القانونية

التعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا

التعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا

تعليق على قرار المحكمة الاتحادية العليا بعدم دستورية المادة (12/ثانيا) من قانون أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية، الخاص بمنح حملة الشهادات العليا من غير وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي والتربية اللقب العلمي د. محمد صباح علي
ر. مركز بغداد للتنمية القانونية والاقتصادية

أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق وبناءً على اختصاصها المنصوص عليه في الدستور في المادة (93/أولا)، المتعلق بالرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة واستنادا للفقرة (ثالثا) من المادة (1) من النظام الداخلي للمحكمة لعام 2005؛ قرارها المؤرخ في 27/10/2021 في الدعوى بالعدد (46) وموحديتها 50/51 / اتحادية/2020 الخاص بعدم دستورية مجموعة من المواد والفقرات المتعلقة بقانون أسس تعادل الشهادات والدرجات العلمية العربية والأجنبية، وبذلك ارتأينا تسليط الضوء على الطعن المقدم من قبل المدعي: السيد وزير التعليم العالي والبحث العلمي وما ثبته في عريضة الطعن وكيله في الدعوى تجاه البند (ثانيا) من المادة (12) وإجابة وكيل المدعى عليه تحديدا على المادة أنفا المطعون بعدم دستوريتها ومناقشة ما جاء بقرار المحكمة في التوصل إلى عدم دستورية المادة (12/ثانيا) من القانون المطعون بعدم دستوريته والتي تنص على ( يمنح حملة الشهادات العليا ( الماجستير أو الدكتوراه) من الموظفين المدنيين أو المكلفين بخدمة عامة من غير موظفي وزارتي ( التعليم العالي والبحث العلمي، التربية) اللقب العلمي استثناءً من أحكام المواد (25و26و27و28) من قانون رقم 40 لسنة 1988 وتدور خدماتهم السابقة للحصول على الشهادة العليا لإغراض الترقية للحصول على المرتبة العلمية بناءً على توصيات لجنة علمية متخصصة في دائرتهم وبالتنسيق مع لجان الترقيات العلمية في الجامعات أن كانوا من أصحاب المواهب العلمية الفذة أو قدموا جهود متميزة في العمل أو الاستشارة العلمية والفنية أو صدرت لهم بحوث علمية قيمة أو أصيلة أو مبتكرة أو ممن يقوم بالتدريس في أحدى الجامعات أو المعاهد أو مراكز التدريب والتطوير في الوزارات والجهات غير المرتبطة بوزارة من غير أن يترتب على ذلك أي أثر مالي وعدم شمولهم بإحكام قانون الخدمة الجامعية)، وحيث قررت المحكمة بعدم دستورية المادة المذكورة دون أـن يتم مناقشتها، التي أشارت في مضامين فقرات الحكم إلى الحقوق والمبادئ الدستورية التي تضمنها دستور جمهورية العراق لسنة 2005 أو المتصلة به، والتي نود بيانها في الآتي :
1- طلب المدعي في عريضة دعواه وبما ثبتته وبينته صفحات قرار الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية العليا بأن المدعى عليه وفي القانون المطعون بعدم دستوريته لم يبين الغاية من منح اللقب العلمي لغير الجهات المعنية بالجانب الأكاديمي وهو مرتبط بالجانب العلمي حيث لا يوجد هذا النص في جميع القوانين المقارنة في الدول الأخرى. أجاب وكيلا المدعى عليه على المدعي ( أن المادة (12/ثانيا) من القانون جاءت تطبيقا سليما للمادة (34/ثالثا) من الدستور- ونذكرها لسهولة الاطلاع : تشجع الدولة البحث العلمي للأغراض السلمية بما يخدم الإنسانية، وترعى التفوق والإبداع والابتكار ومختلف مظاهر النبوغ.- حيث أن المشرع في إقليم كردستان شرع القانون رقم (9) لسنة 2012 الذي منح اللقب العلمي للقطاع العام والخاص في حين أن المشرع الاتحادي منحه للقطاع العام فقط. وكان ما تقدم يمثل كل ما طلبه المدعي في طلبه – بيان الغاية من منح اللقب العلمي- وأجاب المدعى عليه على المدعي، ومن ثم قضى القرار بعدم دستوريتها من قبل المحكمة، الذي طلب المدعي بيان الغاية منها وليس نقضها بعدم الدستورية كما في المواد الأخرى، لوجود أصل في التطبيق لها لا يعلمه المدعي! في داخل العراق الاتحادي المنظم سلطاته الدستور الواحد، فكيف له معرفة ما يدور في القوانين المقارنة المتعلقة بالتجارب العلمية والإبداعية. ونود التعليق والإجابة على ما طلبه المدعي على المادة المذكورة لنقول، أن الغاية من منح اللقب العلمي لغير وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية، هي غاية علمية تطويرية أكاديمية مستندة على أصل الشهادة العليا الحاصل عليها طالب اللقب العلمي، وحيث يعلم الجميع أن ما يجري في دوائر القطاع العام من غير وزارة التعليم العالي البحث العلمي تجاه حاملي الشهادات العليا هي جريمة إبادة علمية بكل ما تعنيه الكلمة من معنى وتخالف نص المادة الدستورية التي بينها المدعى عليه والمشار إليها أعلاه، إذ يتم قتل الإبداع والابتكار عندما يتم تكليف حامل شهادة الدكتوراه بإعمال إدارية وطباعيه وأتلاف أوراق مستهلكة والجلوس في الاستعلامات لإرشاد المراجعين إلى المكان المختص لانجاز المعاملة أو تصوير الأوراق الرسمية أو تشغيل وإطفاء مولد الكهرباء داخل الدائرة الرسمية، وهنا نتوقف لنسأل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، هل هذه مهام وواجبات صاحب الشهادة العليا؟ حيث أصبح مخجلا على حامل هذه الشهادة البيان والتصريح بها، أم الانشغال بإعداد الأبحاث وتقديم الدراسات وزيادة الإنتاجية تماشيا مع وضع البلد المنهار على كافة المجالات والأصعدة والتي تتطلب من هذه الشريحة تفعيل دورها العلمي للنهوض بالواقع الذي يمر فيه البلد، فكان على وزارة المدعي أن تأخذ زمام المبادرة وتطالب أولا بإدخال هذه الكفاءات التي عجزت عن استيعابهم في وزارتهم الأم مما دفعهم إلى القبول والتعيين في وزارات أخرى لا تنسجم مع مهامهم واختصاصاتهم وبعمل قد يرفضه حامل الشهادة الابتدائية، لا أن تنعى عليهم بعدم وجود غاية من منح اللقب العلمي، ولعل سائلا يسأل ما الغاية من منح اللقب العلمي لوزارة التربية؟ وتغيير الوصف الإداري للوزارة بوصف مشابه لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي والتمتع بالامتيازات المقررة للوزارة الأخيرة، هل حلت جميع المشاكل موظفي وزارة التربية؟، هل قضت الوزارة على جميع مشاكل البطالة؟، هل حققت الجامعات العراقية تصنيفات قياسية؟، هل تم القضاء عل مشكلات البحث العلمي والتحديات التي تواجه الباحثين؟، الجواب كلا، لان الغاية من ذلك لم تكن علمية بل التحصل على امتيازات. بينما الغاية في البند (ثانيا) من المادة (12) لم تكن مالية ولم تكلف الدولة أي عبئ مالي وهي تنسجم دستوريا مع الوضع المالي الحرج للبلد، ولم يشمل الحاصل على اللقب العلمي بالعطل والامتيازات المقررة للوزارتين. فالغرض والغاية كانت علمية تطويرية وليست مادية وخصوصا وان المادة المطعون بعدم دستوريتها لم تشمل أو تنص على منح اللقب العلمي للجميع إلا للمتفوقين والمبدعين والمشاركين في المؤتمرات العلمية ومقدمي الاستشارات والذين لديهم أبحاث علمية رصينة ومنشورة في داخل وخارج العراق، وليس فتح المجال أمام الجميع، بينما ذلك لم يحصل في مؤسسات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي فكثير من الأساتذة يدخولون بحول القانون وقوته في مجال الترقية دون أي شرط مما ذكر ويكونوا مخيرين بالتقديم على الترقية المشمولة بالمخصصات المالية استنادا للفقرة خامسا من المادة (11) من قانون الخدمة الجامعية رقم 23 لسنة 2008، ومفارقة أخرى في نفس القانون المذكور نجدها في الفقرة رابعا من نفس القانون الأخير عندما أجازت لحامل اللقب العلمي من حملة شهادة الدكتوراه أو ما يعادلها في الجامعات والمؤسسات العلمية الرصينة في خارج العراق الاحتفاظ بلقبه العلمي عند تعينه في الجامعات العراقية ويحتسب راتبه الكلي أسوة بإقرانه من موظفي الخدمة الجامعية، وهذه مخالفة أكبر وأعظم فقد تكون تلك الجامعات هي ذاتها غير الرصينة وشهاداتها محل القانون المطعون بعدم دستوريته، وأسلوب الحصول على اللقب أسلوب مختلف ومتنوع ويخضع لحاجة البلد والدولة وأعداد الأساتذة وليس في ذلك قانون ثابت وموحد بل يخضع لظروف البلد، كأن يعين في وزارة التربية بشهادة عليا ويحصل على اللقب العلمي ولم يحاضر في الكليات، أو يعمل في مؤسسات ومراكز بحثية أكثر أعمالها إدارية وليست علمية وبحثية رصينة، فكيف حللت الوزارة اللقب على الحاصل عليه من الخارج ولا تعلم كيف تم منحه وتطعن بإجراءات يكون قرارها هي الفيصل الحاكم فيه.! فكان على المحكمة الاتحادية النظر في ذلك ومناقشة المدعي لتوضيح الغاية ووزنها بميزان العدل ودراسة الظروف الراهنة لحاملي الشهادات العليا ووضعهم في الميدان العملي وتقدير أن الحاصلين عليها من داخل وخارج العراق، ثم وزنه وتقديره مع الغاية التي تغياها المشرع في إقليم كردستان التي لم تكن عبثية ولا عديمة الجدوى والأثر، ولا يخفى على الجميع فرق التطور وبناء المؤسسات بين الإقليم والاتحاد، حيث شرع القانون بمواده الخمس مع استحقاق مالي للخاضعين لأحكامه، فكيف تفسر وزارة المالية صرف مستحقات هؤلاء للقلب العلمي بعد قرار المحكمة الاتحادية البات دون غطاء قانوني، وكيف تتعامل وزارة التعليم العالي في مؤتمراتها العلمية والأبحاث المنشورة مع حاملي الألقاب العلمية بعد قرار المحكمة فهل لها صفة الانتزاع؟ أو عدم الاعتراف عند قيام أستاذ أو أستاذ مساعد من إقليم كردستان بإلقاء محاضرة في جامعة الموصل أو بغداد؟ أو عدم منحه أجور الاشتراك في مناقشة أطروحة دكتوراه أو رسالة ماجستير وفق اللقب الحاصل عليه، أم أنها تفتش عن أصل المنح وهل خاضع لقانون رقم 9 أم لا. وماذا لو تسنم منصب وكيل وزير التعليم العالي من الإقليم حاصل على اللقب العلمي بموجب القانون رقم (9) وله قرار على مفاصل الوزارة والجامعات؟. ثم السؤال المفترض أن يسأل لوزارة التعليم العالي عن حق منح الألقاب للجامعات الأهلية الخاضعة لقانون التعليم الأهلي وتمارس الوزارة عليها حق الإشراف هي جامعات خاصة تُشكل الوزارة على رصانتها من خلال مخرجاتهم من الطلاب وما يجري في امتحاناتهم النهائية والتقارير التي تكتب من قبل لجان الوزارة، والتي هي شركات ومؤسسات أقرب للربحية من التعليمية، فما معيار الجودة والرصانة في الأبحاث التي أصبح النشر في المجلات عبارة عن مردود مالي وليس علمي والذي يستقيم اللقب عليه ومنهم لم يمارسوا العمل الأكاديمي، فكان على المحكمة عدم تجزئة المضمون والنظر للحاجة وفق التطورات الحاصلة في المجتمع وتفسير وقراءة المادة قراءة ثاقبة وهو من أهم وأدق اختصاصات المحكمة الاتحادية.
2- أن حق الحصول على اللقب العلمي هو حق متصل ولاحق للحصول على الشهادة العليا وليس سابقا عليها؛ ليكون ضمن دائرة النزاع بين المدعي والمدعى عليه وسيكون اختياري، كما وأن الهدف منه هو انعكاسه على التطوير المجتمعي والذي يتم من خلال تطوير أدوات البحث العلمي وهذا ما أكدته المحكمة في قرار الحكم في الفقرة (1) التي نصت على (الحق في التعليم من الحقوق الأساسية البالغة الأهمية لتأثيره البالغ في إعمال حقوق الإنسان الأخرى ولأهمية النتائج المترتبة عنه في التطور والنماء الاقتصادي والاجتماعي ومن ثم انعكاسه على الدولة…..)، فحقوق التعليم مرتبطة ومتطورة ومتصلة بعضها ببعض، فضلا عن أن مراحل التطور تبدأ بعد حصول الباحث على شهادة الدكتوراه وليس قبلها، والذي ينمي مهارته هو الانخراط في مجال البحث العلمي من خلال الندوات والمؤتمرات ونشر الأبحاث، ناهيك عن أن الكثير من المؤسسات البحثية المنظمة للنشاطات العلمية باتت تعتذر في نشاطات معينة عن إشراك الباحثين دون وجود لقب علمي معين فيحرم حامل الشهادة العليا الكفء المعين على غير وزارة التعليم العالي والتربية من الاشتراك في هذه النشاطات ويعد ذلك قيد على حرية التعليم الموضحة في قرار المحكمة أعلاه ويتعارض مع انعكاس تطور ونجاح التعليم على تطور مؤسسته هذا من جانب، ومن جانب أخر درجت الجامعات العراقية على أقامة دورات منح طرائق التدريس وصلاحية التدريس وسلامة اللغة العربية للباحثين لغرض التدريس سواء في الجامعات الحكومية أو الأهلية بشكل عام ولغير الخاضعين لقانون وزارة التعليم العالي والتربية والتي هي أحد شروط الحصول على الترقية مما يدل على عدم وجود مهارات لموظف وزارة التعليم والتربية تزيد عن غيرهم من طالبي اللقب وهو ما يتفق مع ما أبداه المدعى عليه بمخالفة المدعي في ذلك للمادة (34/ثالثا) من الدستور، بالإضافة إلى أن آفاق السياسة التشريعية في مجال تنمية التشريع وتحريره من القيود والعقود هي من مستلزمات السلطة التشريعية ولا معقب عليها في ذلك وهو ما ورد بالفقرة الثانية من قرار الحكم الذي بينته المحكمة (…… وأن إدراج الحقوق بمختلف أنواعها في النصوص الدستورية يجعلها تكتسب القوة الدستورية وبذلك تعد قيدا على سلطات الدولة والتزاما يجب عليها الإيفاء به وهذا يتطلب من السلطة التنفيذية التدخل وإزالة كل العوائق……) .
3- عرج قرار المحكمة الموقر في الفقرة ثالثا على مبدأ تكافئ الفرص والمساواة بشكل عام وتحديدا على تطبيق ذلك المبدأ في مجال التعليم بين أبناء البلد بشكل خاص انسجاما مع الدستور العراق لسنة 2005، ولم يأخذ بعين الاعتبار التمييز الذي يظهر كقيد على هذا المبدأ في المجال العملي لأصحاب الشهادات العليا من غير وزارتي التعليم العالي والبحث العلمي ووزارة التربية، الذين يتمتعون بقانون خاص وامتيازات خاصة، بينما يحرم الحاصل على الشهادة العليا من تلك الامتيازات في دوائر الدولة الأخرى بالرغم من تساويه في درجة الشهادة؛ الذي تظل حقوقه الوظيفية مرهونة بقانون الخدمة المدنية والتدرج بين درجات القانون الذي يعد من الناحية القانونية مخالف لهم ويسري حصرا على حاملي شهادة البكلوريوس وليس الماجستير والدكتوراه المطالبين بانجازات بحثية تليق بمستوى الشهادة العليا والذي يقع عبئ المحافظة على كرامتها وصيانة حقوقها وزارة التعليم العالي والبحث العلمي وليس عليها التفرقة بين كفاءاتها بين وزارة وأخرى، فليس مثلا لوزارة النفط أن تحتكر الإيرادات المالية لبيع النفط وتحرم الوزارات من حقوق وثروات شعبهم تحت ذريعة مسؤوليتهم عن الفساد المستشري وهدر المال العام وخسارة الشركات العامة لعدم قدرتهم على زيادة الأرباح فعندئذ يكون ذلك عقوبة لهم وليس أيجاد حل لمعالجة المشاكل بشكل علمي رصين.
4- ومن أهم الغايات التي كانت ستحقق رغم تكرار المناداة والمناشدات لوزارة التعليم العالي والبحث العلمي هي غاية تحقيق المصلحة العامة ومعالجة واقع الاقتصاد العراقي في استيعاب طلبة الدراسات العليا داخل العراق بدلا من لجوئهم إلى دول أخرى ومنحهم شهادات غير رصينة ثم يتم معادلتها داخل العراق ومنها -ما تم الإعلان عن منح (27000) شهادة خارج الضوابط بحجة الجائحة- وكان رأي الوزارة من عدم استيعاب هذه الأعداد داخل العراق هي محدودية الطاقة التدريسية وحاملي الألقاب العلمية قياسا مع الأعداد المتقدمة للدراسات العليا والتي أصبحت اليوم مطلب للطلبة، فكان على الوزارة تحقيق ذلك من خلال الاستعانة بالخبرات العملية والطاقات الموجودة داخل مؤسسات الدولة الأخرى من حاملي الشهادات العليا وفتح المجال أمامهم بمبادرتها باقتراح منحهم اللقب العلمي والاستفادة من خبراتهم في إعداد طلبة الدراسات العليا وإخراجهم لسوق العمل، إذ أن طالب الدراسات العليا بحاجة إلى خبرات عملية وليست نظرية متمثلة بإعادة ما سبق تدريسه من مواد في مرحلة البكلوريوس ويتفق الجميع في أن مخرجات الدراسات العليا جميعها نظرية ولن تستفيد منهم مؤسسات الدولة من دون إعادة تأهيل لهم في المجال العملي، فوجود أصحاب الخبرات العملية في الكليات والجامعات هو إثراء وتطور وتوظيف للنظرية في مجال التطبيق العملي، ناهيك عن الإيرادات المالية للآلاف من الطلبة لو تم استيعابهم داخل العراق والذي لم يكلف الكلية سوى مقعد الجلوس الذي يتم شرائه من القسط السنوي الذي يدفعه طالب الدراسات العليا وبالعملة الصعبة بالإضافة إلى تحريك وإنعاش السوق الداخلي للبلد والحفاظ على العملة الصعبة، ليتم توظيف هذه الأموال في توسيع قطاع التعليم وتحديثه، ولقد تطرق إلى هذا الخلل قرار المحكمة الموقرة في الفقرة (خامسا) الذي جاء فيه (……. على ما يطمح إليه الطلبة العراقيين من شهادة علمية الجأت الكثير منهم إلى الدول الخارجية للحصول على بعض الشهادات العلمية مما أثقل كاهل الطلبة المذكورين بأعباء مالية كبيرة والتأثير على وضع الاقتصاد العراقي كما أن ذلك أدى إلى الحصول على الشهادات من بعض الجامعات التي لا تمتاز بالرصانة العلمية ……. وفتح المجال للطلبة العراقيين للحصول على الشهادة العلمية داخل البلد).
والجدير بالذكر أن وزارة التعليم غير معنية فيما لو طبقت المقترح أعلاه بالتزامها بتعيين طلبة الدراسات العليا، ونعتقد وعلى ضوء قرار المحكمة أعلاه أن مجلس النواب لو كان يسمع ويلاحظ ويهتم باقتصاد البلد لطرح الثقة بالوزير والمسئول عن ذلك الذي تسبب في ضياع أموال من البلد وإحالته إلى المحاكم المختصة نتيجة التعقيد الإداري وعدم تبسيطه ومعالجة وتحسين الواقع التعليمي للحصول على العوائد المالية، ويستلزم اليوم من الجهات الرقابية فتح هذا الملف والتحقيق فيه منعا من تكرار ضياع أموال البلد وهو بأمس الحاجة لتنويع وارداته المالية وإثارة المسؤولية الجزائية تجاه المقصر في التمسك والحفاظ على هذه الأموال المهدورة والتي البلد بأمس الحاجة إليها ويعمل متقصدا بضياعها عن البلد بحجج واهية ولمنافع شخصية وسياسية وخصوصا بعد قصة منح27000 شهادة من الجامعات اللبنانية وتمت معادلتها داخل العراق فأين الوزارة من كل ذلك!
5- قررت المادة (36/ثانيا) من قانون وزارة التعليم العالي والبحث امتيازا خاصا لموظفيها ومنعته على الآخرين المشمولين بالقانون المطعون بعدم دستوريته عندما أجازت لهم الاحتفاظ بحق الترقية العلمية في حالة تعيينهم أو نقلهم إلى وظائف خارج الوزارة في حالة توفر الشروط اللازمة لذلك دون شرط التدريس، ولنا أن نطرح نفس السؤال ما لغاية من ذلك؟ ولماذا تم مصادرة الحق على الآخرين؟ برغم أن الأخر وعلى وفق المادة المطعون بها أن يزاولوا مهام التدريس وهذا دليل على التعارض وعلى أن اللقب العلمي متصل بالشهادة العلمية حصرا وليس بمهمة التدريس قطعا.
6- أن منح اللقب العلمي للعاملين في غير الوزارتين المذكورتين سيعمل على تقليل الضغط في أعداد المقبلين على التعيين في وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وسيخلق لدى حامل الشهادة العليا نوع من القبول والرضا في العمل في الوزارات الأخرى مقابل احتفاظه بحقوقه الأكاديمية التي سعى سنوات من اجل الوصول إليها وتعد هذه الغاية من أهم الغايات في الوقت الحاضر أمام ندرة الحصول على فرصة عمل وخصوصا من حاملين الشهادات العليا الذين يفترشون الأرض ومداخل الوزارات والطرق العامة للحصول على عمل.
7- وأخير لم تخالف المادة الضوابط الشكلية والموضوعية عند وضعها بل جاءت مسايرة لأهداف وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وبذات الشروط التي تعمل الجامعات الحكومية والأهلية على ترقية تدريسيها، بل وبشروط أكثر رصانة منهم، إذ جعلت الترقية مشروطة بالتدريس والإبداع والابتكار وعلى وفق ما بيناه في المادة أعلاه وهو ما بينته المحكمة بأن الهدف من القانون يمتاز بالنظرة الموضوعية السامية والنبيلة التي تبرر الغاية من التشريع.
ختاما نحن مع إجراءات وزارة التعليم العالي والبحث العلمي في موضوع الرصانة وإعادة مكانة الجامعات العراقية لمكانتها ولها تقدير وإجراء الصحيح والمناسب ونشد في ذلك على أيدي المسئولين فيها وأيدي الخيرين في المضي بتحقيق ذلك، إلا انه يجب الالتزام بالدستور والتشريع، والنظرة الموضوعية للمصلحة العامة دون التعصب والتمسك بفرض الإرادات إذا كان هذا القانون فيه مصلحة عامة للجميع.
واتفق مع الوزارة والمحكمة الاتحادية العليا في موضوع عدم دستورية بعض المواد والفقرات للدستور، ونقر أن بعض مواده تمس مبدأ الرصانة العلمية، وأؤيد اعتراض الوزارة فيما جاء بعريضتها على بعض المواد. كما لا اتفق في نفس الوقت معها في أسلوب التباين والالتزام بالطعن ببعض الفقرات الشكلية التي لا فائدة للدارس منها. فتشريع القانون آثار حفيظة الوزارة بعدم رجوع مجلس النواب لأخذ رأيهم عند التشريع ولو قام المجلس بأخذ رأي الوزارة لما اعترضت عليه، ورفع الدعوى كان بمثابة رد اعتبار وانتصار على حساب الموضوعية في الإلغاء وكان من بين ذلك خسارة ما جاء بالمادة محل دراستنا والتي تمثل إثراء علمي ومالي وتصحيح مسار لرصانة الشهادات وتطوير آفاق حملة الشهادات العليا في وزارات الدولة الأخرى لتحقيق ما نص عليه الدستور في المادة (34/ثالثا) ولتنفيذ هدف القانون المطعون فيه الذي أشادت به المحكمة الموقرة، كان ليتم من تطبيقها للمادة محل الطعن، إلا أنها أعدمت برغم براءتها وحاجة البلد والباحثين الحقيقيين إليها، بالإضافة إلى وضوحها وخلوها من أي شائبة ذكرها المدعي خلاف الدستور والقانون.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى