الفكر السياسي

تأملات / أديمقراطية وسط انتهاك حقوق الانسان !

تأملات / أديمقراطية وسط انتهاك حقوق الانسان !

تأملات / أديمقراطية وسط انتهاك حقوق الانسان !

رضا الظاهر

2011 / 4 / 18 – 

تأملات

أديمقراطية وسط انتهاك
حقوق الانسان !؟

من المثير للأسى أن الحكام “المتنفذين” مازالوا يصرون على حصار من يدعون الى دعمهم، ليدللوا، مرة أخرى، على قصر نظرهم واستهانتهم بالرأي الآخر المختلف وبحقائق الواقع.
ولعل آخر أمثلة هذا الحصار تطويق التعبير السلمي عن الرأي، وهو من حقوق الانسان الأساسية التي كفلها الدستور، عبر تحديد ثلاثة ملاعب لكرة القدم ومنع المحتجين من التظاهر في سواها من الساحات العامة، وأولها، بالطبع، ساحة التحرير التي تحولت الى رمز للاحتجاج.
ويحق لمنظمات مجتمع مدني وتجمع شباب شباط وسواه من التجمعات وسائر المحتجين والقوى التي تساندهم أن يعتبروا قرار قيادة عمليات بغداد بتحديد ملاعب كرة قدم للتظاهر شكلاً من أشكال الضغط على حرية التعبير ومحاولة لتحجيم التظاهرات وعزلها وبالتالي محاصرة تأثيراتها.
ويصعب تفسير عملية تكميم أفواه المحتجين، المطالبين باصلاح النظام، وحل الأزمة العميقة التي يعاني منها المجتمع على مختلف الصعد الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والثقافية والروحية، إلا بخوف مقرري حصر الاحتجاجات في ملاعب كرة قدم من عواقب هذه الاحتجاجات من ناحية، وغياب مصداقية وعود المتنفذين من ناحية ثانية.
لقد أثبت المتظاهرون ضلال اتهامهم بأنهم أدوات بيد البعث وخوارج وشراذم مأجورة، وبرهنوا بما لايقبل الشك، ومن خلال تمسكهم بالسلوك السلمي وطرحهم الشعارات الواقعية، على أنهم حريصون كل الحرص على العملية السياسية وحمايتها وإصلاحها وتطويرها.
والحق إن مسعى عزل الاحتجاجات ليس سوى تجلٍ واحد من تجليات انتهاك حقوق الانسان في بلادنا. ومن المثير للسخط أن العراق “الديمقراطي” يعد من بين الدول التي ترتكب انتهاكات واسعة لحقوق الانسان، مثلما هو من بين الدول الأكثر تراجعاً في أوضاع النساء، والدول الأكثر فساداً.
ولعل من بين الفضائح الأخيرة أن حكومة المحاصصات ظلت، حتى الآن، صامتة أمام ما ذكرته وثائق موقع ويكيليكس بشأن انتهاكات حقوق الانسان في العراق. ولم نسمع حتى اللحظة عن إجراء اتخذته وزارة حقوق الانسان في هذا الاطار. واكتفى مسؤولون عراقيون آخرون بالنفي دون تفنيد ما ذكرته وثائق ويكيليكس بالحجج والأدلة. كما أن “المحررين” من “بناة الديمقراطية النموذجية” في بلاد الرافدين، ممن كشفت الوثائق جرائمهم الشنيعة، لم يحركوا ساكناً.
ولا نظن أننا بحاجة الى العودة الى تفاصيل انتهاكات حقوق الانسان في العراق، فصفحات هذا السجل باتت معروفة للقاصي والداني، غير أن بوسعنا التذكير، على نحو وجيز، ببعض من هذه الصفحات، لعل الذكرى تنفع !
فهذه الانتهاكات متواصلة، ومعدلات التفكك الأسري والعنف ضد النساء والأطفال في ارتفاع، وعوائل المعتقلين ممن لم تثبت إدانتهم حتى الآن، فضلاً عن القابعين في سجون سرية كشف عنها مؤخراً، في حيرة من أمرها ومعاناة مريرة جراء عدم حسم قضايا أبنائها المعتقلين.
أما سدنة الفكر المحافظ من منتهكي الحريات والحقوق فلم يتحرجوا من الاستناد الى قرار سيء سابق لمجلس قيادة الثورة المنحل للاعتداء على اتحاد الأدباء والكتاب، ليضاف هذا الى انتهاكات فظة استندت، هي الأخرى، الى قرارات موغلة في الوحشية كان مهندس المقابر الجماعية قد اتخذها بحق الناس، وبينهم المعارضون الذين يمسكون بزمام السلطة اليوم ويتشبثون بمغانمها الى الحد الذي أنساهم حقيقة أنهم، هم أنفسهم، كانوا ضحايا لأبشع انتهاك لحقوق الانسان. وهذا، في الواقع، بعض من المفارقات “العراقية” التي تبدو بلا نهاية.
هل نذكّر بممارسات فرض الحجاب ومنع الاختلاط ومرافقة “محرم” لـ “ممثلات شعب”، ومحاصرة معهد الفنون الجميلة حيث تنتشر “أصنام الجاهلية” في أروقته، وتحتوي قاعاته على “موبقات” تتخذ شكل بيانو أو إنشاد فتيات أو صعود أخريات “حاسرات الرؤوس” على خشبة مسرح تسمع فيه أصواتهن “المحرّمة” !؟
هل نذكر بمحاصرة ضحايا شباط الأسود 1963 على يد البعث الفاشي، راكب القطار الأميركي، ومساعي حرمانهم من حقوقهم المشروعة عبر “تسييس” لا تنتهي حلقات مسلسله ؟ أم نذكر بعرقلة قانون منصف لحماية الصحفيين، بل واللجوء الى الاعتداءات الفظة عليهم ومحاولة إسكات أصواتهم أو شرائها ؟ أم نذكر بالمعاقين جراء حروب الدكتاتور و”مآثر التحرير” وجرائم الارهاب، وبينهم نساء وأطفال، وكلهم يعانون من طمس لحقوقهم واستهانة بعزلتهم وانكفائهم ؟ أم نذكر بملايين الأرامل واليتامى ؟ أم بحصار مفصولين سياسيين ؟ أم بترك منتهكي حقوق الانسان يسرحون ويمرحون بلا رادع أو عقاب عادل يعيد للضحايا اعتبارهم ؟ أم … أم … والقائمة تطول وتطول !
* * *
المتنفذون في شغل عن انتهاك حقوق الانسان، وعن سائر أوجه معاناة الملايين المريرة مادام عقل المحاصصات وتقاسم الغنائم هو المنهجية السائدة، وسيظلون في شغل ما لم يجرِ التخلص من هذا العقل المعيق والمقيت.
ويتوهم من يظن أن الديمقراطية يمكن أن تنشأ وتنضج في ظل ظروف انتهاك حقوق الانسان، لأن هذا الانتهاك هو، ببساطة، الخصم الأول للديمقراطية والعقبة الكأداء أمامها.
ويتوهم من يظن أن الناس سيسكتون عن تحويل ساحات التحرير، حيث تصدح أصوات الاحتجاج السلمي، الى ملاعب كرة قدم مغلقة لعزل هذه الأصوات وإشاعة الصمت والخنوع.. *

* عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى