الفكر السياسي

الإستشراق في ألمانيا بين التقاليد والإنفتاح

الإستشراق في ألمانيا بين التقاليد والإنفتاح

صادق البلادي

2016 / 4 / 17
مواضيع وابحاث سياسية


في جامعة مارتين لوثر في هالة بشرق ألمانيا، والتي هي من مراكز الاستشراق الهامة، نظم سمينار علمي أواخر عام 2002/ أوائل 2003 عن ” الاستشراق في ألمانيا بين فترة التنوير إلى ثورة آذار 1848 – بين التقاليد والانفتاح “.
فكرة السمينار ان رؤية الأوربيين إلي العالم الإسلامي وإن كانت مشوبة بأوهام وتخيلات في أغلب الأزمان،الا انه لا يمكن القول بأن صورة الحضارة الإسلامية في أذهان الغربيين كانت دائماً سلبية على الإطلاق، بل كانت تختلف اختلافا كبيرا حسب الزمان والمكان والمحيط الاجتماعي. وإن النظر إلى التاريخ الفكري في ألمانيا مثلا يكشف أن الموقف من العالم الإسلامي قد تغير هناك من قرن إلى قرن ومن عصر إلى آخر. ولذلك لا يمكن الاتفاق تماماً مع فرضية ادوارد سعيد في كتابه الشهير ” الاستشراق” ، والذي ما زال تأثيره قوياً على أبحاث الاستشراق الغربي منذ صدوره عام 1978. . فهو يزعم أن الغرب قد استولى على الشرق بفضل ” مستشرقيه ” العلميين ، والفنيين ,و اللاهوتيين ، لا بل أنه أوجدهم ليثبت تفوقه و عقلانيته وأحقيته في الهيمنة الثقافية والسياسية على العالم. وإذا أخذنا بنظر الاعتبار أن الكم الأعظم من معارف الغرب عن الشرق جرى صياغته في القرنين التاسع عشر والعشرين، وأن السيطرة الكولونيالية المباشرة قد توسعت بين 1815 و1914 من 35% الى 85 % من الكرة الأرضية، فسيبدو القبول بان هذا الشكل من السيطرة مرتبط باستيلاء الغرب فكريا على العالم ، أمرا له ما يبرره. أما القول بأن الصلف الغربي تجاه الشرق هو الموقف الفكري العام للاستشراق طوال كل مراحل التاريخ الأوربي، فهو مفهوم غير صائب. فسواء في القرن التاسع عشر ، حيث تتركز دراسة ادوارد سعيد ، أو في عصور سابقة كانت هناك في اوربا مواقف فكرية ومصالح متضاربة ، حددت العلاقة بالشرق، وتعاقبت في فترات زمنية قصيرة، لا بل تزامنت أحياناً ، بعضها مع بعض: تعصب ديني ، مخاوف مشوشة من تزايد الغرباء ، الإيمان بإمكانية التسامح ، الإعجاب بثقافة العالم المقابل ، وحسابات السلطة البراغماتية . وفي نطاق المجال الألماني بشكل خاص تظهر هذه التمايزات بكل وضوح.
وتبين الدراسات أن التيارات الفكرية التي ظهرت في ألمانيا في الفترة بين عامي 1700 و1850 قد نظرت الى حضارة الشرق ليس فقط بدون تحيز، بل بتعاطف واعجاب كبيرين. وكانت هذه التيارات المنفتحة على العالم الاسلامي مرتبطة ارتباطاً وثيقا بحركة التنوير الساعية الى التخلص من الأوهام القديمة ، والمؤمنة بالمساواة بين البشر، كل البشر أينما كانوا.
ومن أهم الشخصيات الألمانية التي كانت مولعة في ذلك العصر بالشرق الإسلامي الشاعر الألماني الكبير يوهان فولفانغ غوته (1079_1850 ) الذي كان شديد الإعجاب بأعمال الشعراء الفرس والعرب القدماء. كان غوته مهتما بالتراث الأدبي الشرقي منذ شبابه، لكن حبه له طغى على قلبه وهو على أعتاب الشيخوخة. ومما أثار هذا الحب ان ناشر كتبه أهداه نسخة من ديوان الشاعر حافظ الشيرازي بترجمته الألمانية. وبعد قراءة هذه الأشعار التي إفتتن بها غوته افتناناً شديداً، حاول التعرف على أكبر قدر ممكن من الأساليب الشعرية الفارسية والعربية. ثم انكب على دراسة الثقافة والمفاهيم الإسلامية، وتمرن في الوقت نفسه على كتابة الخط العربي. وكلما ازداد غوته توغلاً في تراث العالم الشرقي تحول هذا عنده الى مصدر للأبداع الشعري حتى أصدر ـ بعد سنوات من ” الأستشراق” الفكري ـ مجموعة من الأشعار أسمّاها ” الديوان الغربي الشرقي ” ، يمد بها جسراً شعرياً بين الغرب والشرق.
ولم يكن غوته وحيداً في اعجابه بالشرق، بل شاركه كثير من معاصريه من المفكرين والشعراء والأدباء الألمان. فعلى سبيل المثال هناك معلمه وناصحه المخلص غوتفريد هيردر (1744 ـ1801) الذي اطلعه على جمالية الشعر العربي في أيام شبابه. وكان هيردر يرى ان حضارات الشرق تمثل في حيثياتها خلاصة لما هو بشري ،وأن في آدابها توثيقاً للإنسانية. وتبين الدراسات أن الاستشراق الألماني لم يكن كله استشراقاً تبشيرياً واستعمارياً، بل كان استشراقاً فكرياً وأدبياً وشعرياً.
ومن المواضيع التي تناولتها دراسات السيمنار بالتفصيل : الأزياء التركية في البلاط السكسوني في أيام الملك أوغست القوي (1716 ـ 1774)؛ لقاء متخيل في الآخرة بين السلطان العثماني سليمان القانوني والملك الإنكليزي هنري الثامن في مجلة تنويرية هزلية؛ ، اتخذت لها شعارا ” لله المشرق والمغرب يهدي من يشاء الى صراط مستقيم ” ، يتحاوران فيه عن قيم الزواج في الغرب وفي الإسلام ويصحح القانوني الصورة المشوهة لدى هنري الثامن عن الحريم ؛ ؛ صورة الإسلام في قاموس ألماني صدر في النصف الأول من القرن الثامن عشر؛ المستعرب يوهان ياكوب رايسكه(1716ـ 1774 ) وبدايات الدراسات العربية في ألمانيا؛ الأديب كريستوف مارتين فيلاند وأساطيره الشرقية التي نشرها تحت عنوان ” جِنٌسْتان” ( بلاد الجن )؛ الشاعر فريدرخ روكرت ( 1788 ـ 1866 ) وترجماته الحاذقة للشعر الشرقي؛ عرض لمسرحية ” المنصور ” عن عرب الأندلس المضطهدين من قبل محاكم التفتيش، وهي من تأليف الشاعر هاينريخ هاينة ، رفيق كارل ماركس، وفي هذه الرواية جاء ما أصبح شعارا بعد حرق الفاشية للكتب في برلين عام 1933 : من يحرق الكتب اليوم يحرق الإنسان غدا ، إذ كان قد أشار في تلك المسرحية الى حرق القرآن؛ نساء رحالات ألمانيات زرن الشرق في أوائل القرن التاسع عشر ؛ والجمعية الألمانية للدراسات الشرقية في مرحلتها التأسيسية. ويسبق هذه الدراسات التفصيلية مقال يعرّف القارئ بأهم التطورات في تاريخ الاستشراق الألماني فيما بين العصور الوسطى وأواسط القرن التاسع عشر….. & 

&.  عن الحوار المتمدن…..


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى