الاقتصادية

الإصلاح والإستفادة من تجارب الدول

الإصلاح والإستفادة من تجارب الدول – عادل عبد الزهرة شبيب

تحقيق التقدم الإقتصادي-الإجتماعي

الإصلاح والإستفادة من تجارب الدول – عادل عبد الزهرة شبيب

يعتمد الاقتصاد العراقي اعتمادا كليا على تصدير النفط الخام الذي يكون 95 بالمئة  من اجمالي دخل العراق من العملة الصعبة, وقد اثرت الحروب العبثية التي خاضها النظام المقبور من حرب الخليج الاولى والثانية وفرض الحصار الاقتصادي عليه للفترة من 6 آب 1990 حتى 21 نيسان 2003 على اقتصاد البلاد الذي تعرض للدمار والخراب ثم جاء الاحتلال ليزيد الاوضاع سوءا. ولم تفعل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 ولغاية اليوم شيئا يذكر لتطوير اقتصادنا الوطني والنهوض به وتحقيق الرفاهية لشعبنا , بل ابرز ما تم تقديمه خلال هذه الفترة هو استشراء الفساد المالي والاداري الذي انتشر في معظم مفاصل الدولة المدنية والعسكرية  واخذ ينخر في الدولة كما تفعل آفة الارضة واصبح عاملا معيقا للتنمية الاقتصادية الاجتماعية. وبقي اقتصادنا اقتصادا وحيد الجانب تتلاعب به تقلبات اسعار النفط في السوق العالمية وهذا ما يفسر خضوعه لازمة انخفاض أسعار النفط وتداعياتها في ظل غياب النشاطات الانتاجية لقطاعات الزراعة والصناعة وغيرها . لقد انعكس انخفاض أسعار النفط العالمي من 110 دولار للبرميل الواحد الى ما دون الـ  50 دولارا للبرميل على الوضع الاقتصادي للعراق كونه يعتمد على النفط كمورد رئيس لإيراداته وأخذ يعاني من عجز مالي حقيقي وانخفاض في حجم الانفاق الحكومي. وهذا ما جعل من مسألة الاصلاح الاقتصادي الحقيقي ضرورة حتمية كرد فعل على تردي أسعار النفط. ولذلك لابد من الاتجاه نحو تنويع مصادر الدخل والتخلص من الصفة الاحادية للاقتصاد من أجل ضمان استمرار تدفق الايرادات من مصادر غير النفط بسبب التقلبات في أسعاره, والعمل الجدي على موضوع الاصلاح الاقتصادي والسياسي . ولم تعمل الحكومات المتعاقبة منذ 2003 والى اليوم على تنويع مصادر الدخل الوطني, فهل يستطيع العراق تحقيق الاصلاح الاقتصادي والنهوض باقتصاده المتخلف  ؟ ان ذلك يعتمد على الارادة السياسية والاستراتيجية الاقتصادية والخطط والقدرة على تنفيذها ومكافحة الفساد , وأمامنا تجارب عديدة لدول كانت تعاني من تخلف اقتصادي  وبنية اقتصادية وصناعية متخلفة ولكنها نجحت في تطوير ونمو اقتصاداتها كما هو الحال في تجربة النمور الاسيوية حيث انطلق نجاحها بأربع دول متمثلة بتايوان وهونغ كونغ وكوريا الجنوبية وسنغافورة والتي اطلق عليها (النمور الاسيوية ) وذلك لتحقيقها معدل نمو اقتصادي كبير وتصنيع سريع خلال الفترة ما بين الستينات والسبعينات من القرن الماضي. وبهذا الصدد فقد تحولت كوريا الجنوبية بحلول القرن الحادي والعشرين الى قوة اقتصادية وتجارية وصناعية وتكنولوجية بعد عقود الاستعمار الياباني وسنوات من حرب مدمرة مع كوريا الشمالية للسنوات 1950 – 1953  التي دمرت كل القطاعات الاقتصادية والبنية التحتية والبنية الصناعية اضافة للخسائر البشرية. وبعد الحرب أصبحت كوريا تعيش على المساعدات الخارجية بشكل كامل , الا أن وضعها قد تغير بعد وصول الجنرال ( بارك تشونغ هي ) الى سدة الحكم حيث منح التنمية الاقتصادية الاولوية الكبرى واعتمد على اقتصاد موجه نحو الصادرات بعكس ما يجري في العراق الذي ركز على الواردات حيث يستورد كل شيء. كان هذا التحول والتوجه في كوريا ضروريا للحصول على العملة الصعبة لشراء المعدات والتكنولوجيا التي يحتاجها القطاع الصناعي الناشئ وبالتالي تسريع عملية التصنيع وتحقيق استقلال تام.  كما تم اعتماد التخطيط المركزي وانشاء مجلس التخطيط الاقتصادي للإشراف على التخطيط وتنفيذه بهدف تحقيق النمو الاقتصادي وتأمين مصادر الطاقة وتحسين البنية التحتية وميزان المدفوعات الخارجية عن طريق زيادة حجم الصادرات, وبناء على ذلك فقد ارتفع الناتج الاجمالي المحلي من 4,1  بالمئة  سنة 1962 الى 9,3  بالمئة  سنة 1963 وحافظ النمو على معدل يزيد عن 8 بالمئة  في السنوات التالية . كما وثق باراك العلاقة مع الشركات العملاقة لخدمة الاهداف التنموية نتج عنه نمو كبير في حجم الصادرات الكورية من الصناعات الخفيفة كالنسيح والملابس الجاهزة ثم كانت الاولوية للصناعات الكيمياوية والثقيلة لغرض المنافسة على الصعيد العالمي . ولتحقيق هذا الهدف فقد اهتمت كوريا بالمدارس المهنية وبإعداد المهندسين والعلماء والزمت الدولة الشركات الصناعية الكبرى بتدريب مستخدميها .

وتعود أسباب نجاح التجربة الكورية الى :

–           الاهتمام بالعامل البشري كمورد للتنمية في ظل غياب الموارد الطبيعية وضيق مساحتها الجغرافية وشح رأس المال , فاهتمت بالتعليم عموما وبالتعليم المهني بشكل خاص حيث ارتفعت نسبة الانفاق على التعليم من 2,5  بالمئة  سنة 1951 لتصل الى اكثر من 23  بالمئة  من الميزانية في الثمانينات. كما اولت الدولة الاهتمام الكبير بالتدريب والتكوين المهني والتركيز على العلوم والتكنولوجيا.

–           توثيق الصلة بين الحكومة والشركات العملاقة حيث شكلت الذراع التنفيذية للدولة .

–           دور الموظفين الحكوميين في مجلس التخطيط الاقتصادي ومكتب التنسيق والتخطيط ووزارتي المالية والتجارة الحريصين على تحديد الاهداف وتطبيق الاستراتيجيات لحل مشكلات التنمية .

–           كما كان للعامل الخارجي دورا في هذا النجاح من خلال تقديم المساعدات الامريكية وتوفير الامن .

–           البحث العلمي حيث تم تخصيص الموارد المالية الضخمة لردم الهوة التي تفصل كوريا عن الدول المتقدمة.

اصلاح الاقتصاد

ان اصلاح الاقتصاد العراقي يتطلب الاهتمام وبدرجة كبيرة بالتعليم بشكل عام وبالتعليم المهني بشكل خاص وربطه بعجلة الاقتصاد اذ أن التعليم يسهم في التنمية بصورة مباشرة ,كما أن الاقتصاد بدوره يوفر للتعليم موارده المختلفة. ومن الضروري اجراء مراجعات دورية لمناهج التعليم واعادة النظر بها فاليابان على سبيل المثال تجري ذلك كل خمس سنوات كما تجري الولايات المتحدة ودول اوروبا ذلك بشكل دوري, بينما لا نجد ذلك في بلادنا حيث يعتبر العراق من أسوأ البلدان في مستوى التعليم في الوقت الحاضر حسب تقارير المنظمات الدولية المختصة . والعراق اليوم أحوج ما يكون لمراجعة مناهجه التعليمية ولكافة المراحل الدراسية  . اضافة الى ذلك فان الاصلاح الاقتصادي في العراق يتطلب وبشكل ملح محاربة الفساد المالي والاداري الذي يعتبر عاملا مهما في اعاقة التنمية وشح رأس المال الضروري للتنمية , وأمامنا تجربة الصين في مكافحة الفساد ,حيث شنت الصين خلال الفترة 1995 وحتى 2002 حملة كبيرة على الفساد في الدولة ومحاكمة أي مسؤول أيا كان منصبه الحزبي أو السياسي أو التنفيذي  وتم منع رجال الادارة الحكومية والمؤسسات العسكرية من القيام بأنشطة تجارية لمنع التربح عن طريق استغلال المنصب, وتم فرض عقوبات تأديبية وادارية على نحو 70 ألف حالة وطبق ايضا مبدا الثواب والعقاب بشكل جاد وفوري داخل المجتمع الصيني حيث تمت محاكمة بعض المسؤولين الحكوميين بتهم الفساد والرشوة وحصلوا على أحكام بالسجن والاعدام في بعض الحالات  في حين تم منح الحوافز وترقية الاكفاء الذين يحققون معدلات مرتفعة في تنفيذ خطط الحكومة واهدافها وشكلت هذه المحاكم رادعا قويا امام كل من تسول له نفسه القيام بأعمال فساد. وفي العراق لا يتم محاسبة  كبار الفاسدين وناهبي المال العام اذ يتم مساعدتهم في السفر مع الاموال خارج العراق كما حصل لبعض الوزراء وكبار المسؤولين . وبعض المتهمين بالفساد تتم محاكمتهم وتبرئتهم بدقائق , وهم قادرون على محاكمة الضعفاء والمحتاجين  كما حصل للطفل مصطفى المتهم بسرقة أربعة مناديل ورقية والتي لا يزيد مبلغها عن الفي دينار وحكم بسنة في حين تم الحكم على أمين بغداد الاسبق المتهم بسرقة ملايين الدولارات بسنة أيضا ,فأي قضاء هذا ؟ وأي عدالة هذه ؟ لابد من وضع خطة عملية للهجوم على مواقع الفساد والتصدي له بشكل متواصل وضرورة التوعية بمخاطره عبر الاعلام والعائلة والمدرسة, وتهيئة الظروف المناسبة لعمل الاجهزة الرقابية وتقديم الدعم لها ومحاكمة الفاسدين مهما كانت مواقعهم الحزبية والسياسية والتنفيذية والعمل على حياد القضاء وعدم تسييسه .

المطلوب اليوم الانطلاق على طريق تنمية اقتصادية- اجتماعية مستدامة ومتوازنة وتحقيق العدالة الاجتماعية والعناية بالكادحين والفئات الاجتماعية الاكثر تضررا واعادة توزيــــــــع الثروة بشكل عادل…. #

#.  عن جريدة الزمان….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى