الفكر السياسي

الإنسان غاية – اليسار والتقدم- و… وسيلته

الإنسان غاية – اليسار والتقدم- و… وسيلته

سمير طبلة
(Samir Tabla)

2011 / 12 / 5

شكراً لرسالتكم الكريمة للمشاركة في الحوار “حول دور القوى اليسارية والتقدمية ومكانتها في ثورات الربيع العربي وما بعدها”.

ومع التقدير العالي لجهودكم المشكورة في خدمة رسالتكم النبيلة، وأطيب التمنيات بنجاحها، يشرفني المساهمة، بتواضع، بحواركم المسؤول.

واسمحوا لي، بدءاً، بتدقيق وصف “الفعّالة” لمشاركة القوى اليسارية والتقدمية في الثورات الأخيرة. فالموضوعية تقتضي تأشير حقيقة ان مشاركة هذه القوى كانت متفاوتة بين الاندفاع والتردّد، وأحيانا التحفظ، خصوصاً في بداياتها. تونس مثالاً، وبعض القوى في سوريا، وفي مصر بدرجة ما، التي اصطفت، عملياً، مع النظم الدكتاتورية ضد إرادة شعوبها. وواجبها يُلزم ان تكون في الصفوف الأولى، إن لم تكن في القيادة للدفاع عن مصالح شعوبها، وبالتحديد شغيلة اليد والفكر فيها.

وكان هذا أحد أسباب مآل ما أفرزته بعض هذه الثورات، حتى الساعة. من دون التقليل من شأن عوامل، موضوعية وذاتية، أكثر أهمية. تعود، غالباً، للواقع المأزوم تشتّتاَ لمجتمعات البلدان الثائرة.

أما “اليسارية والتقدمية” فتحتاج لتوضيح دقيق، لا لبس فيه، بالدفاع عن الإنسان، باعتباره أغلى قيمة، وعن وجوده ومستقبله الأفضل. فتحت يافطاتها ارتُكبت خروقات فاضحة، أدت لإنهيار “معسكر” كامل بسرعة مذهلة، وسلّمت العالم لأعتى طغاته (الليبراليين الجدّد)، ليصول الأخير ويجول كونياً، تحقيقاً لمصالحه الطبقية الأنانية.

فواجب القوى المنتصرة للإنسان، ولإلغاء أي شكل من أشكال إستغلاله، المشاركة “الفعّالة”، عملاً وليس قولاً أجوفاً، بهبات شعوبها، ثورات كانت ام انتفاضات او تحركات او احتجاجات او كائناً ما كان تسمياتها.

ويدخل بهذا “موازنة حركتها وإعادة تقييمها، ومواكبة التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية والاعلامية الجارية في الساحة، وجعلها تصب في خدمة التحرّر والعادلة الاجتماعية والمساواة والثقافة المدنية العصرية وبناء المجتمع المدني الديمقراطي الحديث”، كما تفضلتم.

وإن صحت حقيقة ان السياسة فن تحقيق الممكن، فالأصح على هذه القوى “اليسارية والتقدمية”، ان لا تفقد، في جميع مراحل نضالها المشرف، بل جلّ خطواتها، بما فيها التكتيكي منها، بوصلتها/ رسالتها التاريخية السامية بتحقيق مجتمع اللاإستغلال. فتجربة القرن الماضي بيّنت اختلالاً واضحاً، لم يوفق بين الأهداف البعيدة، والتطبيقات الآنية للوصول اليها. وهذا أحد عوامل المواقع الضعيفة الحالية لهذه القوى.

وعليها فهم واقع مجتمعاتها المأزومة، والانطلاق منه. وإن توجب عليها، أحياناً، ان تسبح ضد التيار، بما يحمله هذا من كلفة باهظة. ولا يعني هذا الانعزال عن تلك المجتمعات، والعيش بأحلام طوباوية، عصفورية، وإنما التعامل بواقعية معها، بهدف النهوض بها، وانتشالها من تخلفها المريع، على الأقل في مجتمعاتنا العربية. فالمهم ليس فهم التاريخ، بل تغيّيره. ويصح هذا على المجتمعات أيضاً.

وربما يكون في مقدمة مهام قوانا “اليسارية والتقدمية” مهمة تقيّيم أدائها السابق، بموضوعية، لا تنتصر للأفراد، مهما كانت مواقعهم وتضحياتهم، وإنما تنتصر لمهمتها التاريخية بتحقيق مجتمع أفضل للإنسانية. وهنا تكون “أخذ العزة بالإثم” قاتلة، يوازيها ضرّراً الشعور بالرضا عن الذات، او وهم ان “الحياة زكّت صواب سياستنا ومواقفنا”.

فالحياة متجدّدة أبداً، وتخلف ورائها الماضي، من دون ان تلغيه. فلا مستقبل بلا حاضر او ماضي، بترابطه الديالكتيكي المتفاعل.

وإيجازاً، فعلى هذه القوى اعتماد وسائل العلم الموضوعي، البعيد عن الرغبات الذاتية، في فهم واقعها. على الأقل، كانت هذة وسائل أساتذتها. وهو ما استفاد منه خصومها، فطوّروا مجتمعاتهم، والأكثر منها أرباحهم! أفضل مِن مَنْ أدعى التلمذة هنا!؟ وينبغي إعادة النظر، جذرياً، بوسائل تحقيق المستقبل الأفضل، بما فيها أشكال التنظيم، خصوصاً البالية منها. فأحداث هذا العام وضعت الكثير من وسائل القوى “اليسارية والتقدمية” في متحف التاريخ، في ألطف الأوصاف.

وإن حقّقت قوى الاسلام السياسي، في مجتمعاتنا، بعض النجاحات المؤثرة، والمرجح ان تحقّق الأكثر، فتجربة شعوب متطورة تعلمنا ان قوى دينية سياسية سالفة حققته قبل قرون. ولكنها انهزمت في النهاية لصالح فصل الدين عن السياسة، ولتنزوي. ومهمة “اليسار والتقدم” هنا تقليص فترة القوى المتخلفة، والمتمرسة بالدين، والتي لا تمتلك برنامجاً، عدا التخدير، لحل مشاكل مجتمعاتها المأزومة. وأضحى التعلم من تجارب الشعوب المتحضرة واجباً، للمضي على طريق مستقبل افضل لشعوبها وللبشرية.

ويبقى الإنسان، بغض النظر عن عرقه وجنسه ولونه ودينه وطائفته وفكره، هو الغاية و… الوسيلة!     #

#.    عن الحوار المتمدن….


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى