الفكر السياسي

تكنوقراط المحاصصة

تكنوقراط المحاصصة

مهدي البناي

2016 / 3 / 9

” ان الاحباط من الاداء الطبيعي لسياسات الاحزاب يفسر اللجوء للتكنوقراط …”
الايكونمست نوفمبر 2011

والا فمن المفترض أن الاحزاب الفائزة بثقة الجماهير هي الاقدر على صنع التغير ومواجهة الازمات ، ولكن هذا الفرض نفسه قائم على افتراض امتلاك هذه الاحزاب حس المسؤولية ونزاهة وكفاءة القائمين عليها.
بعيدا عن مناقشة مفهوم التكنوقراط والذي كتب فيه الكثيرون ولعل المقالة الرائعة للدكتور احمد ابريهي في موقع الحوار المتمدن مؤخرا تغني عن الكثير في هذا المجال ،، لكن يمكن الاشارة باختصار الى ان الخصائص الثلاث ( الادارة العلمية ، التخصص ، الاستقلال) تشكل الملامح الاساسية لهذا المفهوم.
ربما يكون الفشل الحاصل والمستمر منذ 13 سنة من ادارتهم للدولة وانخفاض الموارد نتيجة تدني اسعار النفط قد كشف العورات الهيكلية والامراض المزمنة في الاقتصاد العراقي التي احدثتها سلسلة متعاقبة من الاداء المحبط لسياساتهم والاستنزاف المريع للموارد ، وانتهاجهم سياسة تقاسم كعكة الموارد المتحصلة بشرعنة محاصصة الوزارات وتسخيرها كدكاكين لحلب الموارد … وبالتالي جعل هذه الاحزاب امام لحظة الحقيقة التي غطتها سحابة الوفرة طيلة السنوات الماضية .
من هنا كان الفزع باتجاه التكنوقراط (المزيف) والذي لا يمثل بحد ذاته الاصلاح الحقيقي … فما دام الاصرار على هدم استقلالية التكنوقراط وميل الاحزاب الى (محاصصة تكنوقراطية) ، يبدو ان لا نتيجة مرجوة من هذه الحلقة المفرغة ، ولهذا اشار الدكتور نبيل ياسين بقوله ” .. فالعراق يحكم منذ 2003 بالتكنوقراط ” هذه صيغة مشوهة للتكنوقراط ، فوجود المهندس والطبيب والمحاسب وحامل الدكتوراه والماجستير في الحكومة لا يعني انها حكومة تكنوقراط .
من الاجحاف والتضليل اقتصار تعريف التكنوقراط بالمؤهل او التخصص ، وانما يتعداها الى الادارة العلمية والاستقلال عن نفوذ الاحزاب ولجانها الاقتصادية.
يبدو ان بحبوحة الموارد عندما كان سعر النفط اكثر من 100 دولار للبرميل ، أنست حكومة البلاد ان تجلب وزراء مختصيين في اهم قطاعات انتاج وتوزيع الثروة (وزارة النفط ووزارة المالية) ، فلم نَرَ وزير نفط مختص ومستقل لهذا القطاع انتاجا وتسويقا ، كما لم نَرَ وزير مالية له علاقة بالاقتصاد او المالية !!
ان الاصرار على ان تختار الاحزاب نفسها (تكنوقراطها) هي دعوة لانتاج الفشل ذاته. هذا التشويه المتعمد لمفهوم التكنوقراط وطريقة اختياره يفسر أيضا اصرار الاحزاب على عدم التفريط بمتلازمة الثروة والسلطة ، فلا يتوقع ان تسعى هذه الاحزاب لسلب نفسها ما تتمتع به حاليا من فرص للنهب واقفال دكاكينها الوزارية.
ولا يتوقع ايضا ان تنتهج احزابنا الحاكمة نفس نهج حكومات ايطاليا واليونان عند بروز ازمتها المالية سنة 2011 حين لجئت الى التكنوقراط .. فلم تكتفي ايطاليا بجلب رئيس وزراء اكاديمي ( استاذ الاقتصاد ماريو مونتي) بل وافقت ايضا على ضرورة ان يكون برنامجها الاصلاحي تحت مراقبة صندوق النقد الدولي ، وقبلت اليونان باشراف لجنة ثلاثية من صندوق النقد الدولي والبنك الدولي والمفوضية الاوربية على اجراءاتها التقشفية.
ان الرهان على حكومة تكنوقراط لادارة الاصلاح ومواجهة الازمة بدون الايمان والتسليم باستقلالها (الحقيقي) عن تأثير الاحزاب ولجانها الاقتصادية هو رهان على حصان اعرج.
تبرز هنا اشكالية (التناقض) بين التكنوقراطية والديمقراطية ، هذا التناقض ناتج عن تأثير (الخبراء التكنوقراط) في القرار السياسي دون ان يكونوا منتخبين ! ، فالادارة تتحول من يد الاحزاب المنتخبة الى يد الخبراء والمتخصصين بدون أية شرعية انتخابية !! ربما هكذا يبدو الامر لاول وهلة…
ولكن ، الم نَرَ ان جميع الفاشلين واللصوص على مدى السنوات الثلاث عشرة الماضية كانوا منتخبين ؟ الم نر ان جميع الاحزاب التي حمتهم وبررت لهم كانت احزاب منتخبة ؟ الم نصل بعد الى نتيجة انه من غير المؤكد ان تفرز الانتخابات الاصلح والاكفأ؟ بغياب الوعي وتفشي الامية وهستريا الافكار الغيبية.
عموما ، ومن استعراض اكثر تجارب العالم مع حكومات التكنوقراط نجد انها لم تعمد الى الانتخاب بل التعيين !! واكتفت الاحزاب الحاكمة والمعارضة بدورها تحت قبة البرلمان.
فنموذج الحكم القائم على ان رئيس الحكومة المنتخب تحت قبة البرلمان له حرية اختيار وزرائه التكنوقراط ، ويكون هو ووزراؤه تحت مراقبة (البرلمان المنتخب) يشكل نموذجا مقبولا ، فشرعية التكنوقراط مستمدة من شرعية رئيس الوزراء المنتخب … وهذه بالحقيقة هي صورة النظام الرئاسي.
ولعل هذا النظام هو البيئة الصحية لعمل التكنوقراط ، فتغول الاحزاب وميلها لتحويل الوزارات الى اقطاعيات ودكاكين يشكل عائقا مزعجا امام حكومة التكنوقراط. بضمان حرية واستقلالية الوزير المختص وكونه مسؤولا امام رئيسه ، وكونه معينا من قبله، ازالةً لكابوس ورعب الاحزاب ولجانها الاقتصادية عن الوزير ، ورفع عبء تسديد فاتورة التعيين… #

#. عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى