الفكر السياسي

الرجل المناسب في البرلمان المناسب

الرجل المناسب في البرلمان المناسب

د. فلاح اسماعيل حاجم

2006 / 4 / 24
مواضيع وابحاث سياسية

بانتخابه لهيئته القيادية يكون مجلس النواب العراقي قد خطى خطوة اخرى على طريق استكمال بناء اجهزة الدولة العراقية الحديثة والعمل على اشاعة الحياة البرلمانية الحقيقية لبلادنا. وتكمن اهمية هذا الحدث ليس فقط في كونه سيؤسس لمؤسسة برلمانية دائمة, بل ولأنه يحدث في اجواء غاية في التعقيد ناتجة عن الاحتقان الطائفي والسياسي والذي يعتبر ,كما اظن, نتيجة منطقية للانتقال المفاجئ من نظام التوتاليتاريا البغيضة الى الحياة الديمقراطية والتي لم تشهدها الدولة العراقية منذ نشأتها في بدايات القرن المنصرم, ما يكسبه اهمية استثنائية, وذلك لوضعه الاسس الاولى لبناء دولة عصرية تأخذ من البرلمانية شكلا للحكم؛ سيما وتجربة البلدان النامية تشير؛ وبما لا يدع مجالا للشك؛ بان شكل الحكم الرئاسي وضعف او غياب التقاليد البرلمانية لدى الدولة؛ مع ما يرافق ذلك من غياب آليات الرقابة على السلطة التنفيذية ممثلة برئيس الدولة والحكومة التابعة له؛ تفضي (التجربة) في اغلب الاحيان الى بروز النزعة الفردية في ادارة الدولة وتوفر الارضية لاقامة النظام الشمولي القمعي.
ان واحدا من اهم شروط النجاح في اداء الوضائف الملقاة على عاتق اجهزة الدولة العليا هو الامكانية السياسية والادارية لهيئاته القائدة باعتبارها المرجعية التي بامكانها اختزال الارادات المختلفة والنظر اليها من خلال موشور المصلحة الوطنية العليا. هذا بالاضافة الى الدور الكبير الذي من الممكن ان تلعبه تلك المرجعية في انجاح ,او افشال, القرارات البرلمانية المختلفة وخصوصا الأكثر اهمية من بينها, اي القوانين. من هنا الاهتمام الكبير الذي اكتسبته الجلسة الاولى لبرلمان دولتنا وما تمخض عنها من نتائج هي حصيلة المحاصصة الطائفية (الغير ايجابية).
فاذا كان نائبا البرلمان يمتلكان قدرا معينا من الامكانية, بحكم حذاقة الاول السياسية (الدكتور خالد العطية) وتجربة الثاني العملية (السيد طيفور). فان ادارة السيد محمود المشهداني لجلسة البرلمان الاولى عكست جهلا مخيفا باصول ادارة جلسات الجهاز التشريعي الاهم في الدولة. ما يدفعنا الى طرح السؤال المشروع والذي ستمنحنا الاجابة عليه امكانية تحديد مستقبل العملية السياسية الجارية في بلادنا في الوقت الراهن. وهو هل بامكان الهيئة القائدة لمجلس النواب ادارة برلمان دولتنا خلال هذه المرحلة, وهي الاهم من بين مراحل العملية السياسية الجارية في بلادنا بالوقت الراهن؟
فالمؤشرات الاولى تشير الى ان السيد الرئيس يفتقر الى ابسط المؤهلات لشغل هذا المنصب, هذا عوضا عن جهله بما بات يعرف في لغة القانون الدستوري بالسلوك البرلماني. فطريقة ادارة الجلسة الأولى واسلوب تعامل السيد المشهداني مع زملائه النواب تشير الى مدى حاجتنا الى التكنوقراط السياسي والاداري ومدى خطورة اعتماد اسلوب المحاصصة الطائفية في توزيع المناصب الحكومية المهمة في الدولة. على انه لابد من الاشارة هنا الى اني ارجو ان لا تفهم الملاحظات المطروحة اعلاه على انها اساءة للسيد المشهداني او أي سياسي آخر, بقدر ما هي تعبيرعن خشية مشروعة على مستقبل الحياة البرلمانية والعملية السياسية الوليدة في بلادنا. فعملية الانتقال من النظام الرئاسي (المطلق) وتقاليده المعروفة تتطلب المزاوجة الناجحة بين االمقدرة السياسية والحنكة الادارية. ان وجود قيادة جماعية للبرلمان لا يلغي الدور البالغ الاهمية الذي يتوجب على رئيس المجلس النيابي القيام به. فهو الشخصية الرسمية الاولى والتي يتوجب عليها تمثيل جهازه سواءا امام برلمانات الدوّل الاخرى, او بالعلاقة مع السلطتين التنفيذية والقضائية. ناهيك عن الدور المتميز والخطير الذي يوكل اليه في تنظيم العلاقة بين الكتل السياسية الممثلة في البرلمان, لا سيما في المرحلة الراهنة حيث تشهد الساحة السياسية العراقية اصطفافات سياسية وطائفية بالغة التعقيد, ما يلقي على عاتق رئيس البرلمان مهمات اضافية لا اعتقد ان براعته بتلاوة (الادعية) لوحدها بقادرة على حلها. بالاضافة الى ذلك فان الكم الهائل من مشاريع القوانين المؤجلة والتي تشكل الاساس الذي لا غنى عنه للبدء بعملية الاعمار واعادة تأسيس البنية التحتية للكثير من مؤسسات الدولة الانتاجية والخدمية تتطلب ديناميكية وبراعة في ادارة النقاش الذي سيحتدم حول تلك المشاريع. ولا اعتقد ان هنالك ضرورة للتذكير بخطورة الدور الرقابي للبرلمان على جهاز الدولة التنفيذي, حيث تكتسب الرقابة البرلمانية اهمية استثنائية في ظروف العراق الحالية وحيث الفساد الاداري يشكل معظلة تكاد ترقى الى معظلة الصراع مع الارهاب والجريمة المنظمة.
انني ارى ان التسامي على الانتماء الطائفي والقومي والحزبي الضيق في تشكيل هيئة برلماننا القيادية, كان بامكانه منح دولتنا جهازا تشريعيا- تمثيليا ورقابيا مؤسسا لدولة الحق المرتقبة….. #

# عن الحوار المتمدن…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى