القانونية

الانتـخابات وشـرعية السـلطـة القـادمـة فـي العـراق

الانتـخابات وشـرعية السـلطـة القـادمـة فـي العـراق

د. فلاح اسماعيل حاجم

2005 / 1 / 19

*ايفان شومسكي* – فلاح اسماعيل حاجم
ان من المسلمات التي باتت معروفة للجميع والتي اصبحت من الثوابت التي لا يمكن بأي حال تجاوزها هي ان شرعية السلطة العليا لاية دولة تعني بالدرجة الاولى ثقة المواطنين بممثليهم في الاجهزة المنتخبة لتلك الدولة؛ تلك الثقةالتي لا يكون ارتباطها الاساسي بالقواعد القانونية(مع ما لذلك من اهمية) بقدر ارتباطها بالظروف المادية والاجتماعية والروحية للمجتمع. من هنا تتحدد علاقةاغلبية مواطني الدولة بالسلطة. هذا من جهة ومن جهة اخرى فان شرعية الاجهزة المنتخبة تتأتى ايضاً من مدى نزاهة وعدالة الانتخابات وسلامة الاجراءات الانتخابية؛ اي بمدى اعتماد التشريع الانتخابي الذي من شأنة توفير الفرص المتكافئة لجميع اطراف اللعبة السياسية وعدم استثمار الاموال العامة للدولة وجهازها الاداري لمصلحة الكيانات السياسية المالكة لزمام السلطة في الوقت الراهن بالاضافة الى استثمار الموروث الروحي للمجتمع (الديني على وجه الخصوص) لصالح هذا الطرف او ذاك من الاطراف المتنافسة.
من هنا يساورنا شك كبير بخصوص امكانية انتخابات حرة ونزيهة في العراق في نهاية الشهر الجاري. لذا سنحاول التوقف عند بعض المسائل التى لها علاقة؛ كما نعتقد ؛ بموضوعة الانتخابات المقبلة. قد يبدو بديهيا الجواب عن السؤال حول امكانية اجراء انتخابات حرة ونزيهة في بلد يعيش حالة من الفوضى الامنية السياسية وفي ضل تواجد كثيف للقوات العسكرية على اراضيه. من الطبيعي التفكير بأن خطر افشال العملية الانتخابية قائماً بسبب احجام مجاميع كبيرة من الناخبين عن التوجه الى صناديق الاقتراع ولاسباب مختلفة؛ فالمعلومات الواردة من العراق تشير الى انسحابات جماعية سواءأً من الاجهزة الانتخابية (مكاتب المفوضية في المحافظات) او من قبل المرشحين والكيانات السياسية وذلك اما بسبب التهديد المباشر من الحركات المتطرفة والساعية لأفشال العملية الديمقراطية بأي ثمن او بسبب الموقف السلبي لبعض الكيانات السياسية والحركات والشخصيات الدينبة المؤثرة وخصوصا السنية منها, تلك الحركات التي فشلت بانتزاع الموافقة على طلبها بتأجيل الانتخابات الى وقت آخر مما سيؤثر سلبا على اندفاع الناخبين في بعض المحافظات الى صناديق الاقتراع.
اذن هل يمكن والحالة هذه ان تكون نتائج الانتخابات المزمع اجراؤها شرعيةً؟ فسلطة الدولة التي تسعى لاكتساب شرعيتها وانتزاع الاعتراف بها ينبغي ان تكون ممثلة حقاً لاغلبية السكان. بالاضافة الى ذلك فان ثقة الناس؛كما اسلفنا؛ تكمن في اساس تلك الشرعية وعليها (السلطة الجديدة) ان تثبت من خلال الممارسة بانها المعبرة الحقيقية عن ارادة الاغلبية.

ان مفهوم الشرعية في العراق؛ كما هو في بلدان الشرق الاوسط كافة؛ يمتلك خصوصياته التي لابد من اخذها بنظر الاعتبار. وهذه الخصوصيات نابعة من تجذرالدين والعادات والتقاليد في الوعي الاجماعي؛ بالاضافة الى انه سيكون من الخطأ الفادح التقليل من دور الشخصية الفذة عند تحديد مفهوم الشرعية؛ تلك الشخصية التي يكون لمواصفاتها المتميزة ولمكانتها الروحية الدور الحاسم في تحديد سلوكية الجماهير. على انه ليس بالظرورة ان تكون تلك الشخصية ايجابية فالتأريخ يعرف الكثير من النماذج السلبية التي تمكنت من قيادة شعوبها ولسنوات طويلة؛ ولطالما كانت الايديولوجية والدين سلاحاً لا غنى عنه لدى تلك الشخصيات (زعماء الحركات الارهالبية على سبيل المثال).
عند العودة الى موضوعة الانتخابات الحرة والنزيهة لابد من التأكيد على ان الكثير من تلك الطروحات تحمل في جوهرها نسبة كبيرة من المغالطات. ففي الوقت الذي يتم التأكيد فيه على ان نتائج الانتخابات المقبلة ستؤثر على الوضع السياسي للعراق يقوم السياسيون (المتنفذون) باستخدام كل الاحتياطي الاداري مع الامكانيات المادية للدولة للتأثير على خيار الناخب العراقي مما سيحدد النتيجة النهائية للانتخابات حتى قبل اجراءها؛ بمعنى اخر يمكننا تلمس تشوهات المخلوق الجديد للدولة العراقية (الهدف-النتيجة) من خلال المعاينة البسيطة للوسيلة (الاجراءات الانتخابية).
ان من مواصفات الانتخابات الحرة والنزيهة هي ان تعترف الجهة التي لم تفلح بكسب الاغلبية من اصوات الناخبين بنتيجة الاقتراع؛ لكن من الشروط الاولية لتحقيق ذلك هو تأمين الفرص المتكافئة لجميع المتنافسين بما في ذلك توفير المناخ المناسب للقاء المرشحين من احزاب وكيانات مع الناخبين؛ على الاقل لشرح البرامج الانتخابية وتك هي ابسط متطلبات الحملة الانتخابية, وبالمقابل يحق للناخبين ايضاً التعرف بشكل مباشر على القادة الجدد لدولتهم. فهل هنالك ثمة امكانية لتوفير كل ذلك في الظرف العراقي الراهن؟. واذا ما القينا نظرة بسيطة للانتخابات التي جرت في الامس القريب والتي اثارت الكثير من الجدل بين اطراف اللعبة السياسية في بعض الدول تجعلنا مضطرين للتفكير مليا بمدى شرعية الانتخابات المقبلة في العراق؛ فالصراع بين المرشحين الجمهوري والديمقراطي لتولي رئاسة الولاية المتحدة دفع الكثيرين الى الطعن بنزاهة الاساليب الانتخابية في واحدة من اعرق الديمقراطيات في العالم المعاصر؛ ولم يختلف الامر كثيراً بالنسبة لفنزويلا وجورجيا ؛ اما في اوكرايينا فلا زالت قاعات المحاكم منشغلة بدراسة الادلة الثبوتية للمرشح الفائز – الخاسر يونيكوفيج.
من المعادلات البديهية هي ان من يملك الصحافة ووسائل الدعاية الاخرى بامكانه امتلاك العالم؛ من هنا يمكننا التساؤل؛ من يمتلك امكانية التصرف بوسائل الصحافة و الاعلام في العراق بالوقت الراهن؟ قبل الاجابة على هذا السؤال لابد من الاشارة الى ان ثمة خصوصية يتميّز بها الواقع العراقي عن الكثير من الدوّل في عالمنا المعاصر وهي تجذر الانتماء سواءاً الحزبي منه او الديني؛ مما يجعل من كسب الناخبين واحدة من الواجبات الحزبية الاساسية بالنسبة للعضو الحزبي؛ فالعضو الحزبي؛على سبيل المثال؛ مستعد حتى للتضحية والاستشهاد على يد الارهابيين في سبيل ايصال منشورحزبي او لترتيب عملية كسب ناخب واحد. فيما تعتبر الفتوى الدينية امرا لا مناص من الالتزام به وتنفيذه لدى الناخب المؤمن ( لابد من التنويه هنا ان المرجعية الدينية لم تصدر لحد الآن اية فتوى بهذا الخصوص وهي بذلك تؤكد التزامها بالقواعد القانونية وتثبت دورها التربوي العام والمحايد). لكن ما تقدم لا يلغي الدور الكبير للسلطة والمال في التأثير على وسائل الاعلام واستخدامها في العملية الانتخابية ؛ فليس من الصعوبة ملاحظة التأثير المتزايد للحكومة العراقية المؤقتة على وسائل الاعلام المقروءة منها والمرئية مما يشكل اخلالاً بمبدأ تكافؤ الفرص وخرقاً لقواعد اللعبة الانتخابية.
ان شرعية النواب المنتخبين ترتبط اشد الارتباط بكيفية التصويت؛ اي تلك المرحلة من مراحل العملية الانتخابية التي عادة ما يثار حولها المزيد من الشكوك والتي تشكل معضلة كبيرة بالنسبة للاجهزة الانتخابية ومراقبي الانتخابات على حد سواء . وان اشد ما يمكن خشيته في التجربة العراقية الراهنة هو استخدام القوى المتنافسة للمليشيلت التابعة لها سواءأً لاجبار الناخبين على التصويت لهذا الطرف او ذاك او بمنع الناخبين المناهضين من الوصول الى صناديق الاقتراع وخصوصاً في ظل الضعف الملحوظ للشرطة العراقية وقوات الامن والجيش الوطني.
من كل ما تقدم يمكننا الخروج باستنتاج اخير وهو ان الظروف الراهنة في العراق غير مهيئة لاجراء انتخابات حرة ونزيهة؛ وعليه فانه سيترتب على السلطة القادمة في العراق اثبات شرعيتها ومواجهة الطعون الانتخابية من اطراف اللعبةالسياسية. لكننا نرجو ان لا تفهم ملاحضاتنا هذه على انها دعوة لمقاطعة الانتخابات القادمة في العراق وخصوصا اذا كانت تلك الانتخابات خطوة في طريق الحياة الامنة والسلمية لأن السلام السئ افضل بكثير من الحرب الجيدة.

٭- المستشار القانوني لمحافظ مقاطعة ضاحية موسكو واستاذ القانون في الجامعة الروسية للصداقة.
٭- مواطن عراقي؛ استاذ القانون الدستوري في نفس الجامعة.

موسكو / روسيا…… #

#.    عن الحوار المتمدن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى