الاقتصادية

اشكالية العلاقة بين العراق واوبك

اشكالية العلاقة بين العراق واوبك

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2020 / 5 / 15

شهدت السوق النفطية العالمية منذ بداية العقد الثاني من القرن الحالي تغيرات هيكلية عميقة تمثلت في تغيير بنية العرض واتساعها اذ أسهمت التطورات التقنية في تخفيض كلف انتاج النفط والى ظهور ما يسمى بالنفوط غير التقليدية وخاصة النفط الصخري والنفط الرملي وهي النفوط التي تستخرج بتقنيات مختلفة عن مثيلتها في النفوط التقليدية . وادت الاستكشافات النفطية وتطور وسائل البحث والتنقيب الى اكتشاف مناطق نفطية جديدة مما أدى الى زيادة عدد الدول المنتجة للنفط الى 21 دولة تنتج اكثر من مليون برميل يوميا فضلا عن وجود اكثر من 30 دولة تنتج اقل من مليون برميل يوميا . وتحولت بعض الدول المستوردة للنفط الى دول مصدرة كالولايات المتحدة والبرازيل وبريطانيا. كل هذه التغييرات كان لها تأثيرا واضحا على أوبك التي لم تعد كما كانت بالأمس وخاصة في عقدها الذهبي في السبعينات عندما كانت تنتج اكثر من 40% من المعروض النفطي العالمي وكانت متحكمة بالأسعار وتوازن من خلال السعودية بين العرض والطلب العالمي . ويمكن القول بإن أوبك كانت قريبة من سوق احتكار القلة من 1973- 1986 عندما كان انتاج أوبك يمثل 40% من الإنتاج العالمي ، وكانت أوبك هي من تحدد أسعار النفط وتدافع عنها من قبل السعودية التي قبلت ان تقوم بمهمة المنتج المتأرجح الذي يوازن بين العرض والطلب في السوق النفطية غير ان انهيار أسعار النفط عام 1986 اضطر السعودية الى التخلي عن هذا الدور بعد ان تراجع انتاجها كثيرا الى نحو 4 ملايين برميل يوميا ، وهو ما دفع أوبك الى الاعتماد على نظام الحصص الإنتاجية عام 1987 كوسيلة للتحكم في جزء من المعروض النفطي لكنه يكن فاعلا بسبب الانخفاض الكبير في الوزن النسبي الإنتاجي للمنظمة على الصعيد العالمي ، وبسبب عدم التزام الأعضاء بالحصص المحددة لهم اذ أنتجت اوبك ما يزيد عن الحصص الرسمية بنسبة 96% بين عامي 1987 و 2009 باستثناء بعض الحالات الطارئة التي لا تلبث ان تزول عندما تتحسن الأسعار . مما اضطرها لاحقا الى التعاون مع روسيا وعدد من الدول المنتجة عام 2016 في اطار ما سمي أوبك+ ولكن الانهيار الأخير في أسعار النفط اثبت أيضا عدم فاعليته ، كما ان التخفيضات المستمرة التي لجات اليها أوبك قد أدت الى تراجع حصتها النسبية في السوق العالمية الى اقل من 30% مما افقدها الكثير من قدراتها الاحتكارية .
وفي ضوء ما سبق فإن امام العراق خيارين استراتيجيين متضادين يتعلقان بشكل ونوع العلاقة مع أوبك ينبغي على وزارة النفط والحكومة القادمة ان تختار احدهما : الخيار الأول هو البقاء ضمن منظمة أوبك والتقيد بحصص الإنتاج التي تقررها في ضوء الظروف الخاصة بالسوق النفطية العالمية وهو ما يعني بقاء الطاقة الإنتاجية للنفط العراقي على حالها من دون القدرة على زيادتها ليس فقط في الظروف الحالية التي تشهد انهيار أسعار النفط وانما حتى في المدى المتوسط والطويل خاصة بعد استعادة ايران وفنزويلا لطاقاتها الإنتاجية السابقة بعد رفع العقوبات الامريكية عليهما فضلا عن الزيادات الكبيرة في الإنتاج من مناطق خارج أوبك وخاصة من الولايات المتحدة وكندا والبرازيل ، ووفقا لهذا الخيار ليس هناك ضرورة لاستمرار عمل الشكات الأجنبية في اطار جولات التراخيص النفطية التي تكلف العراق سنويا اكثر من 11 مليار دولار ما دام انتاج العراق مقيد بحصته ضمن أوبك . اما الخيار الثاني فهو الخروج من منظمة أوبك التي لم تعد فاعلة كما كانت في سبعينيات القرن الماضي والتي أضحت اليوم ميتة سريريا ولا تستطيع تحقيق مكاسب مهمة لأعضائها في السوق النفطية ، ويقتصر دورها على تحمل عبء تكييف العرض مع الطلب لتوفير حزم انقاذ للنفوط مرتفعة الكلفة كالنفط الصخري والرملي على حساب خسارة أوبك لحصصها السوقية لمصلحة المنتجين الاخرين . وهذا الخيار يتيح للعراق ان يضع استراتيجية نفطية لتحقيق زيادة في انتاج النفط الى مستوى 6 ملايين برميل يوميا وإلزام الشركات الأجنبية على تحقيق هذا الهدف الاستراتيجي من خلال تجزئته الى ارقام او اهداف سنوية قابلة للتحقيق واستكمال البنية التحتية الإنتاجية والتصديرية من اجل زيادة الصادرات النفطية خاصة وان كلف انتاج النفط العراقي ما زالت من بين الأدنى في العالم ومن الممكن تخفيضها الى ادنى من ذلك من خلال مراقبة انفاق الشركات الأجنبية ، وهو ما يمكن العراق الاستحواذ على المزيد من الحصص السوقية لان الصراع القادم في سوق النفط سيتمحور في الحصول على المزيد من الحصص النفطية في السوق النفطية العالمية. $

$ عن الحوار المتمدن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى