اللجان

أگـول .. جئت لا أعلم من أين أتيت!

وانا اتجول في مدينتي كربلاء، التي كنت شاهدا على ازدهار الصناعة والزراعة فيها قبل عقود مضت، وجدت أن كل ذاك التقدم بات في خبر كان بعد ان تحول الجمال الى قبح في زمن العلوم والتكنولوجيا المتطورة، الذي يفترض أن نقفز فيه بإمكاناتنا المادية والبشرية الكبيرة إلى مصاف الدول الراقية. لكننا أصبحنا اليوم نتصدر قائمة الدول الأشد في رداءة التعليم وتفشي الفساد المالي والإداري، وحتى كرة القدم صار تسلسلنا فيها مخجلا!

السبب في هذا الخراب هو القيادة الفاشلة لفرسان المحاصصة الطائفية، الذين لم يضعوا في حساباتهم أهمية حياة الانسان ورفاهيته وصحته وتعليمه، إنما أوغلوا في تأبيد الجهل والبطالة وتوسيع فجوة الفقر وبالتالي انتشار الجريمة والمخدرات. 

لم تكن حربا الخليج الأولى والثانية هما الكارثة فحسب، بل ان الكارثة الكبرى تتمثل في هجوم الجهل على كل مرافق الحياة. فبين ليلة وضحاها وعلى مدار 20 عاما، غزت موجات دعاة الليبرالية الجديدة بلدنا الذي صار الاقتصاد الريعي يتصدر فيه قصب السبق. فبتنا ندخل في أزمة، وما أن نخرج منها ونلتقط الأنفاس، حتى نعود وندخل في أزمة أخرى، ما أصبحنا مثل سلعة تتلاعب بها سياسة العرض والطلب في سوق النخاسة!

وكان من أبرز مخرجات نهج المحاصصة والفساد والاقتصاد الريعي، في كربلاء على وجه التحديد:

– انعدام الزراعة، وتحول الفلاح من منتج إلى مستهلك، وأرضه من زراعية إلى كراج لغسل وتشحيم السيارات، أو سكلة لبيع الحديد والاسمنت! 

– معامل الثرمستون والنورة والتعليب بيعت للقطاع الخاص. اما معمل النسيج فجرى هدمه ولم تبق منه غير قطعة متآكلة تذكّر بوجوده قرب “سيد جودة”. فيما تحول “مكبس التمور” المجاور لـ “مستشفى النسائية والتوليد”، بقدرة قادر الى “جامعة طهران” الدولية – الفرع الثاني.

– اتساع قطاع التعليم الأهلي من الابتدائية حتى الجامعة، وبشكل فج يؤشر تعمدا في تدمير قطاع التربية والتعليم العام.

– اهمال تام لقطاع السياحة الذي تمتاز به المدينة، باعتبارها تضم عشرات الأماكن السياحية المسجلة عالميا، مثل “قصر الاخيضر” و”بحيرة الرزازة” و”القنطرة البيضاء” وغيرها.

– المدينة القديمة وابوابها التراثية مثل “باب الطاق” و”باب اليهودي”، وغيرها الكثير من التراثيات التي نفخر بها أمام العالم، أصبحت اليوم في خانة النسيان مع الأسف!

وبعد هذه الجولة، عدت إلى البيت وأنا أردد مقاطع من قصيدة الشاعر إيليا أبو ماضي: “جئت لا أعلم من أين أتيت..”!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى