الفكر السياسي

الأزمة الأوكرانية الروسية الأمريكية الأوروبية

 

الأزمة الأوكرانية الروسية الأمريكية الأوروبية
د. عادل عبد الزهرة شبيب

تقع اوكرانيا في جنوب شرق اوروبا ضمن السهل الأوروبي الشرقي وتحدها روسيا من الشرق وبيلاروسيا من الشمال وبولندا وسلوفاكيا والمجر من الغرب ورومانيا ومولدوفا من الجنوب الغربي , والبحر الأسود وبحر آزوف من الجنوب . وتعتبر مدينة ( كييف ) عاصمة اوكرانيا وهي اكبر مدينة في اوكرانيا
اما بالنسبة الى شبه جزيرة القرم ( سبب الأزمة ) فتقع في جنوب اوكرانيا بين البحر الأسود وبحر آزوف ويفصلها عن روسيا من الشرق مضيق ( كيرش ) .
وتعتبر اوكرانيا من الدول الكبيرة التي تقع اراضيها بالكامل داخل اوروبا , وبلغ عدد سكانها في عام 2022 ( 44,4 ) مليون نسمة . وكانت سابقا جزءا من الاتحاد السوفياتي السابق قبل انهيار الاتحاد عام 1991 واستقلت البلاد بعد ذلك . وفي اوائل عام 2014 اصبحت شبه جزيرة القرم محورا لأخطر أزمة بين الشرق والغرب منذ الحرب الباردة وذلك بعد الاطاحة بالرئيس الاوكراني المنتخب والموالي لروسيا ( فيكتور يانوكوفيتش ) باحتجاجات شابها العنف في العاصمة كييف , عند ذلك قامت قوات موالية لروسيا بالسيطرة على القرم وبعد ذلك صوت سكان المنطقة وغالبيتهم من ذوي الأصول الروسية في استفتاء عام للانضمام غالى روسيا الاتحادية . غير ان اوكرانيا ومعها الدول الغربية اعتبرت الاستفتاء غير شرعي .
سبق للرئيس الاوكراني السابق ( فيكتور يانوكوفيتش ) في 21 تشرين الثاني 2013 ان رفض توقيع اتفاق الشراكة بين اوكرانيا والاتحاد الاوروبي ما ادى الى اندلاع اعمال احتجاج لآلاف الاوكرانيين اطلق عليها ( احتجاجات ميدان اوروبا ). وعلى مدى ثلاثة اشهر تقريبا دعا مئات الآلاف من المتظاهرين الذين قدموا من جميع مناطق اوكرانيا بشدة الى تلبية مطالبهم , لكن الحكومة لم تبد اية استجابة واستخدمت اساليب فظة لقمع المظاهرات الجماهيرية , واشتدت حدة الصراع في الفترة من 18 الى 20 شباط 2014 حيث قتل اكثر من 100 شخص واصيب نحو 500 شخص وفقد عدة مئات آخرين . وقد اوكلت مهام رئيس الجمهورية الى رئيس البرلمان الاوكراني ( اولكساندر تورشينوف ) .
وفي 20 شباط 2014 قامت روسيا بعمليات عسكرية ضد اوكرانيا وتم بسط سيطرتها على جمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي اضافة الى سيفاستوبول وجرى عمل استفتاء في 16 آذار 2014 الا ان اوكرانيا ودولا غربية اخرى لم تعترف بنتائج الاستفتاء . واكدت الأمم المتحدة بهذا الشأن التزامها باحترام سيادة اوكرانيا واستقلالها السياسي ووحدتها وسلامتها الاقليمية داخل حدودها المعترف بها دوليا , كما اكد قرار الامم المتحدة ان الاستفتاء الذي اجري في جمهورية القرم المتمتعة بالحكم الذاتي ومدينة سيفاستوبول في 16 آذار 2014 يفتقد للمشروعية ولا يمكن ان يشكل الأساس لأي تغيير في وضع جمهورية القرم او مدينة سيفاستوبول ولوهانسك . وفي 13 نيسان 2014 أعلن رئيس اوكرانيا بالنيابة ( اوليكساندر تورشينوف ) عن القرار الذي اتخذه مجلس الأمن والدفاع الوطني الاوكراني ببدء عملية مكافحة الارهاب في شرق اوكرانيا . وفي 25 أيار 2014 أنتخب ( بتروبوروشينكو ) رئيسا لأوكرانيا وجرى التوقيع على الشق السياسي من اتفاق الشراكة بين اوكرانيا والاتحاد الاوربي , وعلى الشق الاقتصادي في 27 حزيران 2014 , وفي 16 ايلول 2014 صادق البرلمان الاوكراني والبرلمان الاوروبي على نحو متزامن. وفي نهاية عام 2014 صوت البرلمان الاوكراني على رفض اوكرانيا لحالة الحياد وعلى ضرورة الوفاء بالمعايير اللازمة للانضمام الى منظمة حلف شمال الاطلسي . وهذا الأمر اعتبرته روسيا يشكل تهديدا لها . وفيما يتعلق بروسيا فإنها تراقب بحذر وقلق ما يقوم به القادة الاوكرانيون فيما يخص توجهاتهم الحالية والمستقبلية تجاه العلاقة مع اوروبا والولايات المتحدة الأمريكية وكذلك مسألة انضمام اوكرانيا الى الناتو . وتنظر اوكرانيا بقلق شديد حول ضم شبه جزيرة القرم لروسيا وفقا لاستفتاء آذار / مارس 2014 والتي كانت جزءا من اراضيها قبل ذلك , كذلك الصراع الدائر في دونباس ولوهانسك وهما منطقتان من اراضيها اعلنتا انفصالهما عنها , وقد تم اعلان تشكيل جمهورية دونباس واستقلالها , وتتهم اوكرانيا روسيا بدعم المتمردين فيها . وقامت روسيا بتحشيد القوات الروسية على الحدود مع اوكرانيا .
وفيما يتعلق بموقف الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الاوروبي من روسيا وموقفها من اوكرانيا فقد قامتا بفرض عقوبات على روسيا بسبب سيطرتها على القرم , غير ان العقوبات على روسيا لم تؤثر فعليا على الاقتصاد الروسي اذ انه بقي مستقرا حيث ساهمت اسعار النفط الروسي في ابقاء الاقتصاد الروسي مستقرا .
وبالنسبة للدور الأمريكي في اوكرانيا فقد عززت الولايات المتحدة وبريطانيا وبقية دول الناتو شراكاتها مع اوكرانيا وزودت الولايات المتحدة الدجيش الاوكراني بأسلحة امريكية
يعد الصراع في اوكرانيا من ابرز مظاهر الخلاف بين روسيا والولايات المتحدة والاتحاد الاوروبي وقد يهدد بنشوب حرب كارثية كبرى في المنطقة .
لقد تصاعدت حدة التوتر بين روسيا وكل من الولايات المتحدة الامريكية والدول الاوروبية وحلف الناتو مؤخرا بسبب قرار الاتحاد الاوروبي في 13 ديسمبر 2021 بفرض عقوبات على شركة ( فاجنر ) الروسية خلال المباحثات التي تركزت حول سبل ردع روسيا عن اي تدخل عسكري في اوكرانيا وذلك عقب حشد روسيا قواتها العسكرية على الحدود الاوكرانية .
لقد شهدت العلاقات الاوكرانية – الغربية الخارجية مؤخرا ابان الازمة تطورا شمل تعميق الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة والغرب حيث اعلن وزير الخارجية الامريكي ( انتوني بلينكن ) ووزير الخارجية الاوكراني ( ديمترو كوليبا ) في واشنطن عقد اتفاق استراتيجي بين الولايات المتحدة واوكرانيا ووعدا بمواصلة تعميق التعاون الثنائي في المجالات السياسية والأمنية والدفاعية والاقتصادية والطاقة , كما اكد الاتفاق مجددا التزام الولايات المتحدة بسيادة اوكرانيا وسلامة اراضيها بما في ذلك شبه جزيرة القرم في مواجهة (( العدوان الروسي المستمر )) (( حسب وصفهم )) كجزء من التعاون الأمني والدفاعي . وترى روسيا ان تحركات الولايات المتحدة ودول الناتو باتجاه اوكرانيا والعمل عل استقطاب دول الاقليم الاسيوي لإعادة فرض القوة لصالحها في المنطقة والعمل على توسيع النطاق الجغرافي لحلف الناتو بضم رومانيا وبلغاريا الامر الذي ادى الى وجود ثلاث دول من الدول المطلة على البحر الاسود داخل حلف الناتو , كما تشارك اوكرانيا وجورجيا في برنامج الناتو للشراكة من اجل السلام في حين باتت جورجيا مرشحة رسميا للانضمام للحلف وقد اعتبرت روسيا ذلك تهديدا لها , كما رأت روسيا في التدريبات الامريكية بالقاذفات الاستراتيجية القادرة على حمل قنابل نووية والتي حلقت فوق البحر الاسود بمثابة تهديد لها , الى جانب انظمة الدفاع الصاروخي الامريكية في بولندا ورومانيا , كما برزت تهديدات باحتمال نشر الناتو صواريخ على الاراضي الاوكرانية وهذا ما دعا روسيا الى تبرير التمسك بتواجد الحشود العسكرية التي وضعتها على الحدود الاوكرانية .
ان توتر العلاقات٥ بين اوكرانيا وروسيا والولايات المتحدة الامريكية والاتحاد الاوروبي قد يؤدي الى نشوب حرب كبرى في المنطقة والتي ستكون نتائجها كارثية على شعوب ودول المنطقة مما يستدعي اللجوء الى الحوار والاتفاق السلمي . ومن الضروري تدخل الامم المتحدة في تعزيز السلام في المنطقة ومنع نشوب الحرب.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى