القانونية

انتقال حق التصرف في ضوء قرار المحكمة الاتحادية العليا (اعتلال التسبيب وصواب النتيجة)

انتقال حق التصرف في ضوء قرار المحكمة الاتحادية العليا (اعتلال التسبيب وصواب النتيجة)

سالم روضان الموسوي

2022 / 1 / 31
دراسات وابحاث قانونية

انتقال حق التصرف في ضوء قرار المحكمة الاتحادية العليا
اعتلال التسبيب وصواب النتيجة
أصدرت المحكمة الاتحادية العليا قرارها العدد 138/اتحادية/2021 في 27/12/2021 وقضت فيه برد دعوى المدعي الذي طلب الحكم بعدم دستورية المواد (1187ـ 1194) من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 المعدل، وهذه المواد تنظم عملية انتقال حق التصرف إلى ورثة صاحب هذا الحق عند وفاته واعتبرت الوفاة سبب من أسباب التملك، إلا إنها عالجت موضوع الانتقال بأحكام خاصة فيما يتعلق بالورثة الذين يحق لهم التملك على خلاف ما قررته الشريعة الإسلامية، لان في تلك المواد ما يحجب بعض الورثة الذين لهم حق الميراث الشرعي بموجب أحكام الشريعة الإسلامية ومثال ذلك في الإرث الشرعي الأب والأم يرثون السدس مما ترك الابن المتوفى وهذا فرضٌ قرره القرآن الكريم في الآية (11) من سورة النساء (ولأبويه لكل واحد منهما السدس)، بينما في انتقال حق التصرف فان الأب محجوب بأولاد المتوفى لان القانون جعل الأولاد درجة أولى والأب من الدرجة الثانية وعلى وفق ما ورد في المادة (1188) من القانون المدني وجعل الدرجة الأولى تحجب الدرجة الثانية وهكذا وعلى وفق ما ورد في المادة (1187) من القانون المدني، وهذا بلا شك خلاف ما عليه توزيع التركة (الإرث بموجب الشريعة الإسلامية) والمدعي في هذه الدعوى الدستورية قد طعن بعدم الدستورية لان تلك المواد يرى بانها تخالف ثوابت الشريعة الإسلامية وتخالف المواد (2/أولاً) من الدستور النافذ التي منعت سن قانون يتعارض مع ثوابت أحكام الإسلام لان دين الدولة الرسمي الإسلام، والمادة (13/ثانياً) التي منعت سن قانون يتعارض مع مبادئ الدستور النافذ، وحيث ان المواد المطعون فيها قد خالفت ما هو فرض في القرآن مثال ارث الأب لابنه وفي هذه المواد حجب الأب من الإرث، وكذلك في توزيع الحصص بين الورثة فان الشرع يقرر ان للذكر مثل حظ الأنثى في الآية (11) من سورة النساء، بينما في حق التصرف فان الذكر يرث مثل الأنثى وعلى وفق ما ورد في المادة (1188/1) من القانون المدني التي جاء فيها الاتي (الدرجة الأولى من أصحاب حق الانتقال هم فروع الميت من أولاد وأحفاد للذكر مثل حظ الأنثى) ، وبعد المرافعة قررت المحكمة رد دعوى المدعي لان المواد القانونية المطعون فيها لا تخالف الدستور النافذ ولا تخالف الأحكام الشرعية، وهذه النتيجة أرى انها تنسجم وحكم الدستور والمنطق القانوني، لكن لم يكن التسبيب للوصول إلى هذا الحكم منسجماً مع اصل الانتقال في حق التصرف ومع طبيعته الخاصة، ولم يوضح قرار الحكم لنا لماذا هذه المواد لا تخالف الشريعة الإسلامية؟ وإنما استند قرار الحكم محل البحث أسباب أخرى تدور في فلك النصوص النافذة، وهذه النصوص القانونية النافذة لا يمكن ان تكون سنداً شرعياً لتلك المواد، وإنما تضفي عليها الصبغة القانونية الملزمة عند التطبيق، وبما ان النصوص القانونية ليس بالضرورة تكون متفقة مع ثوابت أحكام الشريعة الإسلامية ومع ذلك تبقى سارية المفعول مثال ذلك ما كان عليه الحال في توزيع الإرث بموجب قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 المعدل عندما ساوى بالإرث بين الذكر والأنثى وعلى وفق ما ورد في المادة (74) التي تم تعديلها لاحقاً بموجب قانون التعديل رقم 11 لسنة 1963 والذي نفذ بتاريخ 8/2/1963، ومع ذلك بقى توزيع تركة المتوفى خلال فترة نفاذ تلك المادة يوزع للذكر مثل حظ الأنثى، فهذا النص لا يمكن ان نعتبره سنداً متفقاً مع الشريعة الإسلامية، لذلك كنا نعتقد ان المحكمة الاتحادية العليا ستبين لنا الأساس الشرعي والدستوري لإصدار مثل تلك النصوص بهذه الأحكام التي في ظاهرها مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية، لذلك سأعرض الأسباب التي اعتمدتها المحكمة الاتحادية العليا في قرارها أعلاه لرد الدعوى وجعلتها سنداً لها، ثم سأوضح السند الأساس لدستورية تلك النصوص القانونية التي كانت مصدراً لأحكام هذه المواد المطعون فيها وعلى وفق الاتي :
أولاً: الأسباب التي اعتمدتها المحكمة عند إصدارها الحكم وعلى وفق الاتي :
1. ان السبب الأول الذي اعتمدته المحكمة لرد الدعوى كان على وفق الاتي (ان ملكية الأرض المثقلة بحق التصرف ملكية رقبتها للدولة وان حق التصرف حق عيني ذو طبيعة خاصة وعلى وفق ما ورد في الصفحة (4) من قرار الحكم) وهذا التسبيب هو مجرد عرض لنصوص المواد القانونية دون ان توضح لنا وجه المطابقة وعدم المخالفة الدستورية بينها وبين المبادئ الشرعية التي تمسك بها المدعي واستند اليها والواردة في المواد (1 و13) من الدستور، وبقى امر التشكيك بالمخالفة قائماً.
2. المحكمة الاتحادية العليا في تسبيبها الثاني لرد الدعوى عرضت نصوص قانونية تتعلق بتصنيف الأراضي (الصفحة الخامسة من القرار) ولم يرد فيها توضيح عن المصدر الشرعي للمواد المطعون فيها والتي تمسك فيها المدعي بالمخالفة الدستورية.
3. في السبب الثالث عرضت المحكمة الاتحادية العليا القيود الواردة على حق التصرف مع ان الطعن ينصب على عدم مشروعية تلك المواد المطعون فيها، فاذا كانت تلك المواد غير دستورية فما الحاجة إلى القيود، وإنما كان العرض مجرد مقارنة بين حق التصرف وحق الملكية (الصفحة الخامسة من القرار)، بينما الطعن لا علاقة له بأصل الحق هل هو حق الملكية ام هو حق التصرف، وإنما الطعن تعلق بأسباب انتقاله إلى ورثة المتصرف بعد وفاته ويرى الطاعن ان تلك المواد التي تنظم الانتقال غير شرعية ومخالفة للشريعة الإسلامية.
4. السبب الرابع الذي اعتمدته المحكمة في رد الدعوى تعلق بموضوع الطعن بالمباشر لكن ما ورد فيه عرض للمواد المطعون فيها ودرجات الورثة والمحجوبون، دون بيان سبب مشروعيتها الدستورية (الصفحة السادسة من القرار)
5. أما السبب الخامس فإنها اعتبرت ان حق التصرف حق عيني ذو طبيعة خاصة فهو يرد على الأراضي التي تعود ملكيتها إلى الدولة وان الانتقال فيها بسبب الوفاة يكون بموجب أحكام خاصة وليس على وفق أحكام قانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 (الصفحة السادسة من القرار)، وهذا هو ما تمسك به المدعي بان هذه المواد المتعلقة بالانتقال فيها مخالفة للشريعة الإسلامية، لأنها حجبته من ان يكون وريثاً في حق التصرف، ويطلب ان يعد وريثاً على وفق أحكام الشريعة الإسلامية، إلا ان قرار المحكمة أعلاه لم يوضح لماذا هذه الطبيعة الخاصة التي جعلت من الانتقال بهذه الصورة التي تخالف الأحكام الشرعية كما يراها الطاعن، ولم يوضح مصدر هذه القواعد التي تبناها المشرع في القانون المدني، مما ابقى التشكيك في عدم شرعيتها قائم ومن ثم تشكل مخالفة لأحكام الشريعة الإسلامية ومخالفة دستورية للمبادئ الواردة في المواد (1 و13) من الدستور.
ثانياً: أساس مشروعية تلك المواد:
على الرغم من رد الدعوى وان نتيجتها صحيحة التحفظ يبقى قائماً على أسباب الرد التي لم يوضح قرار المحكمة أعلاه لماذا هذه النصوص لا تخالف الشريعة الإسلامية وتتفق مع المبادئ الدستورية بينما ظاهرها يتعلق بنقل حق التصرف إلى الورثة؟ وما اعتاد الجمهور ان يكون الانتقال بموجب القسام الشرعي أي الحجة التي تصدرها المحكمة لبيان الورثة ومقدار سهامهم ويعتمد على الأحكام الشرعية المقننة وغير المقننة، بينما انتقال حق التصرف يكون بموجب قسام نظامي لا يعتمد على الأحكام الشرعية وإنما أحكام قانونية صرفة لا علاقة لها بالتقسيم الشرعي، لذلك ولبيان مشروعية هذه المواد وتوضيح الصورة للجميع اعرض لمصدرها التاريخي وأسباب هذا التقسيم الذي لم يعتمد على الأحكام الشرعية عند الانتقال إلى الورثة وعلى وفق الاتي :
1. ان حق الانتقال وحق الإرث هما حقان متشابهان لتعلقهما بالتركة، إلا ان لكل واحد منهما نطاق يدور فيه، فان التوارث يتناول تقسيم التركة (الإرث) بكل تفاصيلها المنقولة وغير المنقولة والحقوق الأخرى التي لها قيمة مالية، بينما الانتقال فانه يقتصر على حق التصرف والواردة أحكامه في القانون المدني (1187- 1194) مدني وفي بعض القوانين الأخرى مثل قانون الإصلاح الزراعي رقم 117 لسنة 1970 المعدل، ويختلف عن التوارث بين المستحقين للإرث، لان بعض من يرث في القسام الشرعي يحجب عند انتقال حق التصرف بموجب القسام النظامي، اذا كان هناك ممن هم في الدرجة الأعلى الواردة في المادة (1188) مدني حتى لو كان من أصحاب الفروض مثل الأب والأم، كما يختلف من حيث مقدار الحصص الارثية ففي القسام النظامي لانتقال حق التصرف يكون للذكر مثل حظ الأنثى بالتساوي، بينما في القسام الشرعي للذكر مثل حظ الأنثيين.
2. هذه الاختلافات بين الإرث الشرعي والإرث في حق التصرف قد أثارت جدل ونقاش كبير في وقت صدورها في العراق، لان القانون المدني العراقي قد صدر عام 1951 وتضمن تلك الأحكام مما أثار حفيظة بعض الشخصيات القانونية والدينية في حينه، منهم من حاول ان يبرر صحة ومشروعية هذه الأحكام وآخرون طعنوا فيها مثلما حصل في الدعوى محل البحث، حيث انكروا عليها الصفة الشرعية والدستورية، ومن هؤلاء الدكتور محمد عبدالجواد محمد اذ اعتبر الأمر خروج على أحكام القرآن وهذا ما أشار اليه المرحوم مصطفى مجيد في كتابه الموسوم (شرح قانون التسجيل العقاري رقم 43 لسنة 1971 ـ ج2ـ ص341 ـ منشورات مطبعة المعارف في بغداد عام 1978) بينما وجد آخرون المبرر الشرعي لتلك المواد.
3. أما عن مصدرها التاريخي فهو نظام الأراضي العثمانية الصادر عام 1858م حيث سعت الدولة العثمانية من خلال إصدارها لقانون الأراضي اعلاه، إلى إحكام سيطرتها على الأرض، وتأكيد حقها فيها في وجه القوى المحلية وبقايا الإقطاع، وجعل التصرف بالأراضي من خلال قوانين محددة تضعها الدولة ويشير المختصون إلى ان الأراضي الاميرية هي الأراضي التي تعود ملكيتها لبيت المال، وتشمل (الأراضي الزراعية والمحاطب والمراعي والغابات، وما شابه ذلك من ذات النفع)، وكان يتصرف بها بإذن وتفويض من أصحاب (الزعامة والثيمار) وهذه مصطلحات تشير الى أنظمة إقطاعية فالزعامة يقصد بها تسليم احد الزعماء قطع أراضي فيتصرف بها كما يشاء، وكذلك الثيمار فانه الرئيس الذي تولى الإدارة بدلا من النظام العسكري الذي كان سائد في حينه، وأحيانا كان يستفاد من تلك الأراضي بإذن وتفويض من المحصلين والملتزمين، إلا أن هذا الحق ألغى وأصبح التصرف بها بإذن من مأمور الدولة، أي أن الدولة أصبحت الجهة الوحيدة المخولة بتحديد التصرف بهذه الأراضي، فتبيع منها ما تريد بموجب سند (طابو)، ثم صدرت قوانين لاحقة تبين كيفية التصرف بالأراضي الأميرية حيث ورد نص المادة (54) من نظام الأراضي العثمانية لعام 1858 الذي جاء فيه الاتي (ذا مات أحد المتصرفين أو المتصرفات بالأراضي الأميرية والموقوفة فتنتقل الأراضي التي تكون بعهدته إلى أولاده من الذكور والإناث بوجه المساواة مجاناً بلا بدل سواءً كانوا في المحل الذي توجد به الأراضي أوفي ديار أخرى وإذا كان ت أولاده ذكوراً أو إناثاً فقط فتنتقل إليهم كذلك مستقلاً بلا بدل وإذا مات أحد من متصرفي الأراضي وكانت زوجته حاملاً فتتوقف تلك الأراضي لحين ظهور الحمل) وهذا هو النص ذاته الوارد في المواد (1187- 1194) من القانون المدني والتي كانت محل للطعن في الدعوى أعلاه. واصبح القانون العثماني هو مصدر هذه المواد.
4. في حينه حصلت اعتراضات كما اشرث سلفاً لكن السلطان العثماني حسم الموضوع بعد ان استشار دار الإفتاء وهي المشيخة الدينية الرسمية للدولة العثمانية وكان على رأسها شيخ الإسلام أبو السعود وتضمنت الفتوى الاتي (بما ان للحكومة التصرف بالأراضي التي تعود رقبتها للدولة على أساس المصلحة لان تصرف الراعي منوط بالمصلحة، وبما ان حق التصرف هو منحة من الدولة إلى الأفراد فلها ان توزع الأرض على من تشاء بمقتضى المصلحة بعد وفاة المتصرف لان هذا الحق ليس بإرث شرعي ولا يتبع الأحكام الشرعية ولكون الأرض ليست بملك صرف) وهذا هو الأساس الشرعي لتلك النصوص في القانون العثماني وللاطلاع على المزيد مراجعة ( مصطفى مجيد ـ مرجع سابق ـ ج2 ص343) وقد خالف بعض الكتاب هذه الفتوى وطعنوا بالشيخ أبو السعود حيث ذكروا بانه سبق وان افتى بالجواز للسلطان سليمان القانوني أن يقتل ابنه البكر وولي عهده الأمير مصطفى، وفعلاً تم إعدامه في عام 1553م، وكذلك فتى بالجواز للسلطان سليم الثاني أن يقتل أخاه الأمير بايزيد بن سُليمان على أساس أنه متمرد، وبالفعل قاتل سليم أخاه بايزيد وهزمه في عام 1559م، نقلاً عن محمد عصام علي عبد الحفيظ عدوان في كتابه الموسوم (شيخ الإسلام أبو السعود أفندي ـ بحث منشور في مجلة جامعة القدس المفتوحة للأبحاث والدراسات – العدد الثاني والعشرون – شباط عام2011 صفحة 274)
ومن خلال ما تقدم فان الأساس الشرعي لوجود تلك النصوص يتمثل في أساس حق التصرف بانه ليس ملكية خاصة تنتقل بالإرث وإنما هي منحة من الدولة إلى الأشخاص وللدولة وولي الأمر (السلطان) أو الحاكم ان يوزعها كما يرغب ويريد وليس على وفق الأحكام الشرعية، وارى ان التسبيب لو كان على وفق ذلك لكان اقرب إلى الانسجام بين النتيجة والتسبيب واختصار لحيثيات الحكم، وتكون الصورة واضحة عن دستورية تلك النصوص المطعون فيها ومدى مطابقتها لاحكام الشريعة الإسلامية.
قاضٍ متقاعد…… *

*  عن الحوار المتمدن….. 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى