عامة

المجتمع العراق و سوسيولوجيا البداوة 1-2

المجتمع العراق و سوسيولوجيا البداوة 1-2

د. فالح عبد الجبار

2005 / 8 / 22

المجتمع العراق و سوسيولوجيا البداوة 1-2
بين علي الوردي و ابن خلدون
دراسة مقار نة
“الاوطان الكثيرة القبائل قلّ ان تستحكم فيها دولة”
“الرياسة في اهل العصبية”
ابن خلدون

I

تخرج البداوة، عالميا، من التاريخ كله، فهي في رحلة افول اكيدة. مع ذلك فان تاريخ البداوة في العراق يطرق الابواب بشدٌة مذكرا ايانا بما ألفناه في بطون الكتب من تلازم غابر بين التلاحم القرابي والتسيٌد، او بوجيزة العبارة، القانون الخلدوني القائل: ان الرياسة في اهل العصبية.
لقد حاول سوسيولوجي عراقي، منذ نصف قرن تقريبا، وعلى مدى عقدين ونيف ان يعيد للقاعدة الخلدونية بعض حضورها، نعني به الدكتور علي الوردي، في كتابه الاساس: “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث”. في هذه الاطلالة مسعى لرؤية المقاربات والمباعدات في سوسيولوجيا الماضي وسوسيولوجيا الحاضر، ونقاط تقاطعهما.

II

يقول الوردي انه يتبنى في مقاربته المجتمع العراقي نقطة انطلاق خلدونية: صراع البداوة والحضارة.
ان هذا الصراع يمتد عنده، في الماضي، الى اقصاه. أي انه وجد منذ ان ظهر الاثنان في الخليقة. فالصحراء، حسب قوله، تنتج البداوة، والبقاع الخصيبة تنتج الحضارة، وهما في صراع متصل منذ ان ظهرا الى الوجود حتى هذه اللحظة(1). لكن دورة الصراع الخلدوني المستديمة تنفتح عند علي الوردي، على هيمنة احادية: سيادة روح البداوة وانتقالها حتى الى المدينة. بتعبير آخر ان الوردي يوقف ابن خلدون على رأسه، لأسباب جد وجيهة سنراها لاحقا. ان الدورة الخلدونية، كما نتذكر، دورة مغلقة، بل محددة الآماد سلفا.

III

تبدأ الدورة باستيلاء الجماعة البدوية المتلاحمة بأشكال الولاء القرابي (العصبية)، على الملك (المدينة، او الحاضرة). لا تملك المدينة ردا لهذا الاختراق من قطبها المضاد بالعنف. فالسلاح، والشجاعة، والتماسك، عناصر لا تنتمي اليها بحكم استقرارها واسلوب معاشها بالذات. لكن المدينة تنتصر على البدوي بأن تزيل عنه صبغته البدوية وتجعله واحدا منها. وبذا تزيل عنه مكامن قوته. انها تستخدم سلاحها الخفي: الثروة، نعيم العيش. وبازالة انياب العصبية، تنزل المدينة عقابها بالبدوي وتفتح طريق دماره كحاكم. وتبدأ دورة جديدة.
في هذه العلاقة تبدوة المدينة اضعف من غريمتها (البادية)، في تنظيم العنف، ولكنها اقوى في تنظيم انتاج الثروة والرفاه. ويحارب كل طرف بأدواته المتاحة.

IV

ان التضاد بين البداوة والحضارة، عند ابن خلدون، يشمل القيم، واشكال التنظيم، والانتاج، والخصال السيكولوجية، والاخلاقية، انهما عالمان متعاكسان.

البدو
– اقرب الى الخير
– اقرب الى الشجاعة
– الكل مسلح
– الكل مسؤول عن المدافعة عن المال
– الشجاعة
– طلقاء بلا اسوار
– الردع بالاقناع
– سطوة الرياسة من وقار الكبار
– الشجاعة والبأس سجايا شاملة

الحضر
– ابعد عن الخير
– ابعد عن الشجاعة
– الكل اعزل (عسكر الحاكم مسلح)
– اوكلوا الى الحاكم المدافعة عن المال والنفس
– يحتمون بالاسوار
– الاخافة
– الردع في المدينة بالعنف
– سطوة الحاكم بالاخافة
– الاخافة تكسر بأس اهل الحضر(2)

IV

ان تضاد البداوة والحضارة الخلدوني، في حركة دائبة. البداوة تمثل الفاعل/المنفعل. انها تستولي على الحاضرة، لأن ثراء هذه الاخيرة مغر، لأنها لا تستطيع مقاومة هذا الاغراء، وتسقط في فخه. ان عصبية البداوة توصل الى الملك، والملك الى الترف، والترف الى ضياع العصبية، وبالتالي ضياع الملك.
تدوم هذه الدورة 3 اجيال، وعمر كل جيل 40 عاما، فيكون عمر الملك 120 عاما.
ويلاحظ ابن خلدون ان “الاوطان الكثيرة القبائل قلٌ ان تستحكم فيها دولة. انظر ما وقع من ذلك بافريقية والمغرب منذ اول الاسلام ولهذا العهد…” اشارة الى ما فيها من “كثرة العصائب والقبائل”. ويضيف “ولم يكن العراق لذلك العهد بتلك الصفة، ولا الشام، انما كانت حاميتها من فارس والروم والكافة دهماء اهل مدن وامصار.”(3)

V

لماذا امتازت المنطقة العربية الممتدة من شمال افريقيا الى المشرق الى الجزيرة، بتجدد الصراع الدوري، المندغم بالطهرية الدينية، والمندفع من البادية الى الحواضر؟
حاولت السوسيولوجيا المعاصرة الاجابة عن هذا السؤال انطلاقا من ابن خلدون واستكمالا له: اختلال التوازن بين الدائرة الزراعية agriculturism والدائرة الرعوية pastoralism، لصالح هذه الاخيرة(4). ان هذا القول المجرد قد يلوح اقرب الى المنطقة المعتمة. معروف ان نمط العيش الرعوي ينمي، بحكم طبيعته بالذات، الملكات العسكرية الاساسية في ذلك العهد اللاتكنولوجي: سرعة الحركة، وخفة الانتقال، وايضا القدرة على الهرب، سواء لتفادي القتال تماما، ام لتجنب خوضه في نقطة غير مواتية. ان الرعوي لا يحتاج الى انتاج وسائط الحرب هذه فهي جزء من حياته. وهو لا يعيش محتميا باسوار الدعة والطمأنينة، بل يحمل سلاحه في الحل والترحال.
” ولا وجود لنبلاء مختصين بالفنون العسكرية [كما في اوربا الاقطاعية]… الكل [البدو الرحل] يحمل السلاح. ولا وجود لقوة ميليشيا اخرى تستطيع انتزاع السلاح منهم… وان كان لديهم زعماء، فان هؤلاء الزعماء اما عاجزون عن نزع سلاح القبيلة او لا يبدون رغبة كهذه”(5)
ويرى جيلنر صاحب المقتبس السابق ان طغيان البداوة في شمال افريقيا وغيابها في اوربا على السواحل المقابلة يرجع الى تباين الوزن النسبي للاقتصاد الرعوي والاقتصاد الزراعي في المجتمعين.
من هنا سيادة “الحل القبلي” في هذا الجانب وسيادة “الخيار الاقطاعي” في الجانب الآخر، كوسيلة لتنظيم القوة الحربية.
ان تنظيم القوة للسيطرة العسكرية على المجتمعات الزراعية المستقرة أيسر. فالقطعان متحركة اما الحقول فلا!
ان القبائل البدوية التي تعتمد قواها العسكرية على مساهمة الذكور الراشدين، تتميز عمليا بأعلى نسبة من المساهمة الحربية من بين سائر الجماعات، وهي بهذا المعنى تجمع حربي.
ويرى جيلنر ان الشرط الاول للحياة الحربية هو القدرة على الحركة، او بتعبير ادق القدرة على الفرار. وهنا تبرز الحركية العالية للقبائل الرعوية. فهي قادرة على الفرار باستخدام ثروتها نفسها (الابل، الخيل، المتاع الخفيف) . وهي تنمي شروط استمرارها بتطوير فن الاغارة على قطعان المواشي، المتنقلة، والتكاثر طبيعيا.(6)
ان مصادرة قوة البدو كجماعة حربية، تنضاف اليها قوة التلاحم الناجمة عن روابط الدم. الحضارة (= العمران الخلدوني) تبدو مستحيلة في العهد الزراعي، من دون سلطة مركزية (الملك). والملك من دون العصبية، الناظمة للقوة القسرية (العنف المنظم القادر على الامساك بزمام الملك) شبه محال. بهذا المعنى تبدو البداوة ليس فقط نقطة انطلاق الحضارة (تحول البدو الى الاستقرار) بل شرط اساسي لاستمرارها، مثلما ان الحضارة شرط مسبق لانهيار اللحمة القرابية، أي تفكك العصبية الخلدونية.
“ان جوهر سوسيولوجيا ابن خلدون، جوهر رؤيته للشرط الاجتماعي للانسان هو هذا: ان الشروط المسبقة اللازمة لنشوء الحضارة تتعارض بالكامل مع الشروط المسبقة اللازمة للتضامن القبلي”.(7)
ان تعايش القبائل والمدن ظل مستمرا في العصر الزراعي في توازن مضطرب، عجزت خلاله المدن عن السيطرة على البوادي. وكان الثبات النسبي لهذه العلاقة مصدر الاعتقاد الخلدوني بأنه ازاء ظاهرة ازلية لا فكاك منها ولا خروج.
الواقع ان الدولة العثمانية كانت اول خرق، في العصر الاسلامي/الزراعي، للقانون الخلدوني، خرق للقانون الاساسي لدورة الملك.
لقد اندفع العثمانيون، قبائل بدوية، رعوية، ملتحمة باواصر العصبية وفقا لكل مقتضيات ومتطلبات التحليل الخلدوني. واستولوا على الملك، في الجيل الاول. وقام الجيل الثاني، كما في النموذج الخلدوني، بالانفراد بالملك.
ولكن خلافا للحسابات الخلدونية دامت سلطة آل عثمان قرابة 4 اضعاف الاجيال الثلاثة (120 عاما) التي وضعها السوسيولوجي العربي الاول تخوما تحفها الهاوية ولم تسقط على يد البوادي، بل على يد قوة صناعية عاتية (اوربا). فيا للعقوق العثماني!
ما سرٌ هذا العقوق. لن نجد الجواب في المؤسسة العسكرية. فالعثمانيون، مثل غيرهم، جاءوا قبائل رعوية (محاربة) على غرار ما فعل العرب المسلمون الاوائل، وكما فعل العباسيون من بعدهم، او البويهيون فالسلاجقة.
وما ان استتب الملك وحصل الانفراد به، حتى اصبح لزاما فصل الارستقراطية العسكرية عن القبيلة، عن نظام القرابة الذي يحٌف بالسلطان، أي انشاء جهاز عسكري من العبيد، بما في ذلك من غير المسلمين. ان جهاز العنف هذا غريب عن قبيلة الحاكم، وعن المجتمع، وهو يدين بوجوده لشاريه.
سبق لمثل هذا الترتيب ان حصل في العهد العباسي: انشاء جيش من الترك وفصله عن السكان. بيد ان الدولة العباسية سقطت للديلم بعد فترة، كما يقول ابن خلدون نفسه(8) ، ولم يحصل الشيء ذاته للعثمانيين، رغم ان البوادي، والقبائل البدوية استمرت في الوجود على سابق عهده.

VII

ان علي الوردي يأتي الى لمس مشكلة البداوة في هذه الحقبة التي خرقت القاعدة الخلدونية.
ان الصراع بين البداوة والحضارة بمعناه القيمي والعسكري، لم ينقطع بالطبع، اذا اخذنا الامور بمعنى غارات القبائل المستمرة على الحواضر، بما في ذلك بغداد، والتمردات القبلية المتصلة، عدا عن النفوذ الحربي الفعلي للقبائل، مما جعل التجارة شبه مستحيلة ، وهي مقياس هام للتوازان بين المدينة والارياف.(9)
ولكن هذه الامثلة لا تعدو عن فورات موضعية، “زوبعة في فنجان” ان صح القول، فما من واحدة منها استطاعت ان تهدد سلطة المركز، ناهيك عن ان تقلبه، كما حصل ايام ابن خلدون. مردٌ ذلك ان الدولة العثمانية دشنت عهد البارود. لقد قلب المدفع العلاقة بين الحاضرة والبادية، واوقف سير الدائرة الخلدونية، مثلما ان هذا المدفع غيٌر العلاقة بين المدينة وقلاع النبلاء في اوربا.
مفهوم الوردي لتضاد الحضارة/البداوة لا يشبه، على هذا، التقابل القطبي الخلدوني، بل هو عكسه تماما. ان البداوة هنا عند الوردي هي نظم قيم واشكال تنظيم، تطغى على المجتمع، وتنتقل الى المدن، لا لتنحل فيها، بل لتدوم في صورة: ثأر، وغزو، ودخالة، وغسل عار والانغلاق في عصبية محلية (المدينة، الطائفة، المحلة).
ان الوردي يعيد انتاج صراع البداوة/الحضارة الخلدوني بصورة تناشز اجتماعي بين حضارة حديثة، وحضارة تقليدية لكن هذا التناشز لم يعد، حسب رأيه هو، نتاج انقسام المجتمع الى بدو وحضر، بل ثمرة احتكاك المجتمع كله بالحضارة الغربية. (10)
كان المجتمع الخلدوني يقف في المركز، ليس وراءه سوى التوحش السايق للعمران، وليس امامه سوى صورته الذاتية.
اما المجتمع الجديد الذي يعيد الوردي انتاجه خلدونيا، فيقف حائرا بين حضارته الذاتية، التقليدية، التي تتمزق وحضارة الآخر، الحديثة، التي تخترق الاسوار.
معالجة هذا المركب الفريد تمت بقران منهجي جمع فيه الوردي مفاهيم علم الاجتماع الخلدوني، بمفاهيم علم الاجتماع الحديث الغربي، وبالتحديد علم النفس الاجتماعي ونظرية التحديث(11) .
_____

(1)علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، دار كوفان، الجزء الاول، ص 298.
(2)ابن خلدون، المقدمة، القاهرة، دار الشعب (بلا تاريخ)، ص 33 و111 -114-، ومواضع اخرى
(3) ابن خلدون، المرجع نفسه، ص 147.
(4) ابرز المهتمين هو ارنست جيلنر ، في كتابه الموسوم 1981 Muslim Society Cambridge
(5) ارنست جيلنر، المرجع نفسه، ص 20
(6) يقال ان المماليك في مصر كا نو ايحملون، في الحرب، المجوهرات تحت دروعهم تحسبا لعواقب اية هزيمة. فالمصوغات هي احتياطي نقدي متنقل يتيح بدء مشروع الاستيلاء على السلطة مجددا بالسيف والذهب، أي بدء المغامرة.

(7) جيلنر، المرجع نفسه، ص 88.
(8) “ذهاب العصبية اضعف ملك بني العباس” ولم يعد نفوذهم “يعدو اعمال بغداد” حتى زحف اليها الديلم وملكوها” ابن خلدون، (9)المقدمة، ص 140.
(10) يذكر الوردي حالات لا حصر لها. فلا توجد سيرة لوالي جديد من ولاة بغداد دون ان تكون مقترنة بعدة حملات على بعض القبائل العاصية.
(11) يستخدم الوردي تعبير “بيئة محلية” من باب الاحتراسات، وهي كثيرة عنده……. &

&.  عن الحوار المتمدن….. َ


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى