الاقتصادية

المطالبة باصلاح صندوق النقد الدولي حق مشروع للبلدان النامية

المطالبة باصلاح صندوق النقد الدولي حق مشروع للبلدان النامية

المطالبة باصلاح صندوق النقد الدولي حق مشروع للبلدان النامية

عودت ناجي الحمداني

2012 / 12 / 16

من الثابت أن صندوق النقد الدولي تم أنشاؤه برغبة وارادة الدول الأحتكارية بدافع الهيمنة الأقتصادية على العالم النامي , وينضوي هذا التوجه في اطار الصراع الدولي الساخن في تلك الفترة بين النظامين الراسمالي والاشتراكي . والهدف الذي يتوخاه صندوق النقد الدولي من فرض سياساته على البلدان النامية المقترضة هو خلق الظروف الموضوعية لوضع مسارات الاقتصاديات النامية على طريق التوجه الرأسمالي وتعميق تبعيتها الاقتصادية والمالية والتكنولوجية للدول الراسمالية.
وقد ظهرت فكرة انشاء صندوق النقد الدولي استجابة لرغبة البلدان الراسمالية المتقدمة التي ارادت اعادة بناء اقتصاديات البلدان الغربية التي تدمرت في الحرب العالمية الثانية ومنع تكرار ازمة الكساد التضخمي التي اصابت النظام الراسمالي في الفترة بين عام1929و عام 1933. ولتحقيق هذا الغرض انعقد في الولايات المتحدة الامريكية عام 1944 مؤتمر بريتون وودز. وبتوقيع تسعة وعشرون دولة من بين اربعة واربعون دولة حضرت المؤتمر, اعلن عن ولادة صندوق النقد الدولي كوكالة مالية تابعة للامم المتحدة. وبعد عام واحد أي في العام 1945تم الاعلان عن تاسيس البنك الدولي للانشاء والتعمير التؤم لصندوق النقد الدولي.
ويعمل في صندوق النقد الدولي 2487 موظفا من بينهم 1866 خبيرا اقتصاديا من المنظرين لاقتصاد السوق واثنان وعشرون مكتبا وادارة. ويدير اعمال صندوق النقد الدولي في الخارج اكثر من عشرة الاف موظف ومئة مكتب. وتتركز السلطة الفعلية لصندوق النقد الدولي في مجلس المحافظين الذي يتولى تحديد السياسات الستراتيجية لصندوق النقد الدولي.اما مجلس المدراء التنفيذيين فياخذ على عاتقة القيام بالمهام التنفيذية.
ولاجل ضمان هيمنة الدول الاحتكارية الدائمة العضوية على سياسات صندوق النقد الدولي وتحقيق مصالحها يجري التصويت على القرارات المهمة في صندوق النقد الدولي بطريقة التصويت المرجح .
فلوائح صندوق النقد الدولي تحدد ان لكل دولة عضو في الصندوق 250 صوتا وتزداد نسبة الاصوات كلما تزداد حصة الدولة براسمال الصندوق. وحسب لوائح صندوق النقد ان لكل 100 الف دولار صوتا واحدا واصوات كل دولة تزداد وتقل حسب قدرتها المالية. فالدولة التي تستدين اموال نقدية بالدولار سوف تخسر صوتا واحدا مقابل كل 400 الف دولار والدولة الدائنة تربح صوتا واحدا عن قيمة كل 400 الف دولار. وبهذة الطريقة تستطيع الدول الاحتكارية الغنية ان تزيد ارصدتها التصويتية في صندوق النقد الدولي.
وبالنسبة الى اتخاذ القرارات: فان القرارات الستراتيجية في صندوق النقد الدولي تتخذ بطريقة التصويت المرجح وهي طريقة تتناقض مع مبدأ الديمقراطية. فالتصويت المرجح يعني ان الدول التي تملك حصصا اكثر في راسمال الصندوق هي التي تقرر. وبذلك تصبح الدول الاحتكارية الخمسة الدائمة العضوية في الصندوق وهي الولايات المتحدة الامريكية واليابان والمانيا والمملكة المتحدة وايطاليا التي تمتلك اكثرية الحصص في راسمال الصندوق تستحوذ على غالبية الاصوات . وبالتالي فهي التي تحدد سياسات صندوق النقد وتوجهاته. وبما ان الولايات المتحدة الامريكية تمتلك النسبة الاكبر 22,6% من حق التصويت في صندوق النقد الدولي فانها الدولة التي تتحكم في صندوق النقد الدولي. ولهذا فان صندوق النقد الدولي منذ نشأته وحتى الوقت الحاضر لم يتخذ قرارا واحدا مخالفا لتوجهات الولايات المتحدة الامريكية.
ولهذا اثارت نشاة صندوق النقد الدولي جدلا حادا عن الدور الذي يضطلع به في الاقتصاد العالمي .
فأصرار صندوق النقد الدولي على الزام البلدان المدينة في فرض المزيد من الضرائب والرسوم وزيادة الاسعار على السلع التموينية والخدمات اليومية والغاء كافة اشكال الدعم الحكومي الذي تقدمه الدولة لدعم قوت الشعب المسحوق , يرمي الى تعزيز قدرة البلدان المدينة على سداد الاقساط والفوائد المترتبة على مديونيتها الخارجية وليس الى تعزيز قدرة البلدان المدينة على الادخار لتمويل مشروعاتها التنموية.
لقد ادى الانفتاح على الغرب كتلبية لشروط صندوق النقد الدولي الى توفير بيئة خصبة وملائمة لقدوم رؤوس الاموال الطفيلية والشركات متعددة الجنسية اللاهثة وراء الربح واحتكار الاسواق والسيطرة على مناطق المواد الخام , وادى هذا التوجه الرأسمالي الى نشوء فئات طفيلية اندمجت مصالحها واهدافها مع مصالح واهداف الراسمال الاجنبي . وبذلك فمن مصلحتها اتخاذ المزيد من الاجراءات على الصعيدين السياسي والاقتصادي لدمج الاقتصاد القومي بالنظام الراسمالي . وعلى الرغم من اشتعال ازمة المديونية الخارجية للعالم الثالث واتخاذها ابعادا دولية فان صندوق النقد الدولي لم يبادر الى تقديم حلول ملموسة وشافية تخرج البلدان المدينة من وحل الازمة . وان الحلول التقليدية التي تقدم بها الصندوق كاعادة الجدولة والتغير الهيكلي تلقي بمزيد من الاعباء الثقيلة على كاهل البلدان الغارقة في وحل الازمة .
وبذلك اصبح صندوق النقد الدولي احد اركان سياسة الدول الاحتكارية الذي لعب دورا كبيرا في ادارة عملية الاقراض الخارجي التي ضمنت للدول الاحتكارية تشغيل بلايين الدولارات المتراكمة في خزائنها في البلدان النامية وبذلك حققت ارباحا خيالية ربما لا تقل اهمية عن حجم الارباح التي حققتها شركات البترول العابرة للقارات .
وقد اثبتت الوقائع خطل و زيف المساعدات الغربية التي لا تقدم لاي بلد الا بموجب اعتبارات سياسية واقتصادية تعزز من نفوذ ومصالح الدول الراسماليه الدائنة .

ومن تداعيات الانفتاح على النظام الرأسمالي انتقال عدوى الامراض الرأسمالية كالتضخم النقدي والكساد السلعي والبطالة والغلاء الفاحش والمضاربات الى البلدان النامية المنفتحه على الاقتصاد الراسمالي .وعلى الرغم من التغيرات الدراماتيكية التي شهدها العالم والمتمثلة في انتهاء الحرب الباردة وبروز القطب الواحد في قيادة العالم وظهور العولمة وغياب دور المنظومة الاشتراكية وخفوت حركة التحرر الوطني العالمية, فان صندوق النقد الدولي لم يغير من عقيدته في التعامل مع دول العالم الثالث . فقد واصل نهج الاستغلال وصنع الازمات لتحقيق المصالح الراسمالية.. ولم يتبنى آليات عمل و سياسات واقعية لتفكيك ازمة الديون الخارجية للبلدان النامية.
وعليه فأن البلدان النامية مطالبة بتشديد كفاحها وتعزيز وحدتها من اجل اصلاح آليات عمل صندوق النقد الدولي و المطالبة باتخاذ اجراءات ملموسه لتعزيز دوره في مكافحة الفقر والتخلف الاقتصادي والمساهمة في تمويل اقتصاديات قادرة على النمو والحياة ومن اجل ذلك نقترح بعض الافكار التي تساهم في تطوير عمل صندوق النقد الدولي ومنها:
ٍ1- ضرورة اجراء اصلاحات جوهرية في ميثاق صندوق النقد الدولي والغاء طريقة التصويت المرجع وتطبيق مبدا الديمقراطية في التصويت على القرارات.
2- الغاء مبدأ الزام الدول المدينة بتنفيذ شروط صندوق النقد الدولي عند طلب القروض او اعادة جدولة المديونية .
3- الاقرار بحق البلدان المقترضة في تطبيق النموذج الاقتصادي الذي تراه ملائماً لبيئتها الاقنصادية ويسهم في تطوير اقتصادها القومي .
4- تنسيق جهود صندوق النقد الدولي والبنك الدولي وباقي مؤسسات التمويل الدوليه الاخرى من اجل وضع حلول واقعية لاخراج البلدان النامية المدينة من ازمة الديون الخارجية .
5- اعفاء البلدان المدينة من الالتزامات الاضافية التي تترتب على اعادة جدولة المديونية .
6- شطب الديون الخارجية القائمة على المشروعات التي تعرضت للدمار والتخريب لاسباب وعوامل عسكرية اوطبيعية .
و نعتقد ان الاصلاح الاقتصادي في البلدان النامية ينبغي ان يحافظ على القطاع العام ويصونه بأعتباه ركيزة اساسية للتنمية المنشودة, فقد تعرضت مؤسسات القطاع العام في البلدان النامية المدينة الى ارهاق مالي وتدهور في الانتاجية نتيجة لتطبيق سياسة التحرير الاقتصادي ونتيجة للهجوم الشرس من قبل القوى الطفيلية التي تعمل على افساده في سبيل اجهاض دوره في العملية التنموية . ونرى من المناسب أن يتبنى الاصلاح الاقتصادي الاهتمام بالقطاع العام وفق الاسس الاتية :
1- الحفاظ على القطاع العام وصيانة مؤسساته واعتبار ذلك واجبا وطنيا , فالقطاع الخاص بشقيه المحلي والاجنبي لن يستثمر امواله الا في بعض القطاعات التي تحقق ربحا سريعا .

2-عدم المساس بالمكتسبات التي حققتها القوى العاملة في مؤسسات القطاع العام وعدم الرضوخ لشروط صندوق النقد الدولي التي تصادر هذه المكتسبات .
3- ترشيد الادارة الاقتصادية للقطاع العام في اطار التخطيط الاقتصادي والسياسي للقضاء على مظاهر البيروقراطية الادارية والفساد الاداري والمالي الذي يستغله الطفيليون لتخريب القطاع العام وتعطيل مساهمته في التطور الاقتصادي.
4- معالجة ارتفاع اسعار منتجات القطاع العام وخاصة السلع الاستهلاكية اليومية ,وعلى الدولة ان تتحمل فرق الاسعار لان ذلك يساهم في دعم القدرة الشرائية للفئات الفقيرة .
5- تشريع القوانين التي تنظم علاقات العمل في القطاعين العام والخاص وتحديد اجور العمل والرعاية الاجتماعية والصحية في القطاعين المذكورين.
ونرى من الحكمة ان تبادر البلدان النامية المدينة الى تأسيس نادي للمدينين لمواجهة نادي الدائنين في سبيل تنسيق جهودها الدولية والاعلان عن مطاليبها المشروعة في الغاء المديونية الخارجية وشطبها نهائياً, فالبلدان النامية قد سددت اضعاف ديون الخارجية بمرات عديدة وما زالت مدينة بالاف المليارات من الدولارات .*

*.  عن الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى