القانونية

استثناء الشركات العامة من الضمانات المالية والمعايير الفنية عند التعاقد في ضوء تعليمات تنفيذ العقود الحكومية

استثناء الشركات العامة من الضمانات المالية والمعايير الفنية عند التعاقد في ضوء تعليمات تنفيذ العقود الحكومية

د. محمد صباح علي

تعد تعليمات تنفيذ العقود الحكومية وضوابطها النافذة؛ القواعد العامة التي تحكم مسار عملية التعاقد داخل الوزارات والشركات العامة عند قيامها بإبرام عقودها وتأمين مستلزماتها من احتياجات مع القطاع الخاص على ضوء ما قررته نصوص وفقرات هذه التعليمات التي تعتبر ملزمة تسير عليها الجهات التعاقدية في كافة المراحل السابقة واللاحقة لإجراءات التعاقد  وما يثار بين المرحلتين من معوقات تسبق عملية التنفيذ. فحددت هذه الضوابط في المادة             1- أولا-أ/ سريان أحكامها على الجهات العامة وبينتها بالآتي: ( العقود التي تبرمها الجهات التعاقدية ممثلة برئاسة الجمهورية ومجلس الوزراء ومجلس النواب ومجلس القضاء الأعلى والأمانة العامة لمجلس الوزراء والوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة والإقليم والمحافظات غير المنتظمة في إقليم مع الجهات العراقية وغير العراقية لتنفيذ المقاولات العامة والمشاريع والعقود الاستشارية وعقود الخدمات غير الاستشارية وعقود تجهيز السلع والخدمات المحسوبة على الموازنات الاستثمارية والجارية والتشغيلية). وأكملت الفقرة (ب) من نفس المادة أعلاه سريان هذه التعليمات على ( الشركات العامة عند تنفيذها لمشاريعها المدرجة في المنهاج الاستثماري أو الجاري الممول من الموازنة العامة). وأخرجت المادة (ثانيا) من نطاق سريان هذه التعليمات مايلي :

  • المشاريع والعقود لدوائر الدولة والقطاع العام الممولة من الدول الأجنبية أو المنظمات الدولية أو الإقليمية أو المنظمات غير الحكومية والمنفذة استنادا إلى اتفاقيات أو بروتوكولات خاصة تبرم مع جهة التعاقد العراقية وتطبق أحكام هذه التعليمات في حالة عدم وجود نص يمنع من تطبيقها في الاتفاقية.
  • العامة عند تنفيذها للعقود المحالة إليها من الجهات التعاقدية الرسمية، بصفتها مقاول أو مجهز أو استشاري وتعتمد في ذلك الضوابط المقررة من مجلس الإدارة والمصادق عليها من رئيس الجهة المرتبطة به في اختيار أسلوب التعاقد المناسب وإجراءات التفاوض السعري على أن لا تتعارض مع التشريعات والقوانين التي تنظم نشاطها.
  • وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة الأمنية فيما يتعلق بعقود التسليح وعقود تجهيز المعدات والأجهزة الأمنية والعسكرية على أن تخضع لضوابط تضعها اللجنة القطاعية المختصة في مجلس الوزراء.

في حين بين البند (ثالثا) من نفس المادة على أن ( تعتمد الصلاحيات والمهام المنصوص عليها في النظام الداخلي المقر وفقا للشركات العامة عند تنفيذ تعاقداتها التي لا تسري عليها تعليمات تنفيذ العقود العامة ومثال ذلك عقود التسويق وعقود الاستثمار مع الأخذ بنظر الاعتبار التشريعات القانونية ذات الصلة). ونستطيع القول هنا بان هذه المادة حبرا على ورق ولا يمكن للشركات تنفيذ مضمونها لكون أن النظام الداخلي لهذه الشركات ومجلس الإدارة لا يملك حق اختيار الأسلوب المناسب والمعتمد الذي يتوافق مع أهداف نشاطه وتنظيم عمله بسبب الروتين ودخول اتخاذ القرار في جانب المسؤولية والمسائلة عن أسباب اتخاذه لتكون فيما بعد تجاوز صلاحيات وإهدار للمال العام وقضية من قضايا الفساد المالي والإداري تنظرها هيأة النزاهة؛ ما لم تعزز بجهة ساندة عليا تضفي على القرار حماية تنفيذية مشتركة ومثال على ذلك عقود نقل المنتجات النفطية وعقود تصفية النفط حيث لا وجود لرأي مجلس إدارة هذه الشركات فيه بالرغم من عدم انطباق تعليمات تنفيذ العقود الحكومية عليها.

وما تبين من نص المادة المتقدمة وبنودها نرى أن هذه التعليمات تطبق داخليا وفي العقود البسيطة التي تبرمها الجهات التعاقدية التي ذكرتها مع القطاع الخاص عند شرائها احتياجاتها، وأخرجت طائفة من العقود من هذه الضوابط لتخصصها بمعايير فنية أو عدم ملائمتها لأساليب التعاقد في هذه التعليمات ورأت نجاح تنفيذها بإسنادها إلى الجهة الطالبة ومن خلال مجلس الإدارة والنظام الداخلي. ولم يشير نطاق سريان هذه التعليمات على تعاقد الجهات الحكومية فيما بينها، هذا النمط من التعاقد دخل إلى المجال العملي بعد أن انتشرت هيكلة الشركات العامة والبدء بإجراءات التصفية والخصخصة لعدد كبير منها بسبب خسارتها وعدم سداد مرتبات موظفيها مما باتت عقبة في طريق الحكومة وبعد عقد اجتماعات من قبل الحكومة لوضع أسلوب لتطوير هذه الشركات ورفع إنتاجيتها وإعادة نجاحها واندماجها في عملية التصنيع والتنمية المحلية؛ فكانت من خلال دخول هذه الشركات العامة الخاسرة مشاركة مع بعض الشركات الأجنبية أو المحلية من خلال القطاع الخاص الذي له الدور الحاكم في صياغة وصناعة القرارات والأهداف ولم يكن هذا الدخول وفق الأسس الاقتصادية والعلمية الصناعية الرصينة التي يتم من خلالها النظر إلى احتياج السوق المحلي وتغطية طلباته من إعادة التشغيل لهذه المصانع ونقل الخبرات والتكنلوجيا الحديثة بل يتم من خلال الاستيراد الكلي أو الجزئي عن طريق إدخال المادة من الخارج مع وضع بعض اللمسات البسيطة قبل بيعها، فأسس لذلك من خلال لجنة مشتركة بين وزارة التخطيط ومجموعة من أعضاء هذه الشركات لتضع برنامج يسمى الدليل لمنتجات الشركات العامة المستوفية لشروط تشجيع المنتج الوطني وألزمت الشركات العامة وذاتية التمويل بشراء هذه المنتجات، فنصت الفقرة 3-1 من هذا الدليل على ( التعريف بمنتجات الشركات العراقية التي تنطبق عليها المعايير الواردة استنادا لأحكام المادة (24) من قانون الموازنة الاتحادية رقم (1) لسنة 2019 على: أن تلتزم الوزارات الاتحادية والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات بشراء احتياجاتها من منتجات الوزارات الاتحادية على أن لا تقل نسبة القيمة المضافة إلى قيمة الإنتاج لهذه المنتجات المصنعة على 20% على أن لا تزيد أسعار منتجات الوزارات عن مثيلاتها المستوردة بنسبة تزيد عن 10% مع مراعاة مواصفات النوعية والجودة وتتولى وزارة التخطيط تحديد القيمة المضافة ومواصفات الجودة والنوعية بشكل سنوي وفق الدليل السنوي لمنتجات الشركات العامة المستوفية لشروط تشجيع المنتج الوطني.

ثم وضحت الفقرة 3-2 آلية وأسلوب الشراء لهذه المنتجات من خلال : تسهيل عملية الشراء المباشر دون اللجوء إلى تقديم العروض وخاصة بالنسبة للوزارات الاتحادية والجهات غير المرتبطة بوزارة والمحافظات. أن أسلوب الشراء المباشر يعد بمثابة أسلوب استثنائي في الشراء حيث يقضي على مبدأ المنافسة في الاشتراك لشراء السلعة ويفوت على الدولة أمكانية الترجيح في اختيار السعر الأفضل والجودة العالية وهو أسلوب لا يمكن اللجوء إليه من قبل وزارات الدولة لأنه يتعارض مع ضمانات المصلحة العامة، وتستقل به هذه الشركات التي يكون للقطاع الخاص (التاجر) الدور الرئيسي في الاستفادة من هذا الامتياز القانوني لتسهيل تمرير عملية الشراء بالأسلوب المحدد من قبل هذه اللجنة، والذي لم يضع أي بند ينظمه في التعليمات المشار إليها أعلاه بل ينفذ من خلال قانون الموازنة الاتحادية في جانب  وقرار مجلس الوزراء في جانب أخر ولا يوجد لقانون الموازنة وقرار مجلس الوزراء سند قانوني للسير في إجراءات التعاقد لان إجراءات التعاقد لا تنظم ضمن قوانين الموازنة الاتحادية ولا يمكن أدراج  مثل هكذا فقرة داخل قانون الموازنة الذي يحدد جهة الأنفاق والإيراد والعجز المتحقق للدولة خلال السنة المالية والبحث عن الأموال لتسديدة، ولا سند لقرار المجلس الوزراء بالخروج عن المسار الصحيح للاستثناء من إجراءات التعاقد التي تحرص على الأموال العامة لتكون مثل هذه القرارات باطلة.

وبالإضافة إلى الاستثناء والامتياز القانوني المذكور، تستفاد تلك الشركات ومن خلال نصوص هذه التعليمات من امتيازات أخرى تتم خلال مرحلة إبرام العقد منها عدم دفع ثمن وثائق المناقصة التي اشترطت تلك الضوابط تسديد الثمن من قبل الراغبين بالاشتراك، ولم تنص تعليمات تنفيذ العقود الحكومية على استثناء من دفع ثمن الوثائق إلا للشركات الأجنبية الرصينة التي ذكرتها في المادة (4/أولا/ ب) بان ( تزود الشركات الأجنبية الرصينة بوثائق المناقصة مجانا لغرض المشاركة في المناقصات). ولم يذكر النص الشركات العامة التي لم تنطبق عليها نصوص هذه التعليمات ولا هي بالشركات الرصينة، وحتى في أسلوب الشراء المباشر لا يوجد نص يعفي تلك الشركات من دفع ثمن هذه الوثائق لأنها تمثل ما أنفقته الإدارة من مبالغ مالية لتهيئة وأعداد وطباعة شروط المناقصة وهي أجور الخدمة التي قامت بها الإدارة مثل الرسوم ومبالغ الدخول للمزايدات العامة التي تكون خارج نطاق المناقصة أو المزايدة وتعود هذه الأموال للخزينة العامة. وإما الاستثناء الأخر فتمثل بما ورد بالفقرة (د/ من المادة 9/ من الفصل الثامن) الذي يناقش التأمينات والغرامات التأخيرية ومدة العقد والتمديد، حيث أعفت الفقرة أنفا الشركات العامة من التأمينات الأولية التي تحدد نسبتها بين (1إلى 3%) تقدم إلى الإدارة من قبل المتعاقد معها مرفق مع وثائق المناقصة ويدل على جدية الدخول والاشتراك والاستعداد لتنفيذ العقد، وفي حال رسو العقد تستكمل تلك التأمينات الأولية لتكون نسبتها (5%) من قيمة العقد المبرم مع الإدارة تستحصل المبلغ في حالة التلكؤ في تنفيذ  فقرات العقد أو العجز في التنفيذ أو التأخير أو النكول عن التوقيع وهي بمثابة تأمين للإدارة تستطيع من خلاله جبر الضرر الحاصل لها جراء الإخلال والنكول قبل التوقيع أو خلاله أم بعد توقيع العقد والمباشرة بالتنفيذ ليضمن هذا المبلغ حسن الأداء والتنفيذ فاستثنته الفقرة بنصها الآتي: ( تعفى الشركات العامة من تقديم التأمينات الأولية وخطاب ضمان حسن التنفيذ المنصوص عليها في هذه التعليمات). والجدير بالذكر أن مثل هذا الإعفاء مخالف للنظام العام، لأنه بمثابة إعفاء من المسؤولية وتنازل عن حق عام لا تملك تلك الجهة تقريره، فكيف التصرف بالأموال العامة على خلاف الأصول التي تقضي بالحفاظ عليها, وعلى خلاف من المبادئ العقدية الدولية والداخلية التي تقرر ضمانات للإدارة  خلال مرحلة إبرام وتنفيذ العقد، فهذا النص يجرد الإدارة من كل وسيلة تحافظ وتستوفي من خلالها على الأموال العامة، مع ضرورة بيان أن غالبية الشركات العامة المتعاقدة مع الوزارات والشركات العامة ذاتية التمويل هي شركات متلكئة ونتيجة لهذا التلكؤ فقد سمحت هذه التعليمات من خلال الضوابط الملحقة بها بإدراجها في قوائم الشركات المتلكئة، ولا نعلم ما هي الحكمة عندما أقر النص أدراجها في قوائم الشركات المتلكئة واستثناها من هذه الضمانات؟ التي لو طبقت عليها لما تمادت في هذا التلكؤ والإضرار للجهات العامة في تعطيل انجاز مهام مرافقها، فكان الأولى تطبيق الشروط العامة عليها. كما أن هناك إعفاء أخر مهم تم استثناء هذه الشركات منه وهو ما طلبته الفقرة (ج/أولا) من الضوابط رقم (1) عندما طلبت من مقدمي العطاءات أرفاق قائمة بالأعمال المماثلة حيث أشارت إلى ( الطلب من مقدمي العطاءات أرفاق قائمة بالأعمال المماثلة مع عطاءاتهم والمتعلقة بطبيعة المناقصة معززة بتأييد جهة التعاقد المعنية وتعتبر معيارا للتأهيل). وهذا المعيار يعد ثاني أهم المعايير لأنه يعكس أمرين، الأول كفاءة الشركة في أنتاج وتجهيز المادة المجهزة فنيا وحجم الطلب عليها من قبل الجهات والشركات العامة والخاصة كدليل لنجاحها، والأمر الثاني يترجم ما ذكره الدليل الاسترشادي الذي وضعته اللجنة في وزارة التخطيط على جودة هذه السلع والمنتجات الوطنية، فكيف يمكن إعفائها من الأعمال المماثلة وكيف يمكن أن تطمئن الجهة الطالبة للسلعة من مزاولة الشركة المجهزة نشاط الصنيع والبيع لهذه السلعة إلى العديد من الشركات كمعاير فني تستند إليه وتسترشد به لتأهيلها على حساب الشركات الأخرى المتقدمة، ولأهمية هذا المعيار تم التأكيد عليها بالفقرة (و) من نفس المادة التي أكدت على أن( معايير التأهيل المعتمدة لأغراض التحليل والإحالة المعدة من قبل جهة التعاقد مع الأخذ بنظر الاعتبار المعايير الموضوعة من قبل وزارة التخطيط). فكيف يتم التأهيل والمعيار غائب.!

وأكدت الضوابط رقم (3) المختصة بمهام لجان وفتح وتحليل العطاءات في الفقرة (ج) من المادة ثانيا على استبعاد العطاءات التالية (…….. و/او المواصفات الفنية الأساسية ومتطلبات التأهيل المؤثرة على الإحالة المنصوص عليها في وثائق المناقصة حتى لو كانت أوطأ العطاءات مع مراعاة ما ورد في تعليمات تنفيذ العقود الحكومية النافذة في هذا الشأن). ثم ألزمت المادة الرابعة الفقرة (4) من ذات الضوابط لجان تحليل وتقويم العطاءات فبينت بان، تعتمد الضوابط والمؤشرات التالية لغرض التوصل إلى العطاء الأفضل بالإضافة إلى الضوابط المثبتة في وثائق المناقصة فنصت (…….4- الأعمال المنجزة أو المماثلة ومبالغها ومستوى تنفيذها على أن يتم تأييدها من الجهة التعاقدية).

أن إعفاء أو استثناء الشركات العامة مما ورد بتعليمات تنفيذ العقود الحكومية يعد بمثابة هدر لأموال الشركات والوزارات العامة المشترية، التي تعد أموال عامة في نهاية المطاف على حساب النفع لصالح شخصيات وأطراف قد تكون سياسية تسيطر بطريقة غير مباشرة على هذه الشركات وتستأثر من خلال القانون والامتياز المقرر لها باستثنائها من الضمانات المالية والمعيار الفني وهما دليل لكفاءة الشركة بالاشتراك وضمان للإدارة باسترجاع حقوقها في حالة التلكؤ بالتنفيذ، ولا يوجد سند من القانون لهذا الإعفاء، كما لا يمكن الارتكاز على قوانين لا علاقة لها بأصول تنفيذية استقرت عليها المعاملات الإدارية في التعامل حفاظا على الصالح العام، فكيف يعقل أن تضمن هذه التعليمات شروط مؤثرة يجب تحقيقها من قبل القطاع الخاص مقابل إعفاء لشركات خاسرة، فكان الأولى أن تغلظ هذه الشروط على الشركات الخاسرة ذات نسب التنفيذ المتدنية أمام الشركات الخاصة المستوفية جميع الشروط المطلوبة. ونذكر مرة أخرى أن هذه التعليمات لم تضع من اجل التعاقد مع جهات القطاع العام فيما بينهم، بل وضعت لتحقيق التنافس بين الشركات الخاصة ليستفيد منها القطاع العام، مما دفع وزارة التخطيط إلى تنظيم ذلك بضوابط متعددة ومعالجة مختلفة مرة ضمن قانون الموازنة الاتحادية ومرة ضمن قرار مجلس الوزراء، ومرة من خلال توصيات لجانها دون معالجة جذرية ناهيك عما يجري ضمن عقود المقاولات العامة التي قسمت المشاريع إلى صغيرة ومتوسطة وكبيرة وبدأت باستثناء هذه الشركات من المعايير مرة على ضوء قيمة التعاقد ومرة على غرار حجم المشروع مما أصبح الوضع أمام عقبة في التطبيق بحاجة إلى مخرج قانوني صحيح يعالج جميع ما تقدم وتغلب فيه المصلحة العامة على جميع المصالح الأخرى.

 

د. محمد صباح علي

ر. مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى