الفكر السياسي

الفوضى الخلاقة

الفوضى الخلاقة

عبدالحسين الهنين

2007 / 6 / 12

هناك بديهية في علم الثرموداينمك تقول إن جسم أية مادة يميل إلى أن يكون مستقرا باتخاذه الشكل الذي يضمن وجود اقل مايمكن من الطاقة السطحية لذا تجد إن أطلاق آية كمية من سائل معين يؤدي بها إلى آن تتخذ شكلا كرويا ( الكرة لها اقل مساحة سطحية لحجم ثابت عند مقارنتها بأي شكل هندسي آخر ) , وخير دليل شكل الكواكب والمجرات بعد برودتها واستقراها على شكلها النهائي بعد الانفجار الكوني العظيم .
هذه المقدمة الفيزيائية لم اسمعها من أصحاب نظرية الفوضى الخلاقة ولكنني اعتقد أنهم يميلون إلى تطبيق هذا المفهوم على الشعوب المأخوذة بالخرافة والغيبيات بحيث يحتاج إخراجها إلى عالم الواقع مئات من السنين ولنا في ذلك إن الأوربيين احتاجوا إلى أكثر من خمسمائة عام بينما الأمريكان اختصروا المدة إلى مائتي عام قبل إن تقتنع مجتمعاتهم بالنظام السياسي الحالي سواء في أوربا أو في الولايات المتحدة مع فارق الاختلافات الثقافية الخاصة بكل مجتمع … واعتقد أيضا إن أصحاب هذه النظرية يؤمنون بأن مجتمع الشرق الأوسط بشكل عام والمجتمع العراقي بشكل خاص يحتاج إلى انفجار اجتماعي هائل تطلق معه كل قوى الشر شرورها وتطفح كل القوى الفاسدة إلى السطح ضمن اتفاق غير معلن بين هذه القوى الشريرة التي يزداد طموحها بشكل مضطرد إلى أن يصل الأمر بها الاصطدام مع بعضها بعد أن يأخذها الطموح الجارف نحو أعلى مراحل السلطة بعد أن تتشبع بالمال الوفير وتتعالى عن إمكانية القبول بالسلطة على حي سكني فقير أو مدينة معينة , إذن هذه الحالة لها مايشبهها في العراق لذا كان لزاما أن نتساءل عن هذا الفوضى وهل ستؤدي إلى مايخطط له منظريها .
أصبح تداول مصطلح (الفوضى الخلاقة) يقترن بانتقاد السياسة الأمريكية، وتحديداً مشروع الشرق الأوسط الكبير للازمة الراهنة في لبنان وفلسطين والعراق. لكن الأمريكان من جانبهم يرون مستقبلاً متفائلاً بتحول المنطقة إلى الديمقراطية، ويدافعون عن وجهة نظرهم أن منح الحرية الكاملة لشعب لا يعد عيباً، أو أمراً كريهاً كما يروج أعدائهم الذين يرون أن حاجة شعوب المنطقة إلى الاستقرار، والأمن يتقدم على حاجتهم إلى مفاهيم الحرية وحقوق الإنسان، وهم يسعون إلى الحفاظ على أنظمة دكتاتورية تحافظ على الأمن الداخلي بواسطة القمع والترهيب، وهم (أنصار الدكتاتورية) يحاولون ردع الولايات المتحدة بالقول أن أوضاع المنطقة العربية لا تترك مجالاً آخر للاختيار بين الفوضى الشاملة وضياع الأمن، أو صعود الإسلام السياسي إلى السلطة، لكن رأي الولايات المتحدة جاء حاسماً على لسان كوندليزا رايس ((إن الوضع الحالي ليس مستقراً, وان الفوضى التي تفرزها عملية التحول الديمقراطي هي نوعاً من الفوضى الخلاقة التي تنتج في النهاية نظاماً أفضل مبادئه الأساسية الحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية)). وهنا قد خالف المحافظون الجدد مبادئ الثورة الفرنسية التقليدية القائمة على الحرية والعدالة والمساواة فأوجدوا الحرية الفوضوية، والتي يعتقدون فيها إن الإنسان الذي أمضى مرحلة تاريخية طويلة من القمع والقهر, هو بحاجة ماسة إلى حرية منفلتة تُخرج إلى ارض الواقع كل إفرازات وسموم المجتمع المدفونة بواسطة القمع, إلى إن يستقر الحال به. حتى يجد إن الاستقرار والأمن والنزاهة واحترام القانون هي الخيار الأفضل لديمومة تعايش سلمي وبناء مستقبل أفضل.
البعض يقول: ما شأني بهذه السموم والأحقاد وحب السلطة والمال والشهوات؟ إنني بطبيعتي احترم القانون وأميل إلى ردع نزواتي الإنسانية لحب السلطة وحب المال. ربما هو على حق، لكن الوصول إلى النظام الأفضل يتطلب التضحية من قبل القلة القليلة من الأسوياء في المجتمع, لكن القول الأرجح، إن الجميع يزعم انه يحترم المبادئ السامية هذه، لكن التاريخ اثبت عكس ذلك, لذا فعلينا جميعاً إن نصنع نظاماً يحتمل تعايش جميع المتناقضات ضمن قناعة أنتجتها تجربتها المريرة في مجتمع (الفوضى الخلاقة). وهذا بحد ذاته سباحة ضد تيار عارم يسود مجتمع الشرق الأوسط الذي يستمع فقط إلى الاسطوانة المكررة نفسها ، فترى وعاظ السلاطين في المنطقة يحاربون بها على كل الجبهات، فيلصقون أي فكرة بمفكر يهودي، فتراهم هذه المرة ينسبون (الفوضى الخلاقة) إلى (ناتان شارنسكي) وهو مهاجر من روسيا ثم أصبح وزيراً في عهد (شارون) وله كتاب عنوانه (قضية الديمقراطية)، إذ يؤكدون على إعجاب الرئيس جورج بوش بهذا المهاجر الروسي فيربطون بين أطروحات بوش الداعية إلى استئصال الإرهاب من منابعه، والتي حسب رأيه لا تتم إلا من خلال إسقاط الأنظمة المستبدة التي تنشر ثقافة الكراهية للغرب، وهم أيضاً يروجون من ان الإدارة الأمريكية مخلصة لرأي (هانتغتون) وهو (ان الإسلام عدو حضاري للغرب) ويرون أيضاً ان الفوضى الخلاقة ستولد (سايكس بيكو) جديدة في المنطقة وظهور هيمنة للقوى العظمى الوحيدة على سياسات وثروات المنطقة.
في هذا المنعطف التاريخي, وإذا أجيز لنا اعتباره بداية تطبيق هذه النظرية نجد أنفسنا، أي العراقيين، وبعد زوال النظام الأكثر استبداداً, قد اجتزنا مراحلها الأكثر دموية وطائفيتها المقيتة، وكل إفرازات مجتمعنا، متمثلة بأفرادها المندفعين بقوه نحو السلطة والمال والتقدم نحو الواجهة الاجتماعية، أجد فيما إذا صدقت الفكرة إننا على أعتاب مرحلة مفصلية في تنظيم عقدنا الاجتماعي الخاص بنا بصفتنا مواطنين عراقيين، مع الاعتراف ان هذه الأفكار قد تبدو هذياناً سياسياً في مجتمع يقوده زعماء يمارسون ويقولون بالقيم الأفلاطونية القديمة (المدينة التي تقوم على الحرية هي تمثل حكم الدهماء) وان اجتماع الناس في هذه المدينة جاء عرضياً ولا يربطهم أي رابط قيمي معروف……. &

&.  عن الحوار المتمدن…


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى