الاقتصادية

سياسة المالية العامة وصدمة كورونا

سياسة المالية العامة وصدمة كورونا

د. أحمد إبريهي علي

2020 / 4 / 21
الادارة و الاقتصاد

لا شك ان العامل الحاسم في المالية العامة مواجهة الوباء ونتائجه الأقتصادية سنة 2020، وكيفية إدارة الموازنات مع عجز كبير بسبب انحسار الأيرادات وزيادة النفقات. ولتمويل العجز صلة مباشرة مع السوق المالية والمصارف، والبنوك المركزية، واسعار الفائدة. وتمثل الموازنات العامة الحقيبة الرئيسة لأدوات السياسة Policy instruments التي تزاولها الحكومة أيام الأزمات على وجه الخصوص، فضلا عن الوضع الاعتيادي. ومن تفاعل عجز الموازنة العامة مع قطاع المال Financial Sector وعبر الدين الحكومي، وتدويره، وفعل التوقعات قد تتفاقم الأزمة بالتغذية المتبادلة وتزداد صعوبة السيطرة عليها في الدول المتطورة، وتركز الحكومات حاليا على حماية الأقتصاد من الأنزلاق الى هذا المسار. ومثلما أصبحت الولايات المتحدة ودول اوربا الغربية الميدان الرئيس للوباء هي أيضا بؤرة الأزمة الأقتصادية لصدمة كورونا.
المالية العامة في بيئة الصدمة:
فاجأت صدمة كورونا إقتصاد العالم، خاملا، فلم تستانف الدول المتطورة، بعد الأزمة المالية، حيوية ايام ” الأعتدال الكبير”؛ ولازالت البنوك المركزية تحاول حفز الأقتصاد بأسعار فائدة واطئة، والتضخم ادنى من المستويات المناسبة. وقد إنخفض الأستثمار العام في الدول المتطورة منذ عام 1995 وترسخ هذا الأتجاه بعد الأزمة المالية، وللأستثمار العام دور مهم في تنشيط الأقتصاد إضافة على تجديد وتطوير البنى التحتية. ولم تحتفظ الصين بنموها الأستثنائي بعد عام 2012 وهي قاطرة إقتصاد العالم في العقود الأخيرة.
ومن نتائج صدمة كورونا إنكماش الناتج من جهة العرض بسبب القيود والتي تأثرت بها الصناعة الأستخراجية والتحويلية والنقل على نحو اشد؛ وكذلك من جانب الطلب وخاصة من السياحة والسفر والفندقة والخدمات غير الحكومية، وأدى التعطل الواسع في قطاع النقل الى نقص حاد في الطلب على النفط إضافة على أثر انخفاض النشاط الأقتصادي الكلي. ومن نتائج الصدمة هبوط الأيرادات الحكومية، عادة، بنسبة أعلى من إنخفاض الناتج. وفي نفس الوقت تزداد البطالة وينخفض دخل العاملين لحسابهم الخاص أو ينقطع عن بعض الفئات، وترتفع تكاليف الصحة العامة. وتزداد النفقات لتعويض البطالة وإعانة الفئات التي انقطعت عنها مصادر الدخل. وبذا تواجه الحكومات عجزا كبيرا في الموازنة العامة، وتلجأ الى الأقتراض. وفي نفس الوقت يحتاج قطاع الأعمال المتعثر الى قروض ميسرة لتدوير ديونه وتمويل إضافي لسد الخسائر؛ وتحاول الحكومات إقناع الشركات لتحتفظ بالقوى العاملة لقاء إعانات. وتلجا الشركات الى تحويل بعض الديون الى أسهم قد تراجعت اسعارها فترتفع تكاليف التمويل وتضعف جدارتها المالية، وتنعكس هذه في صعوبة حصولها على قروض جديدة من المصارف.
وقد تلجأ الأسَر لطلب المزيد من القروض لذات الأسباب المتمثلة بهبوط النشاط الأقتصادي وتقلّص المصادر الأعتيادية للدخل. وهكذا تبدا الأزمة من انتشار الفايروس، الى القطاع الصحي، ثم فرض القيود على الحركة ومنع التجوال وملازمة المساكن، فينكمش الأقتصاد ليتحول عبء الأزمة الى الموازنة العامة، ثم قطاع المصارف واسواق المال بالنتيحة.
مهام السياسة المالية وصعوباتها:
تتعاظم مسؤوليات السياسة المالية لحفظ الأقتصاد من الأنزلاق الى حلقة التدهور النزولي؛ وتعمل في نفس الوقت على ضمان استمرار الخدمات العامة، وخفض إحتمال الخسائر الكبيرة والأفلاسات في شركات الأعمال والمؤسسات المالية ومنها خاصة المصارف. وتبقى الأولوية الأولى لمنع انتشار الوباء وانقاذ حياة المصابين، ولذا فإن تخصيص نفقات اضافية للقطاع الصحي لا يتزاحم مع المهام الأخرى في الدول التي إعتادت حكوماتها على سياسات رصينة.
اسعار الفائدة منخفضة وتتمكن أغلب الدول المتطورة من الأقتراض بتكاليف واطئة وبعضها، التي عانت من مشكلة ديونها السيادية، تضطر الى تحمل أعباء كبيرة. وعلى العموم تستطيع الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا ودول أخرى إدارة إنفاقها العام بعجز كبير لسهولة تعاملها مع السوق المالية. أما في الدول متوسطة الدخل فعندما يقترن عجز الموازنة العامة مع عجز ميزان المدفوعات الخارجية تظطر الى الأقتراض من الخارج. هذا، إن لم تسعفها تدفقات من الأستثمار الأجنبي وإحتمالها ضعيف أيام الأزمات. وذلك لأن الأموال تتجه نحو الملاذات الآمنة وأوثقها ادوات الدين الحكومي للدول المتطورة عالية الجدارة الأئتمانية.
ولا شك في العجز المزدوج، لكل من المالية العامة وميزان المدفوعات الخارجية، في الدول النفطية مع سقوط اسعار النفط. لكنها تستطيع التوسع في الأقتراض الداخلي إذ تتمكن من تمويل عجوزات موازينها الخارجية إعتمادا على فوائضها السابقة بالعملة الأجنبية وخاصة المملكة السعودية والأمارات والكويت، حتى لو بقيت اسعار النفط منخفضة عام 2921؛ وروسيا تتجاوز الأزمة عام 2020 ويتكيف إقتصادها مع اسعار نفط منخفضة لأمتلاكه مقومات التنوع؛ والعراق يستطيع إدارة الأنفاق الحكومي بسهولة عام 2020، وعند إستمرار أنخفاض أسعار النفط عام 2021 وما بعد يتطلب الأمر سياسات إقتصادية تختلف كثيرا.
وتتحسب الحكومات للمخاطر التي لازالت مرتفعة من جهة الوباء والأقتصاد: إذ إعتمدت التصورات الحالية والمعلنة للمالية العامة على إفتراض الأستئناف التدريحي للأنشطة المعطلة والعودة الى الوضع الأعتيادي، تقريبا، في الربع الثالث من عام 2020. وإزالة أكثر آثار الصدمة عام 2021. ويتوقف هذا المسار على إنحسار الوباء ثم نهايته دون موجة ثانية. وقد شهدت الأسواق المالية تذبذبا في الشهرين الماضيين، وان إستقرارها في غاية الأهمية والمقصود هنا أسعار الأسهم والأسعار السوقية لسندات الدبن. وقد أضاف الأنخفاض الأخير في اسعار النفط عنصرا آخر لعدم الأستقرار لكنها تتحسن مع تخفيف القيود خاصة عن حركة النقل والسفر.
ولا بد للسياسات المالية من الأنتباه الى الأستقرار الأجتماعي الذي يهدده الفقر والتفاوت الحاد في الرفاه والمعاناة وتآكل الثقة بالمؤسسات العامة. لكن قوى المعارضة والرفض أيضا تتحمل مسؤولية، في مثل هذه الأزمات، لأن أضرارالأضطراب الأجتماعي فادحة بالمعايير الأنسانية.

الأنفاق والعجز والدين الحكومي:
يقاس حجم الأنفاق الحكومي بنسبته الى الناتج المحلي الأجمالي، ويعبر، بهذا القياس، عن عبء الدور الحكومي على الأقتصاد الوطني. ويبين،ابضا، ثقل الدولة في النظام الأقتصادي المعاصر.
في عام 2019 بلغ الأنفاق الحكومي في الدول المتقدمة 39% من الناتج المحلي ويرتفع عام 2020 الى 44% وفي دول منطقة اليورو 47% الى 53%؛ وتفاوتت الدول كثيرا : بلجيكا والدانيمارك وفنلندا أكثر من 50% ويزداد ايضا، وفرنسا 56% يصبح 61% لأقرب وحدة مئوية؛ بينما في سويسرا 32% وكوريا الجنوبية 22% وسنغافورة 14% عام 2019 ويرتفع في الدول الثلاث الى 37% و24% و 21% على التوالي. ومن المعروف ان الأزمات والحروب والتغيرات العميقة في السياسات الأجتماعية للدول كانت من أهم أسباب وصول الأنفاق الحكومي الى حجمه الحالي، على سبيل المثال كان في فرنسا 9% من الناتج المحلي عام 1913 و 23% عام 1938. وتُقيّم ضخامة الأنفاق الحكومي بمعيارين مختلفين فمن الزاوية الأجتماعية زيادة الأنفاق الحكومي توسّع إمكانية الأستقرار والعدالة الأحتماعية وتقيّد دور الملكية الخاصة والأسواق في مسار الأقتصاد وتغيراته البنيوية؛ ومن الزاوية الأخرى يتهم القطاع الحكومي بالكفاءة الواطئة. وارى ان معيار الكفاءة ينصرف الى إدارة الخدمات العامة دون النفقات التحويلية وهي جزء مهم من الأنفاق الحكومي.
قي الدول الناهضة ومتوسطة الدخل يزداد الأنفاق الحكومي من 32% الى 34% من الناتج المحلي وفي أوربا من 36 الى 39%؛ ويرتفع هذا المؤشر في الدول التي كانت ضمن حلف وارشو ويوغسلافيا السابقة؛ ويلاحظ المستوى المنخفض للأنفاق الحكومي في إيران واندونسيا 17% الى 19% في الأولى و 16% الى 17% في الثانية لسنتي 2019 و 2020 على التوالي.
أما الدول واطئة الدخل فالمتوسط العام لأنفاقها الحكومي 19% ولا يتغير إلا قليلا بين 2018 و 2921.
كان عجز الموازنة العامة الشامل في الدول المتطورة 2.2% من الناتج المحلي الأجمالي قبل الأزمة المالية الأخيرة واصبح 3% عام 2019 ويرتفع الى 11% عام 2020 وهي زيادة كبيرة، والعجز بهذا الحجم يولد ضغطا لا يستهان به على المصارف وأسواق المال. وفي الولايات المتحدة يرتفع العجز من 6% الى 16% ولمعرفة مضامينه في الأقتصاد الكلي نشير الى كونه أكبر من الأدخار الخاص، ويتطلب تمويله إتساع عجز الميزان الخارجي واستقطاب الأقتصاد الأمريكي لدفعة كبيرة من الأستثمار الأجنبي.
اما في الدول الناهضة ومتوسطة الدخل فيرتفع العجز من 5% الى 9% من الناتج المحلي، وفي الصين من 6% الى 11%؛ وعجوزات الموازنات العامة للدول النفطية ضمن هذه المجموعة. والدول واطئة الدخل يرتفع عجزها من4% الى أقل من 6% ولا تشكل ضغطا على الأقتصاد العالمي.
كان إجمالي الدين الحكومي في الدول المتطورة 105% من الناتج المحلي عام 2019 ويقدر 122% عام 2020. والحكومات ذات المديونية العالية عام 2020 : اليابان 252%، واليونان 201%، وإيطاليا وأيرلندا والبرتغال عالية المديونية ودين الحكومة الأمريكية 131% من الناتج المحلي.
اما الدول الناهضة ومتوسطة الدخل فيرتفع إجمالي دينها العام من 53% الى 62% ؛ والدول واطئة الدخل من 43% الى 47%.
الجهات الاجنبية، حكومات ومؤسسات وافراد، تمول 35% من الدين الحكومي في الدول المتطورة عام 2019، ومن المتوقع زيادة هذه النسبة في السنتين القادمتين؛ بينما في الدول الناهضة ومتوسطة الدخل تمول 18% من الدين الحكومي؛ وفي الدول واطئة الدخل 19%.
سوف تسهم هذه الصدمة في ترسيخ ضخامة مجموع الأصول المالية في إقتصاد الدول المتطورة نسبة الى الناتج المحلي، وفي نفس الوقت تقلصت نسبيا قاعدته الأنتاجية السلعية. وتُستقطَب آليات عمل الأقتصاد نحو الحكومة وقطاع المال أكثر فأكثر….. #

#.   عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى