الفكر السياسي

السياسة النقدية على المحك

السياسة النقدية على المحك

ابراهيم المشهداني

2012 / 10 / 26
مواضيع وابحاث سياسية

تشكل السياسة النقدية في العراق التي تعبر عن مجموعة الوسائل التي يتخذها البنك المركزي للسيطرة على السيولة والائتمان لتحقيق الاستقرار الاقتصادي بالأسعار وبلوغ معدلات نمو يستهدفها المجتمع العراقي، تشكل الأساس المادي في الارتقاء بقيمة العملة العراقية كوسيلة فعالة لخزن القيم وقياسها وقياس القيم المؤجلة (قيم الديون ) وتيسير عملية التداول في المجتمع وتثبيت سعر الصرف إزاء العملات الأجنبية وخاصة الدولار بوصفه إلى جانب الذهب المعادل لأسعار الصرف في اغلب دول العالم كما أنها تلعب دورا فعالا في متابعة نسب التضخم في الاقتصاد وكبح جماحه وبالتالي تكشف هذه السياسة عن مضمونها الاجتماعي الذي يجد تعبيره في الاحتفاظ بالمستوى المعقول لمستويات المعيشة بالنسبة لفقراء المجتمع كنتيجة لسياساتها النقدية السليمة من خلال استخدام أدوات السوق المفتوحة والسعر الخصم والاحتياطيات إما السياسة المالية فإنها تتركز بشكل خاص في تنظيم عمليات الإنفاق ومجالاته والموارد ومصادرها وتلعب السياسة النقدية والسياسة المالية دورا مؤثرا في التنمية الاقتصادية باعتبار إن السياسة المالية تتولى بموجب قانون الإدارة المالية والدين العام ، عملية الإنفاق العام الحكومي وتاثيراته على القوة الشرائية وتفاعل الأسعار مع السياسة من حيث المستوى العام وهيكلية الأسعار وعليها أي السياسة المالية إن تبحث عن موجودات تمثل مراكز السيولة حتى لو كانت السندات الحكومية ولو استطاعت من السيطرة على السيولة وعلى مراكزها فإنها وبالتنسيق مع السياسة النقدية فإنها سوف تحقق الاستقلال الاقتصادي وعلى الرغم من الاختلاف بين المؤسسة المالية والمؤسسة النقدية حيث تهيمن الحكومة على المؤسسة المالية فيما تتمتع المؤسسة النقدية ويجب إن تكون كذلك بالاستقلالية التامة من حيث رسم السياسات واتخاذ القرارات ولكنها ليست معفاة من التنسيق الكامل مع المؤسسة المالية في مجال التكامل في كبح التضخم المتولد عن الإنفاق الحكومي فالدولة وفي ظروف صعبة وعصيبة مدرجة ضمن خطط دول خارجية تتربص بالعراق واستقراره ،ففي مثل هذه الظروف كتلك التي تعرض لها العراق خلال فترة التسعينات من القرن الماضي ،فان الدولة تكون اضطرارا مولدة للتوقعات التضخمية التي يولدها النقد الرخيص الذي يولد القيمة المتدهورة للدينار العراقي إذ أصبح قيمة الدولار الواحد تساوي 3000 دينار عراقي وهذه النتيجة المريرة جاءت بسبب نفاد الاحتياطيات النقدية من العملة الأجنبية والذهب ووقوع البنك المركزي تحت السيطرة الحكومية وانتهاء استقلاليته .
مما تقدم يتضح إن هناك تداخل في بعض وظائف البنك المركزي ووزارة المالية وفي نفس الوقت يتمتعان بالتخصص في وظائف أخرى لا يستطيع أي طرف منهما التدخل قي اختصاص الطرف الأخر أذان كلا منهما له قانونه الخاص الذي يحدد واجباته وينظم عمله فعلى حين تتقيد وزارة المالية بقانون الإدارة المالية والدين العام رقم 95 لسنة 2004 المعدل فيما يتقيد البنك المركزي بقانونه الذي يحمل الرقم 56 لسنة 2004 المعدل وهذه القوانين ملزمة بموجب الدستور .
إن التنمية الاقتصادية المستدامة هي الإستراتيجية التي ينتظرها شعبنا من اجل إصلاح الاقتصاد العراقي وتجاوز الاختلالات العميقة التي يواجهها في الوقت الحاضر وهذا لن يتحقق في ظل السياسات العشوائية بل من خلال سياسة اقتصادية واقعية تقوم على الاهتمام من بين أمور عديدة دعم القطاع المالي المتمثل بدعم مؤسستيه المالية والنقدية واحترام قوانينهما وقياداتهما التي ينبغي إن تكون من العناصر المشهود لها بالنزاهة والكفاءة كي لا تتكرر سياسة الهيمنة على البنك المركزي التي مارسها النظام السابق بل من الضروري احترام استقلاليته بعيدا عن الانفعالات الظرفية الناشئة عن ضغوط السياسة وتعقيداتها ، إذ إن الإجراءات الأخيرة التي تعرضت لها قيادات في البنك المركزي معروفة بكفاءتها ونزاهتها قد أثارت مشاعر القلق لدى كل وطني حريص على استقلالية البنك وما قد يترتب عليها من تعطيل دوره في الحياة الاقتصادية وفي نفس الوقت يتوجب محاسبة الفاسدين الذين ساعدوا عن قصد أو بصورة مخالفة للقانون على هدر ملايين الدولارات لصالح جهات تحوم حولها الشبهات .
هذا من جهة ومن جهة أخرى فان التنسيق بين القطاعين النقدي والمالي ولأجل تحقيق أهدافهما التنموية نرى ضرورة تشكيل لجنة وطنية عليا من البنك المركزي ووزارة المالية ثابتة لتنظيم العلاقة بينهما ورسم السياسات المالية النقدية المشتركة في إطار الصلاحيات الممنوحة بموجب القانون .ولأجل تحقيق الأهداف المرسومة يتعين عليها وضع برنامج عمل واضح واتخاذ سياقات ملموسة بعيدة عن الروتين وتعقيداته وعرض النتائج التي تتوصل لها على قيادات وزارة المالي والبنك المركزي للموافقة عليها وفقا للصلاحيات القانون. *

* عن الحوار المتمدن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى