القانونية

العالِم والحاكم

العالِم والحاكم … الدكتور منذر الشاوي إنموذجاً أعلن عن وفاة المرحوم الدكتور منذر الشاوي في منفاه القسري في عمان، وتوالت ردود الأفعال عنها عبر وسائل الإعلام المختلفة ومواقع التواصل الاجتماعي، وتكاد جميعها تجمع على إن المرحوم كان أستاذاً وفقيهاً وعالما في القانون الدستوري، ولم يرد له ذكر عن موقعه التنفيذي الذي كان يشغله إلا بإشارة عابرة عند عرض سيره الذاتية، مع إنه كان في العمل التنفيذي لعشرات السنين وفي ظل فترة النظام السابق، ومنها في وزارة العدل التي كانت تشرف على أعمال القضاء قبل استقلاله عن السلطة التنفيذية عام 2003 بموجب أمر سلطة الائتلاف المنحلة رقم 35 لسنة 2003 الملغى، وكان الدكتور منذر الشاوي جزء من الحكومة العراقية للفترة من عام 1974 ولغاية سقوط النظام السابق عام 2003 وشغل عدة مناصب وزارية منها وزير العدل وهي الفترة الأطول وكذلك وزير التعليم العالي والبحث العلمي وفي ديوان رئاسة الجمهورية آنذاك، وناهزت تلك الفترة العشرون عاماً ونيف ، وقبل ذلك كان في العمل الأكاديمي منذ عام 1961 ولغاية عام 1974 وخلال فترة توليه المناصب الوزارية لم ينقطع عن البحث والتدريس في الجامعات العراقية للدراسات العليا وفي المعهد القضائي، ومن خلال مسيرته نجد انه كان جزء من منظومة الحكم مع بقية الوزراء والمسؤولين في الخط الأول من قيادة البلد آنذاك، وتعرض إلى الاعتقال على يد القوات الأمريكية بعد عام 2003 ثم أطلق سراحه لاحقاً، وكان معه أشخاص كثر من الذين عملوا مع النظام السابق، ومنهم من توفى وفاة طبيعية ومنهم من اعدم وبعضهم توفى أثناء قضائه لعقوبة السجن، لكن اغلب هؤلاء الأشخاص كانوا محل نقد لسلوكهم الوظيفي وبعضهم من تم التشفي بهم عند الحكم عليهم بالعقوبات أو بعد وفاتهم، أما المرحوم الدكتور الشاوي كما أسلفت يكاد أن يكون محل إجماع بالثناء عليه واستذكار مأثرة وأثاره العلمية ، ولاحظت ان عناصر الثناء كانت تنصب على علمه ومؤلفاته في القانون بشكل عام وفي القانون الدستوري بشكل خاص، بينما غيره من أقرانه العاملين في الحكومات السابقة لم يرد لهم ذكر في الثناء إلا من أتباعهم بدافع رد الفعل العكسي، وارى إن السبب يكمن في شخصية الدكتور الشاوي التي ميزته عن غيره فهو لم يكن من قيادات الخط الأول أو الثاني في صفوف حزب البعث المنحل كما انه لم يكن من محيط الأسرة المقربة من رأس النظام السابق، ومع ذلك استمر بشغل المناصب الوزارية ذات الصلة بعلمه ودراسته فهو وزير للعدل لأنه من كبار فقهاء القانون وفي التعليم العالي لأنه متخصص في البحث العلمي وله مؤلفات كثيرة وانه أكاديمي لامع نال شهادات عليا من جامعات رصينة ومنها السوربون ويجيد عدة لغات منها الفرنسية والانكليزية، وهذه أدت إلى خلق كاريزما خاصة به، فكان لا يخشى أن يطرد من موقعه الوظيفي لان الوظيفة لا تضيف لشخصه شيء، فهو الممتلئ علماً ولا يمكن لأي قرار أو قانون أو إجراء تعسفي أن يجرده من هذا التميز، على خلاف من يتوارى خلف المنصب فهو في قلق دائم عن مكانه إذا ما ابعد عنه، لأنه ربط شخصه بمنصبه وموقعه الوظيفي، وانه وصل إليه إما تزلفاً او تملقاً او خنوعاً ومنفذاً لكل دناءات رؤسائه أو لغايات الحصول على منافع السحت الحرام من وجاهة الوظيفة مثلما يحصل الآن، وليس لأنه يملك أي شيء آخر فإذا سحب منه المنصب أصبح عدماً، ويدفن في غياهب المجهول والسبب في ذلك إن هؤلاء تعاملوا مع المناصب على إنهم حكام على الناس وليس علماء يوظفون علمهم من خلال منصبهم، أما من يملك العلم والمعرفة فهو حاضر ومتواجد في كل محفل سواء كان في المنصب أو خارجه، واهم عبرة ممكن نستخلصها من وفاة الدكتور منذر الشاوي إن العالِم يبقى حي لا يموت لأنك ستجده في كتبه ويعود إليه الأحياء سواء في حياته أو بعد مماته، ورصيد الدكتور الشاوي من المؤلفات سوف لن تبقيه حياً في ذاكرة الناس وطلاب المعرفة فحسب ، وإنما بقاءً مميزاً حتى عن غيره من أهل المعرفة، لأنه لم يكن حاكماً تلوث بدناءات الوظيفة في يوم من الأيام لأنه عالم في اختصاصه، وهذا هو الفرق بين من يكون حاكماً يتوارى خلف منصبه ويجعل صلاحياته سوطاً مسلطاً على أجساد الناس أو سيفا على رقابهم، وفي فترة ما بعد عام 2003 تولى الكثير من الأشخاص المناصب التي كان يتولاها الدكتور الشاوي وأقرانه في المواقع الأخرى، وهؤلاء منهم من غادر الموقع وضاع في فلوات النسيان، أو منهم من مازال في موقعه وهو منصب مؤقت في كل حال لابد وان ينحى عنه رضاءً أو قسراً وان ورد ذكره كثر فيه السباب واللعن، فمن لم يكن له اثر علمي من مؤلفات أو مواقف شجاعة مثل مقاومة إغراءات المنصب والحفاظ على عفة النفس ونظافة اليد فانه لابد وان ينسى وان تم ذكره فانه يذكر باللعن والذم، لأنه لم يكن عالماً شغل موقعاً ومنصباً في الدولة، وإنما لأنه ظن بأنه الحاكم المتفرد أو الزعيم الأوحد ، وكأن احدهم لم يعمل بنصيحة الشريف الرضي او حتى يسمع بقوله (كنْ كيفَ شئتَ فما الدنيا بخالدةٍ ……… ولا البقاءُ على خلقٍ بمضمونِ)، لذلك فان وفاة العالم تحييه وتبقيه في ذاكرة اهله ومحبيه بينما الحاكم يفنى بموته ولا يبقى من ذكره الا ما يلعن به فعسى ان تكون وفاة المرحوم الدكتور منذر الشاوي ان تكون عبرة لمن يجلس في مقامه او يعمل في فلك اختصاصه، وان كنت ارى قصوراً في عمل المؤسسة القضائية والعدلية ومجلس الدولة (مجلس الشورى سابقاً) عندما تجاهلت وفاته ولم تصدر حتى بيان نعي وهو من وضع اللبنات الأولى لا هم مرفق وهو المعهد القضائي كما خطى بخطوات كبيرة لتطوير عمل مجلس الشورى (مجلس الدولة حاليا) ودوائر القاصرين والتنفيذ وغيرها من تشكيلات وزارة العدل، وليس لي في الختام إلا قول البحتري (تَجـاهَـلَ مَعـشَـرٌ مِقـدارَ سَطـوي .. وَقَد لاحَت لِأَعيُـنِهُـم سِمـاتـي، وَأَبـقَـت حادِثـاتُ الدَهرِ مِنّـي… وَإِن خَفَـضَـت يَدي وَحَنَـت قَناتي ، سَوائِرُ مِن سِهامِ الشِعرِ تُصمي ,,,,, إِذا جَعَـلَت تُشـيـدُ بِها رُواتي) سالم روضان الموسوي قاضٍ متقاعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى