الاقتصادية

دبي من التخلف إلى الثراء

دبي من التخلف إلى الثراء

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2012 / 5 / 24
الادارة و الاقتصاد

المستخلص
قدمت دبي للآخرين نموذجا فريدا في التنمية الاقتصادية ، المعتمدة على الذات ، والمستفيدة من كل الفرص المتاحة في البيئة الخارجية والعلاقات الاقتصادية الدولية . ومع إن دبي امارة صغيرة الحجم ، قليلة السكان ، شحيحة الموارد ، قاسية المناخ . إلا إنها نجحت في بناء اقتصاد واعد متنوع ، ومداخيل هائلة للمواطنين ،حقق الحياة اليسيرة فيها ، مع نجاحات منقطعة النظير في التنمية البشرية جعلتها ضمن الصفوة الأولى التي تعيش ضمن ما يسمى بالتنمية البشرية المرتفعة جدا . وهي لم تكتف بتحقيق اقتصاد رمزي متطور ، وإنما نجحت في تحقيق بنية تحتية فائقة الجودة ، واقتصاد سلعي متطور نسبيا ، مستفيدة من الاستثمارات الأجنبية والعمالة الأجنبية والموقع الاستراتيجي ، وهو ما جعل دبي المكان المفضل لرجال الأعمال من مختلف أرجاء المعمورة . ولم يكن بالإمكان تحقيق تلك النجاحات الباهرة لولا توافر إرادة التنمية والقرار السياسي القيادي الرشيد الذي وضع تصوراته وحشد الإمكانات اللازمة لتحقيق كل هذا النمو والتطور الذي تتميز به التجربة التنموية في دبي

المقدمة :
لم تحقق الدول على امتداد التاريخ القدر ذاته من النجاح ، ولكن تجري المحاولات لإيجاد صيغ أكثر قبولا لتحقيق الرخاء الاقتصادي والمادي الذي يمثل الركيزة المهمة لأي تنمية اقتصادية شاملة بمختلف عناصرها وصورها بما تتضمنه من نهضة ثقافية وسلام اجتماعي واستقرار سياسي وامني .
تبدو تجربة دبي في التنمية نموذجا بارزا نالت مديح الكثير من المهتمين بهذا المجال ،إذ حققت هذه الإمارة الصغيرة ما عجز الكثيرون عن تحقيقه ، ونجحت في أن تكون مركزا ماليا وتجاريا وخدميا وسياحيا على المستوى العالمي بفضل الاستثمار الواسع في البنى الارتكازية والانفتاح الكبير والتسهيلات الهائلة الإدارية والضريبية ، مستفيدة في كل ذلك من فترة الازدهار الاقتصادي العالمي وارتفاع أسعار النفط والتمويل السهل نسبيا مع تصميم خلاق واندفاع كبير ضمن “رؤية ” لتحويل هذه الامارة المحدودة الإمكانات (وهي غير نفطية ) إلى مركز نشاط اقتصادي عالمي يرتكز على المال والخدمات السياحية . وقد نجحت في ذلك إلى حد كبير وأصبحت نموذجا يتطلع إليه الكثيرون كما هو الحال مع سنغافوره وهونغ كونغ وتايوان.
لقد استطاعت دبي تحويل اقتصادها المتخلف إلى اقتصاد مزدهر مستند على الخدمات (خاصة التصدير وإعادة التصدير وخدمات الموانئ والسياحة والعقارات ) . فمثلا تعد دبي الآن ثالث اكبر مركز للتصدير وإعادة التصدير في العالم ،وهو انجاز كبير في كل المقاييس .
ولكن ما هي درجة النجاح التي حققتها دبي ؟ وهل تمكنت حقا من تحقيق ما عجز عنه الآخرون في الشرق الأوسط ؟ هل حققت دبي تنمية اقتصادية حقيقية ام انها حققت تطورا مذهلا في الاقتصاد الرمزي دون الاقتصاد الحقيقي ؟ هل أن العمران الهائل والتطور المذهل في البنية التحتية يكفيان لوحدهما في إحداث تنمية اقتصادية حقيقية أم أن الأمر يستدعي تطوير البنية الإنتاجية أيضا ؟
هذه الأسئلة نحاول الإجابة عليها من خلال المحاور الآتية :

دبي —– التسمية والتاريخ
عرفت دبي قديما باسم (الوصل) وهناك ثلاث روايات حول اسم دبي :(1)
1- إن كلمة دبي هي تصغير (دبا) التي كانت سوقا مشهورا ، وقد سميت دبي كذلك تشبيها بسوق (دبا) وهو الأرجح .
2- إن دبي هي تصغير لكلمة دبا وهو الجراد وإنها سميت كذلك لانتشار الجراد فيها آنذاك قبل أن تعمر .
3- يقال أن اسم دبي جاء نسبة إلى امرأة اسمها (دباية) ويقال أن دباية هي المرأة التي ردت القوم يوم غاروا على الوصل . الوصل هو اسم دبي القديم .
حتى منتصف القرن الماضي لم يكن في دبي شبكة طرق رسمية، بل أن طرقها عبارة عن ممرات ترابية ضيقة لا تسمح بمرور السيارات ، لذلك كانوا يستخدمون الحمير أو الجمال للتنقل. ولقد أنارت المصابيح الزيتية الزجاجية الطرقات والمحلات التجارية قبل معرفة الكهرباء عام 1952. ولم تكن هناك شبكات توزيع للمياه ، فاعتمد السكان على المياه الجوفية، وكانوا يستخرجون الماء من الآبار بطرق يدوية بدائية ، ثم تنقل في أوعية إلى البيوت للاستخدامات المنزلية . عاش معظم السكان في أكواخ مصنوعة من سعف النخيل ، وكانت المحلات التجارية الرئيسة مبنية من الجبس والحجارة المرجانية
بعد اكتشاف النفط في العام 1966 ، عمل الشيخ راشد على استخدام إيرادات النفط لتطوير البنية التحتية في دبي. فقام بتشييد المدارس والمستشفيات وشق الطرق بالإضافة إلى تأسيسه لشبكة اتصالات حديثة ، كما تم تشييد مبنى ومرفأ حديثين في مطار دبي الدولي وتطوير لمدرج الهبوط ليستوعب أنواع الطائرات. كذلك تم تشييد أكبر ميناء اصطناعي في العالم في منطقة جبل علي وأسست منطقة التجارة الحرة, بنية تحتية متكاملة. كانت المحصلة هي أن دبي سرعان ما صارت مركز جذب سياحي وتجاري للمنطقة الممتدة من مصر إلى شبه القارة الهندية ومن جنوب أفريقيا إلى ما يعرف اليوم باسم اتحاد الدول المستقلة (2).
الجغرافيا والسكان
دبي هي إحدى الإمارات السبع المكونة لدولة الإمارات (أبو ظبي ،دبي ،الشارقة ،عجمان ،أم القوين ،رأس الخيمة ،الفجيرة ) . وتعد دبي ثاني اكبر إمارة بعد أبو ظبي إذ تبلغ

مساحتها 4114 كم2وهو ما يعادل 5% تقريبا من مساحة الإمارات. تحد دبي كل من إمارة أبو ظبي في الغرب وإمارة الشارقة في الشرق، وتعد العاصمة الاقتصادية للإمارات العربية المتحدة .
تتميز دبي بمناخ حار جدا في الصيف ، والرياح مشبعة بالرطوبة، مع ارتفاع متوسط درجات الحرارة نهارا إلى 40 درجة (104 درجة فهرنهايت) وتهبط ليلا إلى حوالي 30 درجة مئوية (86 درجة فهرنهايت). معظم الأيام مشمسة على مدار العام. الشتاء دافئ مع متوسط درجات الحرارة 23 درجة مئوية (73 درجة فهرنهايت) نهارا، و 14 درجة مئوية (57 درجة فهرنهايت) ليلا. ومع ذلك تزايد في العقود القليلة الماضية هطول الأمطار المتراكمة لتصل إلى 150 ملم في السنة.
ويبلغ عدد سكانها حسب إحصاء 2008 عام نحو (2,262) مليون منهم (214) ألف مواطنين والباقي من الأجانب الذين يشكلون 90,5% من إجمالي السكان . يبلغ حجم القوى العاملة في دبي ومعظمهم من الأجانب نحو ( 848 ) ألف عامل في عام 2005 موزعة بواقع 20% للعمالة العالية المهارة و 41% للعمالة المتوسطة المهارة و 39 % للعمالة غير الماهرة .، ومن المتوقع أن يرتفع عددهم إلى ( 730و1 ) مليون عامل في عام 2015 ، مع تحول ملموس نحو توظيف الكفاءات العالية المستوى ومن ثم السعي لتغيير التوزيع النسبي للعمالة في دبي من خلال رفع مستوى تشغيل العمالة الماهرة إلى 25% وتخفيض العمالة غير الماهرة إلى 31% (3).

الملامح العامة لاقتصاد دبي
تتميز إمارة دبي بأن دخلها الاقتصادي لا يعتمد على الإيرادات النفطية بشكل أساسي على عكس باقي دول الخليج العربي ، إذ يعتمد اقتصاد دبي على التجارة والعقارات والخدمات المالية والسياحة. النفط والغاز يشكلان نحو 5% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي في دبي الذي يبلغ (بالأسعار الجارية ) 5و37 مليار دولار في عام 2005 مرتفعا من 17 مليار دولار عام 2000 ، وهي تسهم بحوالي( 33% ) من الناتج الإجمالي للإمارات مقابل 57% لأبي ظبي .

شكل قطاع الخدمات الذي يشمل : التجارة ،الإنشاءات ، النقل والتخزين ، الاتصالات ، الخدمات العقارية وخدمات الأعمال ، المطاعم والفنادق ، الخدمات الشخصية والاجتماعية والمنزلية ، القوة الدافعة الرئيسة للنمو الاقتصادي ، ومنذ عام 2000 أصبح قطاع الخدمات هو القطاع الأكثر نمواً في دبي. ومن العوامل التي تدعم قوة قطاع الخدمات تلك المحاولة لتحسين البيئة التحتية للتجارة الإلكترونية في المدينة. إذ بلغ متوسط نموه السنوي 21% منذ عام 2000 بقيمة (6و27 مليار دولار ) أو نحو (74% ) من الناتج المحلي الإجمالي لعام 2005، مما رفع المساهمة النسبية للقطاعات غير النفطية إلى ( 95% ) .ويرجع ذلك أساسا إلى نجاح سياسة التنويع الاقتصادي الموجهة لمصلحة القطاعات غير النفطية . وقد سهل ذلك تهيئة البيئة الملائمة للاستثمار والبرامج المخصصة للتطوير القطاعي . يعد الهيكل الحالي للناتج المحلي الإجمالي لدبي مشجعا لا سيما وان قطاعاته الأقوى تندرج ضمن عوامل النمو العالي المستقبلي على وفق المقاييس العالمية ، وهذه القطاعات هي : السياحة والنقل والبناء والتشييد والخدمات المالية .
بلغ معدل النمو الحقيقية للناتج المحلي الإجمالي في دبي 13% خلال المدة 2000 -2005 ، وهو معدل نمو مرتفع بالمقارنة مع الصين 9% والهند 6% وايرلندا 5% والولايات المتحدة
وسنغافورة 3% .
يبلغ متوسط دخل الفرد السنوي في دبي ( 140و31 دولار ) في عام 2005 ، بمعدل نمو سنوي تجاوز (6% ) خلال المدة 2000 – 2005 ، متجاوزا متوسط دخل الفرد في دول النمور الآسيوية مثل سنغافورة (836و26 دولارا ) وهونغ كونغ ( 493و25 دولارا ) . وهي الدول التي استغرقت زمنا طويلا حتى وصلت إلى هذه المعدلات العالية لمتوسط دخل الفرد . وتسعى دبي إلى رفع معدل الدخل الفردي الحقيقي إلى ( 44 ) ألف دولار بحلول عام 2015 . وهو قد يكون المعدل الأعلى على صعيد العالم وقد يتجاوز المعدلات السائدة في الدول الصناعية المتطورة . ولذلك تسعى دبي إلى رفع ناتجها المحلي الإجمالي إلى ( 108 ) مليار دولار في عام 2015 (4).
نما قطاع التجارة الخارجية في دبي بنسبة 38 ٪ في عام 2008 ليبلغ 254.7 مليار دولار أمريكي .
وبرزت دبي باعتبارها سوق أساسية لمشتقات العملات الأجنبية من خلال المبادرات التي تقوم بها بورصة دبي للذهب والسلع.
وتعد دبي مركزاً إقليمياً للتجارة والاستثمار في السلع مثل الذهب والمعادن الثمينة والماس والأحجار الملونة، والطاقة (تجارة الوقود والغاز الطبيعي) ، والشاي ، وكذلك اللؤلؤ والأزياء والمجوهرات، التي تمثل وحدها 26.5 ٪ من التجارة الخارجية غير النفطية لدولة الإمارات في عام 2008.
إن دولة الإمارات العربية التي تمثل دبي إحدى إماراتها ، قد حققت المرتبة (30) على المستوى العالمي والمرتبة الأولى عربيا في دليل التنمية البشرية لعام 2011 ، وقد جاء تصنيفها ضمن الدول ذات التنمية البشرية المرتفعة جدا (5).

يرجع الفضل للنجاحات التي حققتها دبي إلى ما يلي (6):
1- القيادة الجريئة والملهمة لدبي
2- المبادرات الحكومية التي أدركت أهمية مواصلة تطوير بيئة الأعمال والاستثمار
3- الطاقات البشرية المبدعة والاستفادة من العمالة الأجنبية
4- إقامة المناطق الحرة والمشروعات الكبرى مثل مدينة الإعلام ومدينة الانترنيت ومدينة دبي الطبية ومشروعات النخيل ودبي لاند .
5- الريادة في جذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة .
6- الدور الفعال للقطاع الخاص في تنمية وتطوير العديد من القطاعات الاقتصادية
7- توافر الأراضي اللازمة لإقامة المشروعات العقارية المهمة
8- الخدمات الحكومية الكفوءة والأطر المؤسسية القوية ، والآليات الجيدة لتقديم الخدمات
9- التشريعات والأنظمة القوية ، والبنى التحتية الممتازة والموقع الاستراتيجي المميز لدبي

التجربة التنموية في دبي
تعد دبي من المراكز المالية والخدمية المهمة فضلا عن كونها مركز استقطاب تجاري واستثماري ذو موقع جغرافي استراتيجي في سوق ذات 2.2 مليار مستهلك في العالم بفضل الاستثمار في البنى التحتية والانفتاح على العالم . المُتابع لتجربة دبي كنموذج للتنمية الاقتصادية يستطيع أن يستشف أن دبي قدمت نموذجين مُختلفين: الأول هو النموذج الذي كان متبعاً قبل عام 2003 ، والذي كان يقوم على أساس تنويع مصادر الدخل من خلال تنمية القطاعات التي تملك فيها دبي أفضلية نسبية ، وهي القطاعات الخدمية كالخدمات المالية والسياحية وغيرها من القطاعات التي تحتاج إلى بيئة عمل خالية من التعقيدات البيروقراطية والضرائب العالية وتمتلك بنية تحتية متطورة . وقد نجح هذا النموذج ،إلى حد كبير في تحويل دبي إلى مركز مالي وخدمي ليس على المستوى الإقليمي فحسب بل على المستوى العالمي ، أما النموذج الثاني فهو ما يمكن أن يُطلق عليه (المغامرة العقارية) ، حيث عمدت دبي إبتداءاً من عالم 2003- بعد نجاح مشروع النخلة- إلى الاستثمار بقوة في القطاع العقاري من خلال شركات حكومية أنشأت خصيصاً لهذا الغرض . وقد تسارعت وتيرة الاستثمارات العقارية مع دخول شركات خاصة محلية وأجنبية مُستفيدة من الطفرة التي ولدتها الاستثمارات الحكومية وكذلك من سهولة التمويل وقلة التشريعات المُنظمة لعمل الشركات المطورة والقطاع العقاري عموماً (7).
تعد دبي أحد أكبر الاقتصادات نموا بالمنطقة على الرغم من أثار الأزمة العالمية في عام 2008 التي ألقت بظلالها على دبي، بوصفها الإمارة الوحيدة الخليجية التي تكشفت بفعل هذه الأزمة . وكان من نتائج تلك الأزمة إيقاف العمل بالعديد من المشاريع الإنمائية وتسريح بعض العمالة وركود اقتصادي واضح أدى إلى انخفاض أسعار العقار والإيجارات ، ولكن بعد ثلاث سنوات من مرور الأزمة بدأت الأعمال الإنشائية في العديد من المشاريع التي كانت متوقفة، وفي عام 2011 خالفت دبي كل التوقعات بشأن اقتصادها وسجلت نموا مقبولا بقيادة القطاعات الاقتصادية الحقيقية الخالية من المضاربات، إذ قاد هذا النمو كل من قطاع السياحة وقطاع الأعمال والصناعات التحويلية وصناعة الألمونيوم والتجارة الخارجية، فالتقارير والإحصائيات تؤكد متانة اقتصاد دبي ومكانتها العالمية ، إذ ما تزال العديد من الشركات العالمية العملاقة تفضل العمل في دبي وتنقل مقراتها إليها باعتبارها ملاذا آمنا وقوة اقتصادية متينة .
اعتمد نموذج التنمية في دبي على استقدام العمالة الوافدة من مختلف أرجاء العالم وبنسبة كبيرة من الدول الآسيوية ، التي تتسم غالبيتها بالمهارات المنخفضة والأجور المنخفضة نسبيا مما شجع مؤسسات الأعمال في دبي على الاعتماد المفرط على هذا النمط من العمالة نظرا لانخفاض تكلفتها . وقد حقق ذلك نتائج ايجابية تمثلت في الآتي : الأول تعاني دبي من قلة السكان ومن ثم فإن استقدام العمالة الوافدة قد مكنها من الاستثمار في رأس المال المادي المحلي وبالذات في قطاع البناء والتشييد مما اسهم في تطوير البنية التحتية وبتكاليف منخفضة ، كما ارست دعائم لقاعدة صناعية ، وسمحت بنشوء قطاع تصديري كثيف العمل . الثاني إن الانخفاض النسبي في كلفة العمالة الوافدة قد حال دون زيادة كلفة الأعمال في دبي ذات الدخول المرتفعة التي تتبنى سعر صرف ثابت لعملتها مع الدولار . الثالث إن العمالة الوافدة الرخيصة وخاصة مع المساهمة الكبيرة لعنصر العمل في إنتاج القيمة المضافة ، وفي ظل تقسيم سوق العمل من حيث التعويضات بين المواطنين والوافدين ، قد أدى إلى خلق أرباحا متميزة لرجال الأعمال في دبي (8).
وعلى الرغم من ذلك ثمة قضايا ثلاثة لابد من مواجهتها، الأولى هي الفجوة الكبيرة في الأجور بين القطاعين العام والخاص والتي تجعل العمالة الوطنية تفضل التوظيف في القطاع العام.
والثانية، هي عدم مرونة سوق العمل في دبي الرئيسية نتيجة لارتباطها بنظامي “الكفيل” و “حصص التوطين”. والثالثة هي الارتفاع الكبير في حجم العمالة غير الماهرة نتيجة لتفضيل رواد الأعمال الاستثمار في قطاعات كثيفة العمل ومنخفضة التكلفة وذلك على حساب القطاعات ذات القيمة المضافة العالية والتي تتطلب مهارات عالية (9).

البيئة الاستثمارية في دبي
على الرغم من أن البيئة الصحراوية لها محدداتها ، إذ يظل نقص المياه وارتفاع درجات الحرارة والرطوبة ، قيدا على قدرة دبي على الاستمرار في التوسع وتحديد نوعية الأنشطة التي يمكن القيام بها ، وعلى المنافسة مع الأماكن الأخرى في العالم .فضلا عن محدودية النفط الخام فيها مقارنة مع دول خليجية . إلا أن دبي نجحت وبشكل منقطع النظير في تأسيس بيئة جاذبة للاستثمارات الأجنبية ، وهو ما جعل دبي تحتل المرتبة الأولى كأفضل مدينة في العالم للاستثمارات الأجنبية لسنة 2008 حسب تصنيف أعدته مجلة “FDI Intelligence” التابعة لمجموعة فاينانشيال تايمز اللندنية. فقد استقطبت دبي 342 مشروعاً بنسبة نمو بلغت 59% عن عام 2007 كما أوجدت أكثر من 58 ألف فرصة عمل جديدة.
واحتلت دبي المرتبة الأولى على صعيد مدن المستقبل في منطقة الشرق الأوسط بحسب مجلة الاستثمار الأجنبي المباشر «FDI Magazine «، في إشارة إلى المكانة المتقدمة التي باتت تتبوؤها الإمارة بوصفها وجهة إقليمية وعالمية مفضلة للاستثمار. واحتلت دبي مراتب متقدمة في كافة جوانب الاستفتاء الذي أجرته المجلة لا سيما المقومات الاقتصادية الهائلة والبنية التحتية الأكثر تطوراً في المنطقة إلى جانب توفير مجتمع مثالي للأعمال . وقامت المجلة بجمع بيانات الاستثمارات الأجنبية المباشرة لـ46 مدينة متضمنة ست فئات هي المقومات والإمكانات الاقتصادية، والموارد البشرية، وفعالية التكاليف، وجودة الحياة، والبنية التحتية وبيئة الأعمال(10).
كشفت إحصاءات مكتب الاستثمار الأجنبي في دائرة التنمية الاقتصادية بدبي عن بأن حجم الاستثمار الأجنبي في إمارة دبي خلال عام 2011 بلغ27 مليار درهم مقارنة مع 23 مليار درهم خلال عام 2010. توزع 70 % من الاستثمار الأجنبي على مجموعة من القطاعات الرئيسية : وهي الخدمات المالية والسياحة والفنادق، إلى جانب خدمات الأعمال وتجارة المنسوجات وصناعة النفط والغاز، فيما تتوزع النسبة الباقية من الاستثمار الأجنبي على باقي القطاعات بنسب أقل. وتتصدر الولايات المتحدة الأمريكية قائمة الاستثمار الأجنبي في دبي من حيث عدد المشاريع، ويأتي بعدها كل من المملكة المتحدة والهند وفرنسا وألمانيا . أن الاستثمارات الأمريكية قد شهدت ارتفاعاً في قيمتها خلال السنوات القليلة القادمة نظراً لكونها أحد الشركاء التجاريين الرئيسيين لدبي ودولة الإمارات (11).
ويمكن التطرق بشئ من التفصيل الى بعض العناصر الجاذية للاستثمار في دبي وعلى النحو الآتي (12):

أ‌- ركزت دبي على انتهاج خطط التنمية الشاملة وإيجاد بيئة مثالية لنمو ، وبدا ذلك جلياً من خلال تصميم وإنشاء البنى التحتية المناسبة، وتهيئة المناخ العام للاستثمار الأمثل . إذ يتمكن المستثمرون الأجانب في دبي من الاستفادة من البنية التحتية المتطورة التي تسهل مزاولة الأعمال . وقد أستند التطور في البنية التحتية إلى خدمات شركات الطيران، وكفاءة الخدمات اللوجستية ، وخدمات الاستيراد والتصدير، وحجم الموانئ، ومؤشر الحكومة الإلكترونية على شبكة الإنترنت وغيرها.
ب‌- تتميز دبي بوجود شبكة مواصلات برية ضخمة متمثلة في طرق سريعة التي تعد من الطرق المهمة في العالم ، وكذالك تربط بين أجزاء دبي شبكة جسور وأنفاق داخلة وخارجية بنيت على وفق أحدث المعايير العالمية ، فضلا عن أسطول ضخم من الحافلات المتطورة وسيارات الأجرة . مترو دبي يمثل إحدى شبكات السكك الحديدية الأكثر تطورا في العالم، بفضل قطاراته الأوتوماتيكية التي لا تستدعي قيادة يدوية من السائق. وهو يربط بعض مراكز التسوق في دبي، فضلاً عن أهمّ المواقع السياحية والمطار.
ت‌- أن مطار دبي الدولي هو من المطارات الدولية التي تشهد أسرع نمو في العالم، ويحتل المرتبة السادسة من حيث حركة الركاب الدولية والازدحام، إذ بلغ عدد الركاب الدوليين 41 مليون مسافر دولي في عام 2009. كما أن أكثر من 130 شركة طيران دولية توفر خدمات الشحن ونقل الركاب .
ث‌- ميناء جبل علي هو أكبر ميناء في العالم ، وقد شهد زيادة في حركة البضائع بنسبة 40 ٪ في بين عامي 2008 و2009. ويخدم موانئ دبي أكثر من 242 خط للشحن. وإن حجم النمو في موانئ الإمارات وحدها تطابق النسبة الإجمالية لمنطقة الشرق الأوسط، وأوروبا وأفريقيا معاً والتي تحظى بنسبة 19% .
ج‌- جودة البنية التحتية المتينة للاتصالات السلكية واللاسلكية ، والمستشفيات الحديثة ، والمؤسسات الأكاديمية العالمية المستوى ، ومجموعة متنوعة من المرافق التي تدعم نمط الحياة السريع .
ح‌- خلقت الاستثمارات الحكومية الكبيرة في المرافق الحيوية مثل المياه والكهرباء والصرف الصحي والطرق والجسور والنقل العام والرعاية الصحية والتعليم والمرافق الترفيهية ، بيئة آمنة نابضة بالحياة تشجع على العيش والعمل و الزيارة.
2- إن البنية التحتية السياحية في دبي هي واحدة من افضل ما موجود في العالم بفضل مجموعة واسعة من الفنادق على مستوى عالمي بما فيها فنادق رافلز دبي، أتلانتس النخلة، كمبينسكي، فندق أرماني، فنادق جميرا وبرج العرب. فضلا عن وجود العديد من المنتجعات السياحية ، بالإضافة إلى القرية العالمية .
3- تعد العمالة البشرية الماهرة من متخصصين ومهنيين إلى جانب جودة الحياة المتوفرة في المدينة من أهم العوامل المؤثرة في تعزيز الاستثمار الأجنبي والمحافظة على الموقع التنافسي للإمارة .
4- تضطلع المناطق الاقتصادية الحرة والخاصة في دبي بدور مهم في جذب رؤوس الأموال الأجنبية، إذ أنها تستقطب ما يقارب 70- 80 % من إجمالي الاستثمار الأجنبي إلى دبي من حيث عدد الشركات والمشاريع، لكن فيما يتعلق بحجم الاستثمار، فحصة تلك المناطق تقدر بـ 50 %، نظراً لوجود عدة مشاريع إستراتيجية في الامارة وعادة ما تكون ذات قيمة أكبر. وقد تحملت الحكومة في سبيل إقامة هذه المناطق الصناعية تكلفة كبيرة اقتصادية وغير اقتصادية مباشرة وغير مباشرة ، منها الإعفاءات الضريبية وأسعار الطاقة التفضيلية وكذلك إقامة البنى التحتية الصناعية المتطورة والمكلفة والتي تستفيد منها هذه الصناعات بصورة كبيرة ، فضلا عن الاستثمار في البنى التحتية العامة من طرق ومجاري وكهرباء يستفيد في معظمها أصحاب هذه الصناعات والعاملين فيها . فضلاعن التكلفة البيئية والديموغرافية لمثل هذه الصناعات عالية التكلفة ومنخفضة العائد من وجهة نظر الاقتصاد الوطني . لقد شيدت دبي العديد من المناطق الحرة الصناعية والخدمية مثل منطقة جبل علي الصناعية ومدينة دبي للانترنت ومدينة دبي للإعلام وواحة دبي للسيليكون ومركز دبي المالي العالمي
5- القوانين والتشريعات والأنظمة الداعمة للاستثمار العقاري في دبي ، مثل الوضوح، الشفافية، العدل، التي أدت دورا مهما في جذب الاستثمار ، مع الأخذ بقوة القانون وتطبيقه في دبي ، وضمان حقوق المستثمرين، التسهيلات وتعديل القوانين الخاصة بالعقار . فضلا عن ذلك فقد بدأت دبي بإطلاق المشاريع العقارية الضخمة تباعا والتي وظفت فيها عشرات المليارات من الدولارات، مع تعديل القوانين بحيث يسمح للأجانب بالتملك الحر أو الاستثمار في العقارات على أساس الاستئجار لمدة تصل إلى 99 عاما.
ووفر هذا التعديل تدفقا كبيرا للاستثمارات العربية والأجنبية إلى دبي التي ازدادت فيها وتيرة الطلب على العقارات، الأمر الذي دفع باقي الإمارات للسير على خطاها، ثم انتقلت العدوى إلى معظم الدول الخليجية .
6- التسهيلات العديدة التي تقدمها دبي للمستثمرين ، إذ أن دبي لا تفرض أية ضرائب على الدخل الشخصي، أو ضريبة الأرباح الرأسمالية أو ضرائب الاستقطاع. ومع ذلك ، يتعين على جميع الشركات بموجب القانون دفع الضرائب على أرباحها، وذلك بنسبة لا تفوق 55% ، لكن في الممارسة العملية، لا يتعين تسديد الضرائب على الشركات إلا على الشركات المنتجة للنفط فقط، وفروع البنوك الأجنبية. فضلا عن ذلك فإن المناطق الحرة تتمتع بالعديد من الحوافز المالية المغرية، مثل الإعفاء من الضرائب على الشركات لمدة 15 عاماً أو أكثر، والملكية الأجنبية بنسبة 100 ٪ ، إمكانية تحويل 100 ٪ من رأس المال والأرباح.
7- توافر منشآت ترفيهية متعدّدة ، ومنشآت خاصة بالمستهلكين ، ومراكز التسوق المختلفة بما فيها اكبر مركز تسوق في العالم ( دبي مول ) ،والأخذ بمعايير الأمن والسلامة، في مجتمع محلي منفتح ومتساهل يكاد يخلو من الجرائم . مما جعل دبي بيئة حاضنة لمختلف الجنسيات . وقد أصبحت دبي مدينة عالمية بكل المقاييس بفضل فعالياتها العالمية الراقية ، ومناطقها التجارية الشهيرة ، وشواطئها المستلقية تحت أشعة الشمس ، ومراكز تسوقها الفخمة ، وأسلوب الحياة الغني المتنوع الذي يمارسه كل من يعيش على أرضها والذي تولّد بفضل امتزاج كل هذه العوامل معاً .
8- سهولة أداء الأعمال في دبي ، التي تمثلت في الريادة ، من خلال تقديم خدمات ذات كفاءة وجودة عالية ، تنافس بمستوياتها أفضل الممارسات العالمية ، وتضعها في مصاف الدول المتقدمة في التقارير العالمية.. إذ حققت دبي في عام 2012 المركز الثاني عشر على مستوى العالم في سهولة استخراج تراخيص البناء بعد أن كانت في المركز 26، بنسبة تحسن بلغت 54% مقارنة بالعام الماضي، بحسب تقييم البنك الدولي خلال دراسته السنوية التي يجريها تحت مسمى (ممارسة الأعمال في العالم doing business) للعام المقبل 2012. إن هذا التقدم يعد محصلة نتائج معايير التقييم الثلاثة التي تبنى عليها التنافسية وهي: (عدد الخطوات، والمدة، والرسوم)، مشيراً إلى أن الإمارة تقدمت في عدد الخطوات من 17 خطوة عام 2011 إلى 14 خطوة خلال العام 2012 ، وتقدمت أيضا في المحور المتعلق بالمدة من 64 يوماً الى 46 يوماً، وفي الرسوم من 36 % من متوسط الدخل السنوي للفرد، الى 5.2 % فقط (13).
9- منح الموقع الجغرافي لدبي الشركات العاملة بها القدرة على الوصول مباشرة إلى أسواق الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وشبه القارة الهندية

الهوامش

1- موسوعة ويكيبديا ، معلومات متاحة على الموقع الالكتروني : ar.wikipedia.org/wiki
2- حكومة دبي الالكترونية ، دائرة التنمية الاقتصادية ، معلومات متاحة على الموقع الالكتروني
http://www.dha.gov.ae
3- ملامح خطة دبي الاستراتيجية ( 2015 ) ، معلومات متاحة على الموقع الالكتروني :
4- المصدر السابق ،
5- برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ، تقرير التنمية البشرية لعام 2011 ، الجداول الإحصائية
6- حكومية دبي الالكترونية ، مصدر سابق
7- د.ناصر بن غيث ، التنمية الاقتصادية العربية –دبي أنموذجا — ، دار السلام ، معلومات متاحة على الموقع الالكتروني : http://www.darussalam.ae/default.asp
8- مركز السياسات الاقتصادية والأبحاث ، مجلس دبي الاقتصادي
9- مجلس دبي الاقتصادي تحديات الاستثمارات الأجنبية بالإمارة من الجانب التشريعي والتمويلي، 2011 ،جريدة الاتحاد الامارتية ، معلومات متاحة على الموقع الالكتروني :
http://www.alittihad.ae/details.php?id=107951&y=2011&article=full
10- جريدة الرياض ، العدد 15776 ، 3-9-2011
11- جريدة البيان الاماراتية ، 22-11-2011
12- حكومية دبي الالكترونية ، مصدر سابق
13- البيان الاماراتية ، عبر الامارات ، 18-12-2011معلومات متاحة على الموقع الالكتروني : http://www.albayan.ae/across-the-uae/news -….. & 

&.   عن الحوار المتمدن…..

.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى