اللجان

المركزي و اللامركزي في النظام السياسي

جريدة المدى | Almada Newspaper

المركزي و اللامركزي في النظام السياسي

 

 آراء وأفكار 2022/11/12 11:21:45 م

المركزي و اللامركزي في النظام السياسي

إسماعيل نوري الربيعي

للسلطة التشريعية مكانتها المهمة في تمييز مفاصل الحكم الرشيد، وتكمن تلك الأهمية في جملة الأدوار التي تمارسها في صلب الواقع. فهي السلطة المستقلة القادرة على تعزيز مسار الشفافية، انطلاقا من قدرتها على مواجهة و مساءلة السلطة التنفيذية.

والعمل على رسم معالم البرامج والتشريعات والقوانين، مما يساهم في تحديد ملامح النظام السياسي، انطلاقا من ترصد مدى فاعلية هذه السلطة والنفوذ الذي تتحصل عليه، وقدرتها الحقيقية في صياغة الواقع. و لا يخرج الأمر عن تفاعل هذه السلطة مع المكونات الاجتماعية، باعتبار أن النواب هم الممثلون لمختلف الفئات الشعبية. إلا أن إشارة كهذه تبقى تدور في فلك الصورة النموذجية و المأمولة، فيما تشير المزيد من التجارب إلى أحوال الخضوع و التبعية لهذه السلطة إلى سلطة الحاكم المباشرة، والعمل على تنفيذ رغباته ورؤاه، أو الخضوع لمصالح الكتل الحزبية و المصالح والتحالفات الفرعية، الساعية نحو السيطرة على صناعة القرار. على صعيد آخر تتبدى أهمية أجهزة الحكم المحلي في الإدارة المدنية، تلك الأجهزة التي تفسح المجال واسعا أمام ممارسة اللامركزية في الحكم (Decentralization). حيث التطلع نحو توسيع مساهمة الإدارات الفرعية في ممارسة دورها بطريقة مباشرة، و انطلاقا من الاتصال المباشر بالتفاصيل التي يفرزها الواقع. باعتبار المساهمة الشعبية الواسعة من قبل المجتمع، والعمل على معالجة القضايا المباشرة التي تمس حياتهم و مشغلاتهم اليومية. والقدرة على تمييز المفاصل و الخصوصيات التي تميز البيئة المحلية، والوعي المباشر بها، وبالتالي انعكاس هذا الأمر على الكفاءة و القدرة في معالجة المزيد من القضايا.انطلاقا من اختصار المزيد من الحلقات الإدارية والإجرائية والجهود والوقت والأموال.

قيمة اللامركزية تنبثق من توزيع السلطة على مختلف المستويات والهيئات و الأجهزة، إدارية كانت أم سياسية. وتفكيك محتوى البناء الصلد الذي تقوم عليه، عبر المسعى نحو نقل سلطة القرار من الأعلى إلى الأدنى، والعمل على جعل صناعة القرار، باعتباره عملية مشاركة يقوم عليها الجميع، من دون احتكار لطرف على حساب الاخر. وصف المشاركة لا يقوم على فعالية التزاحم حول صناعة القرار، بقدر ما يقوم على الأخذ بنظر الاعتبار توجه السلطة المركزية نحو منح الصلاحيات إلى الإدارات المحلية، من أجل الاضطلاع بتولي مسؤولياتها من خلال التفويض. . اللامركزية لا تعني فك علاقة الارتباط بالسلطة المركزية، بقدر ما تقوم على توسيع مجال المشاركة للمزيد من الهيئات والأجهزة، سعيا نحو الوصول إلى إدارة و حكومة تؤدي دورها بكفاءة ونزاهة وشفافية. والواقع أن سمة اللا مركزية يمكن استبيان ملامحها من خلال المحددات التي تتمثل في ؛ ( كم القرارات الصادرة عن السلطة الفرعية، نوع القرار واهميته، التنوع في المسؤوليات، تخفيض مستوى رقابة السلطة المركزية على السلطة الفرعية). إنها الفسحة الممنوحة من قبل السلطة المركزية إلى الهيئات والمؤسسات الفرعية، و دعمها وحثها على صناعة القرار بروح الحرية المسؤولة.

الحديث عن اللامركزية لا يعني سحب البساط من المركزية وانفاء دورها، بقدر ما يقوم الأمر على المرونة والتوافق بين النموذجين، حيث التطلع غلى ترسيم معالم العلاقة بين النموذجين أنطلاقا من مفهوم التفويض وتوسيع الصلاحيات للمستويات الإدارية المحلية والفرعية، بغية توسيع مصادر صناعة القرار، اعتمادا على توسيع القاعدة. و بالتالي الحصول على خيارات وبدائل تساهم و بطريقة مباشرة في تدعيم المشاركة وتفعيل دور الكفاءات المختلفة، من خلال الإفادة من جميع الجهود، من دون الوقوع في دوامة التمييز المستند إلى الوجاهة السياسية أو المنصب الإداري. بعيدا عن الاحتكار والهيمنة التقليدية على صناعة القرار.

تتمثل اللامركزية في العديد من النماذج، لعل الأبرز منها ؛ مجالس الإدارة المحلية، تلك التي تقوم على انتخاب أعضاء المجلس من الأقاليم التي تشكل الدولة، والعمل على منحها الموازنة المالية التي تؤهلها لتنمية الإقليم. و الصلاحيات الإدارية التي تخول لها سلطة القرار والتنظيم لشؤون الإقليم. أما نموذج الاتحاد الفدرالي، فإنه يقوم على اتحاد مجموعة من الحكومات أو الولايات، والتي يكون لها سلطاتها وقوانينها و إدارتها، و مجالس التشريع والتنفيذ والقضاء الخاص بها. إلا أنها ترتتبط بالحكومة المركزية على الصعيد الستوري، لتشكل اتحادا فدراليا. ذلك النموذج يمكن ترصده في الولايات المتحدة الأمريكية والهند والبرازيل و سويسرا.فيما يقوم نموذج اللامركزية الوظيفية على تجاوز العلاقات البيروقراطية والعلم على توطيد اواصر العلاقة بين الرئيس والمرؤوس، وتوسيع نطاق المسؤولية للمرؤوسين عبر حفزهم للمساهمة في صناعة القرار الإداري، لاسيما و أن إيقاع العمل بات يعيش حالة من التداخل و السرعة والتغير والتبدل. ومن هذا راحت الإدارة العليا تغذ الخطى نحو الإفادة القصوى من الهيكل الإداري المتوفر لديها، و على مختلف المستويات والاجراءات، لا سيما على صعيد مواجهة عنصر الوقت و تنوع المهمات و توسع المسؤوليات و الأعمال.

وتبقى قيمة اللامركزية في توفير مناخ المرونة، بوصفها الوسلة الناجعة لاحتكار السلطة، و تفتح الآفاق نحو المساهمة الواسعة من قبل الفئات الاجتماعية، و بما يتوافق و مصالحها و آمالها، باعتبار أن القرار التشاركي يأخذ بنظر الاعتبار التنوع والتعدد. إنها الوسيلة التي تدعم مفهوم الولاء والانتماء إلى الوطن، باعتبار الشعور بالأهمية و الحضور الفاعل في صناعة القرار، من دون إقصاء أو تهميش. وهي الطريقة التي تساهم بنجاعة في تفعيل مسارات الإدارة، و على مختلف المستويات، إن كان على صعيد تنسيق الجهود بين الرئيس و المرؤوس، أو الإفادة القصوى من الكادر الإداري وتدعيم الهيكل التنظيمي، وما يمكن أن ينعكس على مناخ العمل، عبر الكفاءة والسرعة و الإنجاز. و على الرغم من المزايا التي تقوم عليها اللامركزية، إلا أنها لا تخلو من بعض الهنات، تلك التي تتمثل في طريقة المواجهة بين المركز و الإقليم أو الإدارة المحلية لا سيما على صعيد الوعي بالصلاحيات، أو ظهور التقاطع في المسؤوليات، بل أن البعض من التجارب راحت تشير إلى أحوال التقاطع مع المركز، والتطلع نحو تقديم مصالح الإقليم، تلك التي تتمثل في محاولة المبالغة في إبراز الدور الذي تلعبه الإدارة المحلية، او تنامي البعض من حالات التجاوز المالي. مما يستدعي الإعتماد على نظام رقابي مالي و إداري شفاف و نزيه و حازم.

الحديث عن اللامركزية لا يعني الركون إلى أنها الوصفة الجاهزة، التي يتم من خلالها معالجة المشكلات العالقة. بقدر ما هي وسيلة يمكن التعاطي معها، وفقا لمعطيات الواقع. فعلى صعيد الدولة أم الإدارات المحلية يكون الارتباط وفقا للخبرة والكفاءة المتوافرة، مع أهمية توافر التقويم والتدريب والتأهيل والتمويل. مع التأكيد على أهمية الارتباط بالمركز. إنها المعطى المرن الذي يقوم على فكرة المشاركة وتوسيعها بغية التطلع نحو تحقيق التنمية، لا بوصفها أداة قطع و إنهاء علاقة..

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى