الفكر السياسي

إهدار الأموال على طائرات بدل توفير الخدمات

إهدار الأموال على طائرات بدل توفير الخدمات

صادق البلادي

2012 / 8 / 10
مواضيع وابحاث سياسية

من الأجراءات الهامة التي قامت بها ثورة الرابع عشر من تموز كانت الخروج من حلف بغداد تحقيقا للإستقلال الوطني للعراق، هذا الإستقلال الذي ناله العراق شكليا في تشرين أول عام 1932 ، بعد أن ضمن الإستعمار البريطاني ، عبر أعوانه ، بقاء العراق تحت هيمنته بعقد إتفاقية 30 حزيران عام 1930، ولعل إختيار يوم الذكرى العاشرة لثورة العشرين لم يكن صدفة و إعتباطا، إنما ليكون إهانة لرجال وشهداء ثورة العشرين.، ولربما نفس الدافع كان وراء إختيار تموز 2010 لتوقيع إتفاقية مع الولايات المتحدة الأمريكية لتدريب عشرة طيارين عراقيين على طائراتF16 قبل الإتفاق على شراء الطائرات، فما أبعد نظرها، ليت يكون لها مثل بعد النظر هذا في مكافحة الإرهاب وتوفير الماء والكهرباء والدواء.
وقال مسؤول في القوات الامريكية في العراق أيام توقيع الإتفاقية أن هذا لن يعزز بشكل كبير قدرة العراق على السيادة الجوية فحسب و انما سيكون ايضا سببا رئيسيا في علاقة طويلة الأمد بين البلدين . و من خلال هذا البرنامج و برامج تعاون أمني اخرى نكون قد طورنا بيئة قوية من الصداقه و الثقة المتبادلة “، فاته أن يصفها أنها ستكون أقوى من العلاقة أيام حلف بغداد.
وتضمنت الاتفاقية تدريب كادر يتكون من 10 طيارين مختارين بشكل دقيق من القوة الجوية العراقية وكان من المقرر ان يبدأ التدريب في خريف 2010 في الولايات المتحدة،. ويستمر التدريب لفترة تصل الى 12 شهر لكل طيار وفقا لمستوى خبرة الطيار. ويشمل التدريب أيضا 350 فنيا ، وزيد عدد الطيارين لاحقا .و يجري إختيارهم حسب المحاصصة، حالهم حال مفوضي ” المفوضية المستقلة لتزوير الإنتخابات”
وقد يبدو غريبا أن أسرائيل التي سعت الى منع عقد صفقة طائرات الى السعودية، لم تبد إعتراضا على صفقة مع العراق، ولكن ليس من غرابة فقد قال مصدر بارز في الإدارة الأميركية في حينه أن الولايات المتحدة تعهدت لإسرائيل بأن تكون لها الأولوية في الحصول علي أي نظام أسلحة حديث، وفي بعض الحالات يكون لها فقط الحق في شراء نظم أسلحة جديدة، وهو ما لا ينطبق علي الدول العربية.
ولكن يبدو أن إتفاقية التدريب لم تنفذ بعد كما يبدو، فقد طالب التحالف الوطني هذه الأيام بتأجيل صفقة الطائرات بحجة وجود تمييز طائفي في إختيار الطيارين العشرة، وعُزى سبب التمييز هذه المرة الى البنتاغون الذي يقال انه هو الذي طلب عدم إختيار طيار شيعي للتدريب ، الأمر الذي أثار حفيظة التحالف الوطني فطالب بتأجيل الصفقة ، وكأنها إتفاقية معقودة بدون شروط ملزمة، وكأن حكومة المحاصصة لم تخصص مايقرب من مليار دولار في كانون الثاني عام 2011 كدفعة اولى للطائرات والمقرر وصول طلائعها في ايلول عام 2014، أي حتما قبل مجئ ربيع الماء و الكهرباء والدواء الى الناس. ومن الغريب في هذا المجال أن يصف النائب المستقل محمود علي عثمان وصول المحاصصة الى اختيار طياري الــ”F16″ أمرا معيبا للغاية ، دون أن ينتبه الى ما في قوله هذا من أمر معيب للغاية، فهو يكشف سهوه عما ثبته الدستور الذي كان النائب محمود عثمان من صناعه، والذي نص في
“المادة (9:
اولاً :ـ أـ تتكون القوات المسلحة العراقية والاجهزة الامنية من مكونات الشعب العراقي، بما يراعي توازنها وتماثلها دون تمييزٍ او اقصاء “. وهذا هو الأمر المعيب حقا.
وقد أصدر قائد القوة الجوية بيانا أبدى فيه استغرابه من التصريحات التي ادلى بها بعض السياسيين عن انتماء الطيارين العشرة في واشنطن لمكون واحد ، لكنه أكد في الوقت أن الوجبة التي ارسلت تضم سنة وشيعية وكرد وتركمان، أي وفق المادة الدستورية إياها، ووفق المحاصصة الطائفية الإثنية ، أساس تشكيل الحكومة العراقية.
وقد نفى قائد القوة الجوية عدم صحة خبراستبعاد المتدربين اليس من الحري أن يبعث ما إنكشف من هذه الصفقة، التي تضاف الى غيرها من صفقات عقود الأسلحة السابقة، وإختفاء البدران مع المليارات من الدولارات الى ضرورة التفكير أساسا فيما لو أن عراق المستقبل ، المستقبل المنظور على الأقل ، بحاجة الى هذه الأسلحة الثقيلة، التي لا تفيد في مكافحة الإرهاب و توطيد الأمن الذي يفتقده الناس.؟
كان وزير الدفاع عبد القادر العبيدي، قد صرح في آب 2009 إن القوات العراقية ستكون جاهزة لتوفير الامن داخليا بحلول عام 2011، وما نراه من استمرار التفجيرات يكشف أن توقعاته ما كانت مبنية على أساس سليم. وقال في نفس التصريح ، الذي نقلته صحيفة لوس انجلس تايمز الاميركية : ” لا ارى حاجة للقوات الاميركية للمساعدة في الدفاع عن الحدود العراقية على الرغم من ان القوات العراقية لن تكون جاهزة لعمل ذلك حتى عام 2016″.، أي أنه كان يقدر، وبحق أن العراق ليس مهددا بعدوان من أحد، لا لبفضل قوته واستعداده العسكري، بل لأن الظروف الإقليمية والدولية لا تسمح لأحد بإجتياح حدود العراق حتى ذلك الوقت رغم أن قواته لن تكون جاهزة، فلماذا يتوقع عاقل أن من لديه الرغبة والقدرة على الإعتداء على العراق ينتظر الى أن تكمل جاهزية القوات العراقية؟ ولنتذكر أن نائب رئيس مجلس النواب عارف طيفوركان قد أشار الى” تجارب ماضية لوزير الدفاع السابق عبدالقادرالعبيدي الذي مازال في أميركا والمتهم بملفات الفساد المالي والتحقيقات مستمرة من قبل هيئة النزاهة حول عقود الأسلحة والآليات العسكرية التي أبرمتها وزارة الدفاع مع دول العالم” وجاءت إشارته هذه في تصريح صحفي له أواخر تموز الماضي تعليقا على زيارة وزير الدفاع العراقي وكالة السيد سعدون الدليمي الى موسكو مع وفد عسكري كبير بهدف عقد صفقة مع روسيا لشراء أسلحة ثقيلة , مبينا أستغرابه لهذا التوقيت بسبب ما تمر به البلاد من ظروف حساسة ومشاكل سياسية , و مؤكدا على حاجة العراق الى بناء وأعمار وعلى ضرورة إهتمام الحكومة الأتحادية بالخدمات ورفع المعاناة عن كاهل المواطن والتوجه بشكل جدي لحل مشكلة الكهرباء وتوفير فرص العمل للعاطلين ورعاية المتضررين من جراء الحروب والعمليات الأرهابية . وليت محاولات رئاسة اقليم كردستان لعرقلة صفقة الطائرات هذه جاءت من نفس منطلقات نائب رئيس مجلس النواب ،وليس في إطار إضعاف الحكومة الإتحادية و تقوية الإقليم ، مما يعكس بقاء التفكير في إسار القوة العسكرية لحل الخلافات الداخلية بدل السعي لتفادي تراكم الإختلافات والبحث عن الحلول السلمية.
ومن الجدير بالذكر الإشارة الى أن الحكومة العراقية قررت قبيل جمعة الغضب في شباط العام الماضي تأجيل عقد شراء فقال المتحدث باسم الحكومة علي الدباغ يوم 14 شباط 2011 إن “عقد شراء مقاتلات F 16 قد تم تأجيله هذا العام، وتم تحويل جميع الأموال المخصصة له لدعم البطاقة التموينية”. ، وأكد في حينه عضو اللجنة الاقتصادية في مجلس النواب محما خليل أن “مبلغ تسعمائة مليون دولار والذي كان مخصصا ضمن موازنة العام الحالي لشراء طائرات F 16 قد أحيل إلى تخصيصات، لدعم البطاقة التموينية وشبكة الحماية الاجتماعية”.، فهل نفذ هذا القرار حقا أم جاء للإستهلاك وامتصاص غضبة الشعب فقط.

أليس على كل إنسان عاقل يريد الخير للعراق ، وتجنيبه الإنزلاق الى معارك و نزاعات طائفية، داخلية أو إقليمية ، أن يدعو الى تعديل الدستور، وتنظيفه مما فيه من ألغام موقوته و أن يصيخ السمع لصرخة العربي الخميسي التي أطلقها عند تأسيس التيار الديمقراطي في نيوزيلاندا : ” :
“دعونا نصرخ معا، لا للجيش ونعم لحله واعلان العراق دولة محايدة تحافظ فقط على امنها الداخلي عبر قوات الشرطة فقط.
لا أسمح لكم ان تقولوا اننا نريد بناء جيش قوي للدفاع عن الوطن.. أي دفاع وضد من؟؟.
قبل ان تردوا علي اود ان اقول لكم باني احد الضباط الاحرار وقد احصيت الان 85 عاما من حياتي وخدمت بالجيش العراقي “… *

*.  عن الحوار المتمدن….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى