الفكر السياسي

تأملات – شراكة الفحول !

تأملات – شراكة الفحول !

رضا الظاهر

2010 / 12 / 29

كأن الجميع اتفقوا على أن يواصلوا تحجيم دور المرأة، ويبدأوا عهدهم بالمزيد من حصارها، وهذه المرة حصار من طراز جديد. هذا ناهيكم عن أنه يجري وسط معاناة النساء المريرة في سائر الميادين.
فقد بدأت حكومتنا الجديدة عهدها بالتباسين، كل منهما فضيحة هي، في الواقع، فضيحة القوى السياسية المتنفذة التي تنادت لتشكيل حكومة “شراكة وطنية” خالية من النساء، حتى يبقى “الفحول” يصولون وحدهم في الساحة ويجولون، بعد أن تشاركوا في تقاسم حصص السلطة، بينما اعترف رئيس الوزراء بأنه أجل بعض الوزارات لأسباب تتعلق بالكفاءة فأضاء الفضيحة الثانية.
ومما له دلالة أن رئيس الوزراء نفسه لم يستطع تجاوز مسألة الحكومة الذكورية عندما تحدث عنها بروح انتقادية، فألقى باللائمة على الكتل السياسية في عدم تقديم مرشحات نساء الى التشكيلة الوزارية. وقد رأى بعض المحللين أنه كان بوسع رئيس الوزراء أن يتخذ موقف الرفض مادامت الترشيحات لا تحقق النسبة المنشودة العادلة للنساء، حتى يعالج الخلل الفاضح قبل حدوثه.
ومن الجلي أن مغزى هذه الفضيحة يكمن في تحكم العقل البطرياركي لقرارات المتنفذين المتعلقة بالمرأة، وهو عقل ينظر الى المرأة بدونية. ويدلل إقصاء النساء عن السلطة التنفيذية الفاعلة على عدم جدية الحكومة والقوى السياسية التي شكلتها في دعم المرأة وتحقيق العدالة الاجتماعية، ناهيكم عن تعارضه مع التزامات العراق الدولية بشأن إزالة أشكال التمييز ضد النساء.
وبينما ينبغي أن لا نستغرب من تهميش المرأة، وصمت برلمانيات عن تغييبهن عن القرارات الفاعلة بسبب إرغامهن على الولاء لأحزابهن، يحق للمرء أن يتساءل: لماذا يتاجر المتنفذون بقضية النساء، ويصرون على تحويل البرلمانيات الى مجرد ديكور حسب أغراض أحزابهن ؟ وأين مصداقية وعودهم وبرامجهم ؟ ولماذا لا يكفون عن نزعة الاستهلاك عبر اطلاق تصريحات زائفة، حيث يتحدث الجميع عن مكانة المرأة ودورها وحقوقها، وعند التطبيق سرعان ما ينفضح غياب المصداقية ؟
هل تتذكرون ذلك المؤتمر “العتيد” الذي عقدته القوى السياسية العراقية في نيسان 2003 في قاعدة بالناصرية باشراف ورعاية الجنرال جاي غارنر، حاكمنا الأول قبل المستر بريمر ؟ ففيه شارك ما يزيد على ثمانين رجلاً ولم تكن فيه حتى امرأة واحدة تمثل النصف الأعظم من المجتمع. ومايزال يراد لهذه الأمة أن تظل أمة موؤدات عقيمة.
ومن نافل القول إنه حسب الكوتا المقرة دستورياً، وهي نسبة 25 في المائة حسب الفقرة الرابعة من المادة 49 من الدستور، يتعين أن يكون هناك ما لا يقل عن عشر وزيرات في الحكومة، هذا ناهيكم عن أحقية المرأة في تولي منصب نائب لرئيس الجمهورية ونائب لرئيس الوزراء.
ولابد من التأكيد على ضرورة أن لا يظل الوعد بتسوية مشكلة مشاركة النساء في الحكومة في إطار الحل الأعرج والترضية والترقيع عبر منحهن وزارات دولة أو مناصب ثانوية غير مؤثرة في اتخاذ القرارات، بغرض شراء سكوت النساء عموماً والبرلمانيات خصوصاً، سعياً لطمس جوهر القضية، وهو الموقف من المرأة الناجم عن نمط التفكير البطرياركي للمتنفذين سياسياً والمهيمنين اجتماعياً.
ويبدو أن علينا أن نذكّر المتنفذين، مرة أخرى، ببعض ما يسعفنا به تاريخ النساء والمواقف منهن، وهو غيض من فيض.
فقد جاء في (طبقات ابن سعد) أنه: “قالت أم عمارة للنبي محمد: ما أرى كل شيء إلا للرجال. وما أرى للنساء شيئاً ؟ فنزلت الآية: إن المؤمنين والمؤمنات … الخ”.
ومن الجدير بالذكر أن عدد الصحابيات، بالوصف المقبول للصحابي، أربعمئة من مجموع عشرة آلاف، وهو عدد مرموق في قياس الدائرة النسوية.
وفي (جوامع سياسة أفلاطون) قال ابن رشد: “النساء أهل لكل ما يفعل الرجال من حرب وفلسفة وغيرهما …”
ألم ير المتنفذون الفحول لوحة الرسام يحيى الواسطي من القرن السابع، وهي تصور امرأة تلقي دروساً على الرجال وهي مكشوفة الوجه … ؟
بوسعنا، انتصاراً للنساء واستدلالاً على قدراتهن، إحالة القاريء الى كتاب ابن طيفور الهام والممتع، الموسوم (بلاغات النساء)، وهو ما نأمل أن نضيء جوانب منه في تأملات لاحقة.
* * *
المسألة في الجوهر تتمثل في إقصاء وتهميش النساء لأن أصواتهن تخيف “الفحول” وتهدد امتيازاتهم. أيمكن لناقصات عقل ودين أن يدرن جمهورية الذكور ؟ كيف ؟ أتريدون أن تحكمنا نساء، فتقلبوا، عندئذ، الموازين في المجتمع، وتعم الفوضى في كل شيء !؟
غير أننا، نحن الذين منحتنا الحياة قدرة أن نتضامن مع النساء، سنتمنى على بياتريس أوهانسيان، أعذب عازفة بيانو عراقية، يحاول البعض يائسين أن يكسروا آلتها الموسيقية، أن تعزف كونشرتو حزن نهديه الى نزيهة الدليمي، أول وزيرة عربية يتباهي بها العراقيون المتنورون، بينما يحاول البعض أن يحاصروا حفيداتها من خيرة بنات العراق المكافحات، ويبعدوهن عن مواقع هن جديرات بها.
لن تنتكس الرايات .. لن تنضب الينابيع .. وستظل أناشيد التحدي تصدح في هذه البلاد، بينما يتعاظم الملتحقون بمسيرة المنشدات والمنشدين لحن الاحتجاج والأمل والتنوير ….. # 

#. عن الحوار المتمدن…


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى