة وصل الى (7,6%) ومعدل تضخم (13%) الا ان السياسة الاقتصادية الامريكية اختلفت بشكل كبير بعد تسلم الرئيس ريغان الرئاسة الامريكية والتي اتجهت نحو تطبيق بما يعرف اقتصاديات جانب العرض (برهان محمد نوري ،1999،ص61) .
لكن هذه السياسة لم تستطيع انتشال الاقتصاد الامريكي من الكساد الذي حصل في الاعوام (1974-1975) و (1980-1983) عندما تفجر كساد اقتصادي جديد وشامل اثناء الانتقال من عقد الثمانينات الى عقد التسعينات . فقد انخفض الانتاج العالمي بمعدل (8,5) في عام 1990 بعد ان كان يقدر بنحو (4,5%) في عام 1988 . وانخفضت حصة الفرد من الناتج العالمي الى (0,3 %) في عام 1990 بعد ان كان يقدر بنحو (2,7%) في عام 1988 ويعد هذا اول مرة ينخفض فيها الانتاج العالمي منذ الحرب العالمية الثانية (نيلسون اروو جوري سوزا ، ترجمة جعفر علي السوداني ،1999،ص 51-52) .
وخلاصة القول ان النظام الاقتصادي الجديد قد ادخل النظام الراسمالي في مرحلة ركود او كساد دائم يتخلله انتعاش ورواج مؤقتين لذلك بدا منظروا الراسمالية في محاولات اطالة مدة الانتعاش لاكثر مدة ممكنة او تاجيل حدوث الازمة . وفي حالة حدوثها سيستخدمون كل ما لديهم من سياسات ليقللوا من فعل تلك الازمة وتاثيرها وتداعياتها على النظام الراسمالي . لذلك اطلقت الليبرالية الجديدة التمسك بحرية السوق وحرية التنقل وتحقيق الرخاء للشعوب . وكان اهم مظاهر تلك المبادئ محاولة راس المال الاحتكاري للدول الكبرى بتصفية جميع العقبات الواقعة في طريقه من خلال استخدام الموارد الطبيعية والبشرية الموجودة في انحاء دول العالم . وعلى سبيل المثال لا الحصر فقد حقق الاقتصاد الامريكي والياباني نموا خلال بعض السنوات خلال عقدي الثمانينات في حين كان الركود الاقتصادي يهيمن على امريكا اللاتينية واوربا . ولقد اثبتت البيانات ان هذا النمو كان بفعل وفورات دول العالم الاخرى فان (24%) من المدخرات السائلة للولايات المتحدة الامريكية في عام (1984) كان مصدرها من الدوافع الاتية من الخارج وان (30%) من العجز الامريكي قد تم تمويله برؤوس اموال يابانية (محمود المسافر ،2002،ص ) .
كما ساهم انهيار المعسكر الاشتراكي في تجديد افكار الليبراليون الجدد في ان النظام الراسمالي والياته قادر على قيادة العالم ضمن نظام اقتصادي واحد على اعتبار ان الصراع ما بين القطبين كان في جزئه الاكبر اقتصاديا والذي حسم لصالح الراسمالية فبرزت المحاولات في اعادة هيكليتها وبناء اركانها من خلال تفعيل منظومة الاقتصادات المتحولة لتوفير قدرة شرائية قادرة على استيعاب العرض السلعي المتعاظم للانتاج الراسمالي المعتمد على التكنولوجيا الحديثة وفق اخر الاكتشافات العلمية المبتكرة التي ساهمت في تفاقم اعداد البطالة الذي يعادل (10,7%) من قوة العمل في دول الاتحاد الاوربي و (3%) في اليابان بسبب انخفاض معدلات النمو الاقتصادي خلال عقد الثمانينات .
وهكذا اصبح واضحا ان مشكلة ازمة النظام الراسمالي يمكن تجاوزها بتصدير الازمة من خلال جعل الاطراف الراسمالية تمثل نقاط احتياطية لامتصاص الاختلالات التي تحدث في مراكزها . لذلك نجد لاستر ثورو (Laster Thourow ) يقول ان عند كل اختلال تكون هناك نقطة تعادل مختلفة عن التي سبقتها ويشبه نقطة التعادل بالبركان الذي يحدث نتيجة اختلال في الصفائح البنيوية في الارض من خلال ما ياتي (محمود المسافر ،2002،ص70 ) :
1- ان العالم اصبح كله جزءا من النظام الراسمالي وهو متاثر لا محال بكل السمات والظواهر الراسمالية .
2- ان نقطة التعادل يمكن ان تكون في أي مكان أي يمكن ان تحدث في اطراف الراسمالية وليس في مركزها .
لذلك ظهرت الى حيز الوجود مؤسسات برتين وودز بعد الفراغ الذي حصل في عملها في مساعدة البلدان الاعضاء فيهما فرض شروطهما على الدول المحتاجة لموارد هذه المؤسسات من خلال سياسات التثبيت والتكييف الاقتصادي والتي يمكن حصرها في المجالات الاتية :
1- تخفيف المخاطر واستيعاب الاخفاقات في الاسواق المالية
2- العمل على ضم اطراف جدد للاسواق المالية العالمية
3- تحرير حساب راس المال للدول الاعضاء
4- خفض دور الدولة للاستجابة للتطورات الاقتصادية العالمية .
5- تشجيع الاستثمارات الاجنبية الخاصة عن طريق الضمانات التي قدمها البنك للمستثمرين
6- تنمية التجارة الدولية من خلال تمويل الدول الاعضاء

ثالثا : اثر العولمة في الأزمة الاقتصادية العالمية
كان من نتائج تفكك الاتحاد السوفيتي وانهياره مع بقية دول المعسكر الاشتراكي ، ان انفردت الولايات المتحدة الامريكية بصدارة العالم بفضل امتلاكها لقدرات اقتصادية وعسكرية رفيعة المستوى . واصبح الطريق سالكا امام الولايات المتحدة الامريكية لكي تصبح قائد للعولمة الاقتصادية من خلال عمليات الانفتاح والتكامل والاندماج مع الاقتصاد العالمي وتكوين مايسمى بالقرية الكونية .ومدت الراسمالية المتطورة راسمالها عالميا دون اي اعتبار للحدود الدولية. واستخدمت الولايات المتحدة وسائل عدة لفرض العولمة .لقد استخدمت الولايات المتحدة السلاح واسقاط الانظمة واحتلال الدول (كما حصل في العراق وافغانستان ) من اجل دفع بلدان العالم تحت الخيمة الامريكية في ظل ستار العولمة .
استغلت الولايات المتحدة هيمنتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية في فتح قنوات وطرق لمؤديات العولمة الاقتصادية ،وهذا يعني ربط الاقتصاد العالمي بالاقتصاد الامريكي مثل الربط الثابت للعديد من عملات الدول بالدولار الامريكي مما يعني ان العالم مضطر الى دفع فاتورة طعام الولايات المتحدة اي دعم الدولار في سنوات الركود الاقتصادي . ادت العولمة الى احتكار الثروات الطبيعية من بضعة دول صناعية في مقدمتها الولايات المتحدة الامريكية اذ تستحوذ الدول الغنية التي يسكنها 15% من مجموع سكان العالم على 85% من الثروات الطبيعية (سيد امين ، ترجمة ارنست فوري ،2008، ص ) من اجل استدامة الاستهلاك الفاحش لمواطنيها دون غيرهم فيما تعترض الدول النامية صعوبات عديدة للوصول الى هذه الثروات لان ذلك سيؤدي الى نقص هائل في مصادر الثروات الطبيعية يهدد مستويات معيشة الدول الغنية . ولذلك لم تتورع الولايات المتحدة في استخدام القوة العسكرية للسيطرة على العالم لانها تدرك انها من دون هذه السيطرة لا تستطيع تامين الوصول الحصري لهذه الثروات .
ادت العولمة الى تحول الراسمالية المعولمة من الاقتصاد الحقيقي الى الاقتصاد الرمزي اي من اقتصاد قائم على الانتاج والاستثمار الى اقتصاد وهمي قائم على المضاربات المالية . لقد تحررت الاموال ولم تعد تعبر عن حجم الاقتصاد واستطاعت ان تؤمن لرؤوس الاموال الموظفة في صناديق التحوط خاصة في اطار المضاربات معدلات مرتفعة من الارباح ،ففي الوقت الذي لا يزيد مردود التوظيفات الراسمالية في قطاع الصناعة عن 6% فان مردود صناديق التحوط اكثر من 20% وارتفعت اسعار الاسهم الى اكثر من 45 ضعف المردود . وبدلا من خلق التراكم المطلوب في القطاعات المنتجة لخلق ثروات حقيقية تم الاتجاه نحو الاقتصاد الرمزي . ففي عام 1979 كان نحو (5) مليون امريكي يمتلكون اسهما ارتفع الى (60) مليون شخص عام 2009 ، وان الكتلة النقدية في البورصات اليوم تعادل 1.5 تريليون دولار يوميا ( د0صالح ياسر ،2008، ص ) . ويقدر حجم الاقتصاد الرمزي بما يزيد عن (40) مرة حجم الاقتصاد الحقيقي وهو ما ادى الى بروز الفقاعات المالية التي ادى انفجارها الى الازمة الراهنة (عبدالمجيد قوي ،2009، العدد 46 ) .
ادت العولمة الى اتساع عمليات الدمج والاستحواذ في المؤسسات والشركات مما رفع معدلات التمركز والاحتكار وبالتالي رفع نصيب راس المال من الناتج على حساب نصيب الاجور وابطا زيادة الانتاج والنمو الاقتصادي على المدى الطويل ،واسس لازمات اقتصادية واجتماعية تصاعدت حدتها حتى وصلت مرحلة الانفجار (غالب او مصلح ، 2008،ص ) . ارتبطت العولمة بالتخلي عن معظم الضوابط التقليدية التي كانت تسير العمل المصرفي والنظم النقدية لفترة طويلة ،واصبحت السياسات النقدية غير خاضعة للسلطة النقدية التي عجزت عن الدفاع عن اسعار الصرف والفائدة واسعار الاوراق المالية في البورصات . هكذا تحولت الاقتصادات العالمية الى مجرد قرارات بيد قلة من المضاربين بالعملات والاوراق المالية غير الخاضعين لسلطة محلية او دولية بعدما تم انهاء دور الدولة في التدخل مما ادى الى نقص او انعدام الرقابة والاشراف على المؤسسات المالية لذلك يمكن القول بان السبب المهم للازمة الراهنة يكمن في طبيعة النظام الراسمالي الذي تمثل فيه الراسمالية الحالية ركنا هاما في اقتصاد السوق والذي يعد المبدا الرئيسي للعولمة التي تركت اليات السوق تعمل دون كوابح لجموحها غير المحدود في تحقيق الارباح ( محمد نبيل الشيمي ،2009، ص ) .
لقد اتجهت اسواق المال العالمية منذ عدة سنوات وبشكل محموم نحو التكامل والاندماج فيما بينها مما دفع البعض الى القول بان العالم من خلال ترابط اسواقه المالية قد غدا بمثابة سوق نقدي كوني واحد وقد ارتبط هذا التطور بتحرير اسواق المال وازالة قيودها التنظيمية وتراجع دور الدولة في انشطة اقتصادية عديدة والتطور الكبير في تكنولوجيا المعلومات والاتصالات . بيد ان العولمة المالية كثيرا ما ادت الى حدوث الازمات المالية ومنها الازمة الراهنة لانها تعرض الاقتصادات المعولمة الى مخاطر عديدة منها (محمد الاطرش ، 1999،ص39 ) :
1- المخاطر الناجمة عن التقلبات المفاجئة لراس المال .
ان المستثمرين العالميين قد يفيدون من نظرتهم للاسواق المالية ويتحولون عنها بشكل مفاجئ بسبب توقعات المتعاملين الذين يتاثرون بالشائعات والعوامل النفسية .
2- مخاطر تعرض المصارف للازمات
اكدت الازمة الاخيرة الصلة الوثيقة بينها وبين العولمة المالية . فالغاء القيود التي كانت مفروضة على القطاع المصرفي قد هيا الفرصة للتخصيص السيئ للائتمان من خلال الافراط في الاقراض مما افضى الى ارتفاع نسبة الديون المعدومة الامر الذي عرض هذه المصارف لمخاطر الاعسار المالي ومن ثم انهيار العديد منها .
ادت العولمة دورا بارزا في الازمة الراهنة اذ ان الذي ادى الى ازدهار سوق الرهن العقاري امريكيا وعالميا هو عولمة سوق راس المال . لقد ادت سياسات العولمة وانفتاح الشركات العالمية والبنوك الى تعاظم الطلب على شراء الاسهم في شركات الرهن العقاري الامريكية سعيا وراء الربح فاخذت قيم العقارات ومن ثم اسهم الشركات العقارية بالارتفاع بصورة مستمرة . وعندما عجز بعض المقترضين عن التسديد لم تستطع شركات الرهن العقاري والمصارف الحصول على قروض ميسرة هبطت قيمة العقارات ومن ثم هبطت قيم اسهمها في البورصة بسبب العولمة وانتقل التاثير الى القطاعات الاقتصادية الاخرى غير العقارية (ابو بكر عساف ،2008،ص ) .

رابعا : عولمـــة الازمــــــة
لم تكن الازمات الاقتصادية في المرحلة التي سبقت انهيار المنظومة الاشتراكية تشكل خطرا كبيرا على البلدان النامية باستثناء البلدان التي تعاني من تبعية شديدة للنظام الراسمالي . بيد ان انفراد الراسمالية بالعالم بعدما دمجت الولايات المتحدة القوتين العسكرية والاقتصادية في اطار عسكرة العولمة من اجل فرض الثقافة والقيم الامريكية على شعوب العالم وفرض برنامج توافق واشنطن على جميع البلدان حتى باستخدام القوة العسكرية فضلا عن انتشار افكار الحرية والفردية التي روجت لها مؤسسات العولمة (صندوق النقد الدولي – البنك الدولي –منظمة التجارة العالمية ) مما جعل البلدان النامية كما البلدان الصناعية تعاني من وطاة الازمات الاقتصادية . ما يجعل الازمة الراهنة مختلفة عن معظم الازمات لانها تؤثر على الاسواق المالية في كل انحاء العالم في وقت واحد ، والنتيجة النهائية هو تراجع قيمة الاوراق المالية في البورصات وتكبد حائزي الاصول مثل الاوراق المالية المضمونة برهون عقارية خسائر فادحة وافلاس شركات التامين على كثير من هذه الادوات الجديدة ايضا في عدد من البلدان (World Bank ,2008,p.2 ) .
ان اقسى ما يمكن ان يتمخض عن الاندماج بالعالم الراسمالي هو ان تصبح الاقتصادات النامية في الاطراف المدمجة عرضة لازمات غير مرتبطة بواقع هذه الاقتصادات وانما ترتبط بالازمات البنيوية في الاقتصادات الراسمالية في المركز . لقد ادى تشابك العلاقات الاقتصادية والمالية عالميا نتيجة لعولمة الاقتصاد وسوق المال الى ان تنتقل الازمة الراهنة التي بدات في قلب الراسمالية العالمية ومركزها الى مختلف دول العالم المتقدمة منها والنامية والى حيث يوجد استثمار وتجارة . وقد ساعد على تفاقم الخسائر الفعلية للازمة الراهنة وانتشارها الافقي على مستوى العالم وتحمل البلدان الفقيرة اعباءها الثقيلة تسارع عمليات تحرير شتى الاقتصادات ودمجها او اندماجها في عملية العولمة . وبهذا الصدد يشير صندوق النقد الدولي الى ان اكثر البلدان التي تعرضت للازمة هي تلك التي شهدت تحريرا واسعا في اسواقها المالية ومؤسساتها المصرفية . ولذلك انحدر العديد من البلدان الى منطقة الخطر الجديد مع تصاعد المخاطر على الصادرات والاستثمار والائتمان .
ألقت الأزمة الراهنة بظلالها على الاقتصادات النامية مع انقطاع قنوات الاقراض وتباطؤ نشاط التصدير نتيجة لضعف الطلب في الدول المتطورة . بيد انه من الصعب تحديد اثار الازمة الاقتصادية على البلدان النامية لان ذلك يخضع للعديد من العوامل مثل درجة انفتاحها على الاسواق العالمية ومدى اندماجها في السوق المالية العالمية اذ ان السلبيات قد لحقت بالدول المنكشفة على الخارج التي يشكل القطاع الخارجي نسبة مهمة في مجمل الاقتصاد اكثر من الدول الاخرى الاقل اندماجا او المنغلقة حاليا . فضلا عن ذلك ثمة عوامل اخرى تجعل الدول النامية تتباين فيما بينها من حيث درجة تاثرها بالازمة مثل نوعية صادراتها ،والتوزيع الجغرافي لهذه الصادرات ومدى قدرتها على الاستفادة من عوائد صادراتها لتكوين اقتصادات منتجة تخفف من اثر الصدمات الخارجية وتعزز القدرة على التكيف مع المستجدات ، ومدى سلامة القطاع المالي فيها .
ادت الازمة الحالية الى حدوث انكماش غير مسبوق في الناتج والتجارة العالميين ، فقد سجل اجمالي الناتج المحلي العالمي انكماشا تجاوز 6% في الربع الرابع من عام 2008 والربع الاول من عام 2009 (صندوق النقد الدولي ،2009،ص 17). ومع تفاقم صعوبة الحصول على راس المال حدث هبوط حاد في انتاج السلع الصناعية وفي التجارة العالمية بهذه السلع اذ انخفض مستوى الانتاج الصناعي في البلدان المتقدمة بحوالي 15% عام 2008 بينما انخفض في الدول النامية ما عدا الصين بنحو 10% ومن المتوقع ان يشهد معدل نمو الناتج المحلي الاجمالي في الدول النامية تباطؤا شديدا من 5,9 % عام 2008 الى 1,2% عام 2009 غير ان اداء البلدان النامية يفوق اداء البلدان المتطورة التي من المتوقع هبوط ناتجها الاجمالي بنسبة 4,5% عام 2009 (البنك الدولي ،2009،ص10) .
تتجلى انعكاسات الازمة الحالية في التدهور الاجتماعي على الصعيد العالمي اذ ان خيارات الحياة والاستهلاك اصبحت محدودة لملايين من البشر والقت الازمة بظلالها القاتمة على الفقراء الذين يقع على عاتقهم عبء اعادة الهيكلة وفي الوقت ذاته يدخلون في صراع فيما بينهم لاقتسام الموارد المحدودة . لقد ادت الازمة الى ركود نسبي في الانتاج مما افضى الى تراجع اجور العمال وارتفاع في معدلات البطالة والمزيد من الهشاشة الاجتماعية وتفاقم الفقر . وبهذا الصدد يقول الامين العام للامم المتحدة السيد بان كي مون ” الازمة المالية الراهنة تهدد معيشة مليارات الاشخاص عبر العالم خصوصا الاكثر فقرا ” (الجزيرة نت ،2008،ص1) .
لقد تاثرت البلدان الفقيرة بالازمة لانها بالكاد تنتج ما يكفي لسد حاجاتها وغالبا ما تعتمد على الطلب على صادراتها الى البلدان الغنية الذي انخفض كما انها تعتمد على التحويلات والمساعدات من الدول الغنية ومن ثم فالفقراء في الدول كافة سيتاثرون سلبا بالازمة اكثر من الاغنياء .
تشير التقديرات الى ان العدد الاضافي لمن وقعوا في براثن الفقر المدقع في عام 2009 من جراء الازمة المالية يتراوح عددهم ما بين (50-90)مليون شخص وسيبلغ عدد الذين يعيشون على اقل من 1,25 دولار يوميا في البلدان النامية في عام 2009 نحو 1,184 مليار شخص . ومن المتوقع ان يرتفع عدد الاشخاص الذين يعانون من الجوع المزمن في العالم الى مليار انسان عام 2009 . وتذهب تقديرات البنك الدولي الى ان ما بين (200-400) الف رضيع اخر سيموتون سنويا في العالم بين عامي 2009-2015 نتيجة لهذه الازمة . واذا لم تتخذ الاجراءات المناسبة الان فقد يتراوح مجموع الوفيات الاضافية للرضع من (1,4 – 2,1) مليون وفاة بحلول عام 2015. وفي تقرير اخر صدر عام 2009 بعنوان (تفادي ازمة انسانية ) يحذر البنك الدولي من ان (23) بلدا تضم 60% من المصابين بالايدز ممن يعالجون بالعقاقير المضادة للفيروسات ستشهد توقف هذا العلاج وكذلك برامج المكافحة بنهاية عام 2009 بسبب الازمة المالية الحالية (البنك الدولي ،2009،ص2) .
بهذا الصدد يقول داني ليندريجر نائب رئيس البنك الدولي لشؤون الحد من الفقر ” في عالم اليوم الذي يغلب عليه طابع العولمة لا يوجد بلد يتمتع بمناعة من التاثر بالازمة ” (البنك الدولي ،2009،ص3) .
ستؤثر الازمة من خلال الركود الاقتصادي العالمي وارتفاع اسعار الفائدة مع مزيد من المخاطر التي تؤدي الى انخفاض اسعار السلع الاساسية في الاجل المتوسط الى ردع الاستثمارات الجديدة في قطاعات الموارد الطبيعية . ومن المرجح ان تشهد الدول النامية سوء مناخ التمويل الخارجي عام 2009 ، ومع الهبوط الكبير والسريع الذي تشهده تدفقات راس المال من القطاع الخاص سيجد العديد من البلدان النامية صعوبة بالوفاء باحتياجاتها من التمويل الخارجي الذي يقدر بترليون دولار (البنك الدولي ،2009،ص3) .
اثرت الازمة الراهنة ايضا على التحويلات من البلدان المضيفة ، والجدير بالذكر ان البلدان النامية هي اكبر من العائدات من اهم الصادرات من السلع الاساسية في (36) بلدا وكانت اكبر من راس المال الخاص والعام (World Bank,2009,p.4 ) . ويتوقع البنك الدولي ان ينخفض حجم التحويلات المالية الى البلدان النامية الى 3,4 مليار دولار عام 2009 من نحو 328 مليار دولار بانخفاض قدره 7,3 % ( البنك الدولي ،2009،ص4) . بسبب حالة اللايقين المحيطة بمدى عمق الازمة ومدتها والتقلبات غير المتوقعة في اسعار الصرف واحتمال تشديد القيود على الهجرة ، ثمة مخاطر تتمثل في ان يؤدي ارتفاع معدلات البطالة الى فرض المزيد من القيود على الهجرة في بلدان 000 الرئيسة ، وستحد مثل هذه القيود من التحويلات النقدية بصورة اكبر من المتوقع وستبطئ الانتعاش العالمي وستخلق متاعب حقيقية للعديد من الدول خاصة تلك التي تعاني من فجوات تحويلية خارجية .
ويتمثل الاثر السلبي الاخر للازمة الحالية في انخفاض الطلب العالمي على السلع الاولية الذي ادى الى انخفاض اسعارها في النصف الثاني من عام 2008 بنسبة 55% ونتيجة لذلك تفردت بلدان افريقيا وامريكا اللاتينية والشرق الاوسط بسبب تراجع الطلب في اسواق الصادرات وانخفاض اسعار المواد الاولية . وكان الهبوط الكبير في اسعار النفط عام 2009 قد اثر بشكل كبير على اقتصادات منطقة الشرق الاوسط وامريكا الجنوبية ،وتاثرت بلدان اخرى بالانخفاضات في الصادرات وانشطة السياحة . ومع تدهور الاوضاع الخارجية وتراجع التدفقات الراسمالية تدهور العديد من اسواق الاسهم 000 (صندوق النقد الدولي ،2009،ص5) .
وهكذا واصلت الازمة انتشارها وتعاظمت وتيرتها في عالم العولمة المالية الذي لم يسبق له مثيل . وتعرضت استثمارات بعض الدول النامية الموظفة في الدول الغنية الى خسائر فادحة اذ يشير صندوق النقد الدولي الى ان الدول الخليجية تمتلك لوحدها مليار دولار . وهذه الاستثمارات بدات في السنوات الاخيرة بالاتجاه نحو قطاع العقارات حيث العائد المرتفع وهو ما يعني تاثر هذه الاستثمارات بازمة الرهن العقاري و لا توجد معلومات دقيقة عن حجم هذه الخسائر(يوسف خليفة ،2008،ص20) . وهكذا واصلت الازمة انتشارها وتعاظمت وتيرتها في عالم العولمة المالية الذي لا مثيل له .

المصادر :
اولا : المصادر العربية :
1- ابو البركات الانباري – الانصاف في مسائل الخلاف (بيروت – دار لسان العرب – بدون سنة نشر ) .
2- ابو بكر عساف – العولمة واثارها الاقتصادية المدمرة على البلدان الاسلامية – مجلة الوعي – العدد 2006-2008 .
3- اسماعيل صبري عبدالله –الكوكبة :الراسمالية العالمية في مرحلة ما بعد الامبريالية ،في :العرب وتحديات النظام العالمي (بيروت –مركز دراسات الوحدة العربية -1999) .
4- البنك الدولي – الازمة المالية :شق الطريق الى انتعاش الاقتصاد العالمي – حزيران – 2009 – معلومات متاحة على الموقع الالكتروني للبنك الدولي .
5- البنك الدولي – الازمة الاقتصادية والاهداف الانمائية للالفية -2009 معلومات متاحة على الموقع الالكتروني للبنك الدولي .
6- البنك الدولي – انخفاض تحويلات المغتربين -2009 معلومات متاحة على الموقع الالكتروني للبنك الدولي .
7- الجزيرة نت – الازمة المالية -2008 – معلومات متاحة على الموقع الالكتروني للجزيرة نت
8- باري سيجل –النقود والبنوك والاقتصاد 00 وجهة نظر النقديين – ترجمة د0 طه عبدالله منصور و د0 عبدالفتاح عبدالرحمن (الرياض – دار المريخ-1987) .
9- برهان محمد نوري – افاق التطورات الاقتصادية الدولية المعاصرة : العولمة وتحرير التجارة (بغداد – بيت الحكمة -1999)
10- جيمس جوارتيني وريجارد استروب – الاقتصاد الكلي – الاختيار العام والخاص – ترجمة د0 عبدالفتاح عبدالرحمن ود0عبدالعظيم محمد (الرياض- دار المريخ -1988)
11- د0خزعل البيرماني – مقدمة في الاقتصاد الكلي ( بغداد – جامعة بغداد – 1975).
12- د0 رمزي زكي – الازمة الاقتصادية العالمية الراهنة (الكويت –المعهد العربي للتخطيط -1985) .
13- ريمون برتران – الاقتصاد المالي الدولي – ترجمة محمود بهير انسي (القاهرة – دار المعرفة – 1975 ) .
14- سمير امين – الانهيار المالي – ازمة نظام ؟ اجوبة خادعة واخرى ضرورية – ترجمة ارنست فوزي – الثقافة الجديدة -2008 .
15- د0صالح ياسر –الاقتصاد السياسي للازمة المالية العالمية 00 محاولة فهم الجذور –الثقافة الجديدة -2008 .
16- صندوق النقد الدولي – التقرير السنوي -2009 .
17- عبدالكريم كامل عبدالكاظم – النظم الاقتصادية المقارنة (الموصل – جامعة الموصل – 1988)
18- د0عزت السيد احمد – انهيار مزاعم العولمة 00 قراءة في تواصل الحضارات وصراعها ( دمشق – اتحاد الكتاب العرب -2000)
19- عبدالمجيد قوي – الازمة الاقتصادية الامريكية وتداعياتها المالية – بحوث اقتصادية عربية – العدد 46-2009 .
20- غالب او مصلح – ازمة النظام الاقتصادي العالمي – العالم في مرحلة مخاض – مركز دمشق -2008 .
21- فرانسيس فوكوياما – نهاية التاريخ والرجل – ترجمة وتعليق د0 حسين الشيخ (بيروت – دار العلوم – 1993) .
22- فنشنزو فيتللو – الفكر الاقتصادي الحديث – ترجمة د0 محمد ابراهيم زيد ( القاهرة – الدار المصرية للتاليف والترجمة -1967) .
23- فيتو تانزي – خبرة العجز المالي في البلدان الصناعية – التمويل والتنمية – العدد (4) ديسمبر -1985 .
24- محمد الاطرش – العرب وتحديات النظام العالمي (بيروت – مركز دراسات الوحدة العربية -1999) .
25- محمد نبيل الشيحي – العولمة والازمة الاقتصادية العالمية – الحوار المتمدن -2009 .
26- د0 محمود خالد المسافر – العولمة الاقتصادية : هيمنة الشمال والتداعيات على الجنوب (بغداد – بيت الحكمة -2002 )
27- نيلسون اروو جودي سوزا – انهيار الليبرالية الجديدة – ترجمة جعفر السوداني (بغداد – بيت الحكمة – 1999) .
28- يوسف خليفة اليوسف – الازمة المالية والاقتصادات الخليجية – المستقبل العربي – العدد – 2008 … & 

&. عن الحوار المتمدن…


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى