الفكر السياسي

تبدأ بالعنف وتنتهي بالهيمنة الأمريكية د. سمير أمين يحدد 3 ملامح للعولمة الجديدة

تبدأ بالعنف وتنتهي بالهيمنة الأمريكية د. سمير أمين يحدد 3 ملامح للعولمة الجديدة

د. سمير أمين

2002 / 5 / 23

تبدأ بالعنف وتنتهي بالهيمنة الأمريكية

د. سمير أمين يحدد 3 ملامح للعولمة الجديدة

ويلاحظ د. سمير ان هذه العناوين قديمة جديدة، وليست وليدة أحداث 11 سبتمبر 2001، كما ان هذه العناوين تطرح تساؤلات صعبة مثل: هل يمكن للعسكرة ان تنجح بمعنى هل يمكن لها ان تصل الى مواقف سياسية تتيح فرض العولمة الاقتصادية على الجميع أم أنها ظاهرة تؤكد على تفاقم التناقضات لدرجة ان العولمة الاقتصادية نفسها ان لم يكن مستحيلا نجاحها فهي على الأقل تواجه صعوبات شديدة جدا؟ كذلك بالنسبة للاستعمار الجماعي لنا ان نتساءل هل هذا الشكل الجديد من الاستعمار هو سمة جديدة ثابتة في المستقبل ام انها هي الاخرى مجرد ظاهرة مليئة بالتناقضات، ولابد أن تنتهي بشكل أو بآخر؟! ولنا أن نتساءل أيضا عن الهيمنة الأمريكية ـ التي رأى انها قد بدأت منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية ـ هل هذه الهيمنة دخلت مرحلة التعمق والتوسع والتكريس أم انها تمر بمرحلة أزمة، أو ربما مرحلة انهيار في المستقبل المنظور؟! من خلال هذه الاسئلة الصعبة سنحاول أن نحلل السمات الجديدة في العولمة كما سنحاول أن نطرح بعض النقاط عن استراتيجية النضال ضدها، وهي الاستراتيجية التي يمكن ان تكون في خدمة شعوب الجنوب بشكل خاص وشعوب العالم بشكل عام.

عسكرة العولمة

كما ذكرنا سابقا والكلام للدكتور سمير أمين فان عسكرة العولمة لم تبدأ في 11 سبتمبر وانما قبل ذلك بعقد كامل وتحديدا منذ حرب الخليج الثانية، أي في أعقاب انهيار الاتحاد السوفييتي السابق واذا نظرنا الى عقد التسعينيات من القرن الماضي سنجد أنه عقد حروب، وذلك من خلال عدة دول تخوض حرباً ضد دولة شاهدنا ذلك في حرب الخليج ضد العراق وفي حروب يوغسلافيا البوسنة، والهرسك، وايضا في الحرب الدائرة الآن ضد افغانستان والتي أفضل أن اسميها حرب اسيا الوسطى لأن الغرض منها ليس طالبان أو ابن لادن أو تنظيم القاعدة

ماذا يعني ذلك؟ معناه في وجهة نظري انه اصبح من المستحيل فرض شروط العولمة الاقتصادية والوصفة الليبرالية المزعومة دون استخدام المزيد من العنف السياسي والعسكري.. ويمكن ان يقال في هذا الاطار ان اليد المخفية للسوق لم تستطع ان تفعل فعلها دون مزيد من استخدام الكف العسكري الظاهر صحيح ان الجانب السياسي في بعض الأحيان لم يتخذ شكل العنف العسكري بالضرورة لكن حصل في العديد من المراحل ان تحول العنف السياسي الى عنف عسكري مباشر ونحن نتحدث هنا عن العولمة الليبرالية الجديدة التي تصاحب وصفة الليبرالية بشكل عام أي بمعنى تحرير الاسواق من خلال الغاء الشكل التقليدي الذي يأخذ في اعتباره المصالح الاجتماعية على حساب مصالح رأس المال، مثل مصالح الطبقات العاملة أو الفلاحين أو الطبقة المتوسطة في مقابل مصالح رأس المال المهيمنة ومجموعة المكونات المعروفة للجميع.. ومن خلال الخطاب السائد للعولمة الليبرالية الجديدة سنلاحظ انها تركز على أن تنفيذ الوصفة الليبرالية سينتج عنها ازدهار اقتصادي، ان لم يكن للجميع فعلى الاقل لمن يستطيع أن يتكيف مع الظروف الجديدة وبالتالي يستطيع أن يستفيد من توسيع الأسواق وتحقيق معدلات نمو مرتفعة في التجارة وغيرها وان هذه الوصفة تستطيع أن تخلق الظروف الملائمة لحلول سليمة للمشاكل الاساسية وان تفتح مجالا للبرلة المجتمعات ومزيدا من الحريات الفردية، ومزيدا من التعددية السياسية الى آخره

هذا الخطاب السائد الذي صاحب طرح الليبرالية الجديدة ربط استراتيجيا بين طرفين وهما الطرف الاقتصادي والنتائج السياسية والاجتماعية على صعيد الوطنيات وعلى صعيد العالمية.. ولكن خلافا لهذا الخطاب حول تنفيذ الوصفة الليبرالية سنجد أن العديد من مشروعات التنمية المستقلة في العديد من بلاد الجنوب قد تم تفكيكها، كما تآكل ـ قبل ان يكون انهيار ـ قدرات النظم الاشتراكية التي كانت في الكتلة الشرقية سابقا، وتحولت الصين من الخط الماوي المعروف الى خط اخر وبدأ يتضح ان الوصفة الليبرالية الجديدة انتجت عكس مايزعم الخطاب السائد عنها.. فهي أولا انتجت ركودا، بمعنى انه لو نظر الى معدلات النمو في العقود الماضية عليها سنجد أن معدلات النمو انخفضت الى نصف ما كانت عليه من متوسط عالمي.. وكذلك معدلات الاستثمار في توسيع وتعميق المنظومات الانتاجية مثل بناء مصانع وطرق وفنادق وغيرها، انخفضت هي الاخرى الى معدل نصف ما كانت عليه في المراحل السابقة وبالطبع كان هناك استثناء، أو ما يبدو انه استثناء، مثل شرق اسيا والصين، وبداية الصين ليست بلداً صغيراً كما اننا سنجد انها لم تنفذ الوصفة الليبرالية المزعومة، أما كوريا الجنوبية واليابان فهما ايضا لم ينفذا الوصفة الليبرالية بالرغم من انهما لم يعترفا بذلك صراحة، كما سنجد انهما عندما دخلا مرحلة تنفيذ الوصفة كان معدل النمو عندها ينخفض. الاستثناء الآخر هو الولايات المتحدة الأمريكية وهنا يجب ان نتوقف امام المقولة التي تزعم ان المعجزة الأمريكية هي نتيجة تنفيذ الوصفة الليبرالية الجديدة، لأننا اذا نظرنا بعمق اكثر الى هذه المعجزة سنجد ظاهرة لم تحدث في أمريكا من قبل وهي انتقال رؤوس الأموال على صعيد عالمي الى الولايات المتحدة وانا اقصد اولا انتقال فائض رؤوس اموال هذه الدول الغنية مثل اوروبا واليابان ثم البلاد النفطية ثم الدول الفقيرة ايضا، الكل دفع حسب طاقته رؤوس أموال لتمويل هذه المعجزة الامريكية.. وبالتالي هي معجزة قائمة على امتصاص فائض الأموال في العالم وعلى عجز متزايد في ميزان المدفوعات الخارجية وبالتالي ايضا لا يمكن اعتبار هذه المعجزة نتيجة الوصفة الليبرالية ولا يمكن تعميمها على المجتمع الدولي كله ولو حتى في المناطق الاخرى المتقدمة مثل اليابان واوروبا ولذلك اعتبر ان هذه المعجزة طفيلية وغير دائمة لانه قد يكون هناك رد فعل للاخرين يتوقف بموجبه تمويل الاقتصاد الأمريكي بهذه الطريقة

اذن الوصفة الليبرالية الجديدة أدت الى ركود عالمي والركود العالمي أدى الى التفاوت في الدخول وهذه ظاهرة موجودة في جميع بلدان العالم وبالتالي تؤدي الى مزيد من الفقر والافقار، ومزيد من التفكك الاجتماعي وغيرها من العوامل التي نراها تنتشر عالميا بدرجات مختلفة حتى في البلاد الغنية نفسها، وهذا معناه فوضى أي تنفيذ الوصفة الليبرالية ستؤدي الى مزيد من الفوضى، ولا شك أن الفوضى تحتاج الى حل والحل الوحيد هو استخدام الكف العسكري ومن ثم الدخول في العسكرة

الاستعمار الجماعي

ويتحدث الدكتور سمير أمين عن النقطة الثانية من سمات العولمة الليبرالية الجديدة وهي الاستعمار الجماعي.. ويقول: اننا كنا معتادين منذ الحرب العالمية الأولى ان الامبرياليات متفردة، بمعنى انه كان هناك استعمار بريطاني له مناطق نفوذ ومستعمرات وهناك استعمار فرنسي، وبلجيكي واسباني وغيره كما كان هناك صراعات عنيفة بين الامبرياليات المختلفة وبين بعضها البعض لكن سنجد بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية بدأت التناقضات بين هذه القوى الامبريالية في الخفوت شيئا فشيئا، وكان تفوق الولايات المتحدة اقتصاديا وسياسيا في مقابل الدمار الذي حصل في اوروبا قد اعطاها ميزة فرض الهيمنة دون نقاش على الاقل في المعسكر الغربي.. وبالتالي قل التناقض الحاد بين هذه الدول حتى دخل العالم مرحلة العسكرة في التسعينيات.. هذه المرحلة اخفت تماما أية تناقضات ـ سوى تناقضات تجارية بسيطة بين شركات ـ وظهر نوع من التوافق بين أطراف الثالوث الغني ـ أمريكا وأوروبا واليابان ـ وهذا التوافق واضح على المستوى الاقتصادي العالمي مثل البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية، وسنجد أن مواقف الغرب أو الثالوث فيها متشابهة الا من خلافات بسيطة. وكان انعقاد مؤتمر منظمة التجارة العالمية في الدوحة رسالة واضحة تعني انهم نجحوا في تخفيف حدة التناقضات بين الثالوث الى حد كبير، وربما أيضا أن يكون هناك ضغط كاف لكسب اغلبية على الاقل من ممثلي الجنوب والا يكونون قد اخطأوا.. عندما ننظر الى البلد الآخر، وهو البعد العسكري سنجد أنه واضح تماما في حروب الخليج ويوغسلافيا واسيا الوسطى سنجد ان مواقف أوروبا واليابان متوافقة تماما مع الولايات المتحدة الأمريكية.. اذن علينا ان نتساءل: هل اصبح الاستعمار استعماراً جماعياً؟ بمعنى أن الشكل القديم للامبرياليات المتنازعة فيما بينها اصبح من التاريخ الماضي، ودخلنا مرحلة جديدة يتسم فيها الاستعمار بأنه جماعي! ويضيف د. سمير أمين: انا أعتبر ان هذا السؤال هو سؤال اساسي، وليس لدي اجابة نهائية عن اسبابه بمعنى انه يجب أن يوضع موضع النقاش والدراسة.. فهل هذه السمة تعنى ان رأس المال والطبقة التي تحمي رأس المال البرجوازية تطورت لدرجة لم تعد فيها وطنية ـ بمعنى السيادة المحلية ـ واصبحت متعدية الجنسية مثل الشركات المتعددة الجنسية، هناك من يقول ذلك ويؤكد تطور كيان رأس المال وبالتالي في البرجوازية التي تطورت من ظاهرة محلية الى ان يكون لها نشاط على صعيد عالمي بالمعنى المفتوح ولكن انا شخصيا اعتقد انه ليس هناك اشارات مقنعة بان هذا التحول قد بدأ أو دخل في مرحلة البداية، بمعنى ان الشركات متعدية الجنسية هي مجرد نشاط على صعيد عالمي وليس متعدية الجنسية اذن ماهو الجديد؟ في خطاب لاحدى الشركات المتعدية الجنسية نلاحظ قولهم انه اذا أردت ان تكون ناجحا فيجب ان تعمل في اطار سوق يسع 600 مليون نسمة ومعنى ذلك أن أي شركة كبرى متعدية الجنسية لابد ان يكون لها وجود يكاد يكون عالميا لكي تكون قادرة على منافسة الاخرين.. هذا التطور حدث دون أن ندرك ذلك في منتصف الستينيات من القرن الماضي في مرحلة ازدهار الرأسمالية العالمية بأشكال العولمة السابقة وفي اطار اختلال التوازن بين الشمال والجنوب وبالتالي انتجت ظروفاً جديدة بأن هناك مصالح لرأس المال المهيمن سواء كان أمريكياً أو أوروبياً أو يابانياً لادارة الأسواق العالمية ومن هنا نشأت وصفة الليبرالية الجديدة، ثم العسكرة التي تحمي وتخدم هذه المصالح. هذا ليس معناه انه لا توجد تناقضات بين هذه المصالح، بل بالعكس هناك تناقضات عديدة ولكنها ثانوية، مثل التناقضات التجارية بين الشركات. الهيمنة الأمريكية وفي تفسيره للسمة الثالثة وهي الهيمنة الأمريكية يقول د. سمير أمين.. ان هناك كلاماً دارجاً من ان الهيمنة الأمريكية جاءت نتيجة المعجزة الاقتصادية وهذا كلام غيرصحيح واوضحنا عدم صحته سابقا اذن من أين جاءت الهيمنة؟ نستطيع القول ان الولايات المتحدة الأمريكية تمكنت من استغلال الميزة الوحيدة لها في مواجهة الاخرين وهي انها دولة واوروبا ليست دولة واليابان ليست عسكرية، وبالتالي فإن معسكر الاستعمار الجماعي يحتاج الى قائد وليس هناك دولة اخرى أو مرشح اخر يستطيع أن يقوم بدور الولايات المتحدة. وبالتالي اصبحت امريكا قيادة عسكرية وسياسية في خدمة أو لصالح العولمة الاقتصادية الليبرالية الجديدة ـ ورغم ذلك اعتقد ان احداث 11 سبتمبر 2001 اثبتت ان الارض الأمريكية نفسها معرضة ايضا للدمار، وان الحروب لن تكون بعيدة عن الأرض الأمريكية، وبالتالي اعتقد ان هذه العولمة الليبرالية الاقتصادية للاستعمار الجماعي والقيادة السياسية العسكرية الأمريكية ليست بالقوة التي قد يتصورها البعض

استراتيجية المواجهة

ماهي شروط تبلور استراتيجية يمكن ان تكون ناجحة لمواجهة هذا العدو

أعتقد انه لابد أن ننطلق في البداية من الواقع، والواقع يقول انه نتيجة التفاقم الاقتصادي والاجتماعي في جميع بلدان العالم ونتيجة الفوضى السياسية هنا وهناك فان المتطلبات الاساسية للمواجهة متصاعدة في جميع انحاء العالم تلك الظاهرة بدأت في الشمال قبل الجنوب وبالتالي اصبحت حركات مناهضة العولمة متصاعدة والمواجهة لهذه الحركات من قبل الثالوث أمريكا وأوروبا واليابان متصاعدة ايضا والمطلوب هو انعاش تضامن شعوب وبناء جبهة على صعيد عالمي، ولذلك أنا أرى ان الكلام عن صراع حضارات هو كلام يهدف بالأساس الى عدم بناء هذه الجبهة، صحيح أن هناك صراعاً حضارياً وليس صراع حضارات لأن هناك مسيحياً أوروبياً ضد العولمة ومسلماً عربياً أو من أي دولة اسلامية أخرى ضد العولمة وبالتالي لا يمكن ان نقول ان هناك “صراع حضارات

من هنا سوف اتحدث عن الحرب الدائرة الآن، وهي (حرب اسيا الوسطى) كما افضل أن أسميها وليس حرب افغانستان فالأهداف الأمريكية الواضحة من هذه الحروب ليس حركة طالبان أو ابن لادن أو تنظيم القاعدة، وانما الهدف الحقيقي هو السيطرة على اسيا الوسطى أو السوفييتية سابقا، وذلك لسببين، الأول أن الكلام عن المنطقة واعادة رسم السياسات فيها والسيطرة عليها سابقة لأحداث 11 سبتمبر بكثير، أي منذ انهيار الاتحاد السوفييتي كانت أمريكا نشطة في المنطقة، بل ودخلت في صراعات غير مباشرة فيها، وعندما نطالع النشرات والمجلات العسكرية الأمريكية المتخصصة سنجد ان نظرة البنتاجون وزارة الدفاع الأمريكية واضحة تماما، وهي ضرورة السيطرة على هذه المنطقة أما هدف البترول في منطقة بحر قزوين فهو قد يكون هدفا وقد يكون هذا البترول خليجاً ثانياً، لكن هناك نقاش حول هذا الموضوع لأن الاتحاد السوفييتي ركز على بترول سيبيريا الذي يبدو انه أكثر بكثير جدا من اسيا الوسطى. أما الهدف أو السبب الثاني وهو الأهم من وجهة نظري فهو هدف جيو استراتيجي بمعنى ان الولايات المتحدة تريد مزيدا من الضغط على ثلاث دول بعينها وهي روسيا والصين والهند.. فهذه البلاد كان بينها نوع من التقارب في السنوات الثلاث الاخيرة، تقارب اقتصادي وتقارب سياسي، بل وعسكري ولذلك تريد الولايات المتحدة أن تضغط على هذه الدول بحجة الارهاب ووجود ابن لادن، وبالتالي أعتقد أن ابن لادن سيظل لعدة أعوام مقبلة كما هو لن يمس ولن ينتهي حتى تستمر الولايات المتحدة في تواجدها بالمنطقة. ولكن لماذا هذه الدول الثلاث؟! في رأيي أن هذه الدول هم الحلفاء الحقيقيون لبناء جبهة الجنوب في الاجل الطويل، وهذه الجبهة لن يكون لها أي فاعلية دون وجود الصين وروسيا والهند…. &

& عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى