الاقتصادية

تأملات – تحت خط الفقر . . ما بين النهرين !

تأملات - تحت خط الفقر . . ما بين النهرين !

تأملات – تحت خط الفقر . . ما بين النهرين !

رضا الظاهر

2010 / 1 / 13


في العراق الذي زعم “محرروه” أنه “جديد”، وأوهمنا “مقرروه” أنه “الفردوس الموعود”، عاصمة تنام على أكوام من القمامة، وبيوت صفيح وطين فوق تلال من النفايات، حيث لا يندر أن نجد من يفتش عما ينفع للبيع سدّاً للرمق.
وفيه يقول أحد الذين يعيشون في تلة النفايات بمنطقة المعامل في رصافة بغداد إنه “في نعيم” مقارنة بغيره ممن يسكنون المنطقة مدفونين فوق الأزبال.
وفيه “نعيم” من طراز “جديد”، حيث تقول مواطنة إنها تشعر “بسعادة” لأنها باعت كليتها حتى تنقذ أطفالها من الجوع.
ألا يهتم “ممثلو الشعب”، المتصارعون على الامتيازات، بمعرفة هذه الحقائق الصارخة عن بلاد ما بين النهرين التي كانت، ذات يوم، بلاد خصب ورفاه ونور ؟ وأي “مقررين” هؤلاء الذين أوصلوا الناس الى هذا المنحدر الصادم من “السعادة” ؟ ولماذا وكيف يمثلون الشعب ؟ أليست هذه واحدة من المفارقات العراقية ؟
في بلاد النوائب ما يقرب من 10 ملايين مواطن تحت خط الفقر. هذا ما أكده بحث أجري في جامعة بابل، ونشرت وسائل اعلام تفاصيل عنه في الأول من كانون الثاني الحالي. وكان مستشار لدى الحكومة قد أعلن، أواسط أيلول الماضي، أن نسبة الفقر بلغت حوالي 31 في المائة، وهو ما يتوافق مع الحقائق التي أوردها بحث جامعة بابل.
فما الذي تكشف عنه هذه الحقيقة ؟
من بين دلائل أخرى تكشف عن عجز السياسات الحكومية الحالية عن حل الأزمة البنيوية. ويرى باحثون مرتابون بهذه السياسات أنها لن تؤدي إلا الى إعادة انتاج الأزمة الاقتصادية والاجتماعية، ربما بصيغ جديدة.
ومن ناحية أخرى تفضح قضية تبديد عشرات مليارات الدولارات على “خرافة” إعادة الاعمار التخبط السياسي والاقتصادي، وأساليب النهب واللصوصية “الأميركية” و”العراقية” التي لم تتوصل التحقيقات المزعومة بشأنها الى أية نتائج.
غير أن أعمق الدلالات تكشف عن تفاقم التفاوت الاجتماعي والطبقي، واتساع الهوة في المداخيل لصالح الفئات التي راكمت الثروة عبر أنشطة طفيلية وإيرادات غير مشروعة، مرتبطة بالفساد المالي والاداري. ولم يعد سراً أن مسؤولين يمتلكون شركات بأسمائهم أو بأسماء عوائلهم هي، في الغالب، مصدر للاثراء الفاحش، بينما يساهم مسؤولون آخرون عبر الاتفاق مع شركات متعددة الجنسية بتهيئة المستلزمات والأجواء الضرورية لعقد الصفقات وغسيل الأموال.
ولا ريب أن من بين أسباب ارتفاع معدلات الفقر سياسات الدكتاتورية الفاشية التي أشعلت الحروب وأشاعت الخراب ودفعت بالملايين الى العوز، وهي سياسات ماتزال عواقبها وخيمة. وقد عمّق من هذه العواقب أن البلاد ماتزال تفتقر الى رؤية ستراتيجية على صعيد البناء الاقتصادي والاجتماعي، مما يخلق عوائق أمام عملية إعادة الاعمار في مختلف الميادين.
وبينما تنتشر مظاهر العنف والفساد المالي والاداري والتخبط وغياب الشفافية مترافقة مع عملية إعادة الاعمار، تتفشى البطالة، خصوصاً في أوساط الشباب حيث تتجاوز نسبتها 30 في المائة. ومن ناقل القول إن البطالة معضلة اقتصادية ذات عواقب اجتماعية وسياسية وثقافية وسايكولوجية يمكن أن تتفاقم اذا ما جرى الانتقال الى الخصخصة. كما أن عملية إعادة هيكلة الاقتصاد يمكن أن تفضي الى زيادة معدلات الفقر.
ومما تجدر الاشارة اليه تلك الأنباء التي تحدثت، مؤخراً، عن توقف حوالي 600 شركة صناعية بسبب عدم دعم الدولة للقطاع الصناعي الذي يفتقر الى تشريعات تحمي انتاجه في بلد يستورد أكثر من 85 في المائة من المواد الغذائية.
أما على الصعيد السياسي فيشتد التنافس على الامتيازات بين “المقررين”، خصوصاً بالارتباط بالصراع على الانتخابات، وهو صراع يشكل مصدراً لتعطيل إقرار القوانين الضرورية، وأهمها إقرار الموازنة العامة للدولة. ويتواصل كل هذا وسواه من سلوك “التسييس”، بينما يسحق اليأس والعوز الملايين من المضطهَدين ومغيّبي الارادة ممن هزّ الواقع المأساوي ثقتهم بوعود “السياسيين”.
* * *
يتساءل المرء عن حق، وبألم، عما اذا كان الملايين من المحرومين “الطيبين” سيُخدَعون بالوعود ثانية، وعما اذا كانوا سيوصلون الى كراسي الحكم، مرة أخرى، أولئك المتنعمين ممن تخلوا عن عهودهم حتى قبل أن يجف حبر التصريحات.
أليس من باب الدلالة البليغة أن تنقل الأنباء عن مرجع ديني جليل مثل آية الله العظمى الشيخ محمد اسحاق الفياض قوله، مؤخراً، إن “رواتب كبار المسؤولين لم يُسمَع لها مثيل في أي بلد، بينما في العراق نجد من ليس له مأوى أو لقمة عيش”، وإضافته، بأسىً عميق، القول: “عار كبير على من يدّعي أنه يمثل الشعب ويقوم، في الوقت نفسه، باستغلال الشعب بهذه الطريقة البشعة” ؟
أليس أولئك الذين يضطرون الى بيع أعضاء أجساد أطفالهم “يقتلون أولادهم خشية إملاق” وهو ما حرّمه الكتاب العزيز ؟
أولا يخشى كانزو الذهب والفضة من أن تُكوى جباههم يوم القيامة كما قال أبو ذر الغفاري، الفقير الذي كان يلبس ثوباً كثوب خادمه، ويأكل مما يطعمه، وهو الذي قال عنه الرسول الكريم: “أبو ذر يمشي في الأرض بزهد عيسى بن مريم عليه السلام” ؟*

*  عن الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى