الاقتصادية

شروط صندوق النقد الدولي على الاقتصاديات النامية

شروط صندوق النقد الدولي على الاقتصاديات النامية

شروط صندوق النقد الدولي على الاقتصاديات النامية

عودت ناجي الحمداني

2012 / 12 / 6


يفرض صندوق النقد الدولي شروطا قاسية على البلدان التي تتقدم لطلب القروض ويلزمها بتنفيذ وصفة الاصلاح الاقتصادي التي هي عبارة حزمة من الاجراءات الاقتصادية والسياسية المخلة بالمصالح الوطنية والتي تؤدي الى ارتهان ارادة البلدان المقترضة الى مشيئة البلدان والمؤسسات الدولية الدائنة.
ان شروط صندوق النقد الدولي لها تداعيات خطرة فهي تؤدي في النهاية الى افقار البلدان النامية المقترضة وتجعلها تدور في حلقة مفرغة وفي فلك البلدان الراسمالية. ان ان الشروط التي يفرضها صندوق النقد الدولي على البلدان المدينة تتلخص في:
أ- على صعيد السياسة الاستثمارية فان شروط صندوق النقد تتحدد في:
1-خصخصة القطاع العام واعطاء الدور الاساسي في النشاط الاقتصادي
للقطاع الخاص.
2- اصدار القوانين التي تضمن مصالح القطاع الخاص المحلي والاجنبي .
3- اعفاء الشركات الاجنبية من الضرائب والرسوم .
4- منح الحق للشركات الاجنبيبة العاملة في تحويل ارباحها ومستحقات منتسبيها من العاملين بالنقد الاجنبي الى الخارج .
ومحصلة هذة الاجراءات هو الضغط على الفئات الفقيرة ونمو الاستهلاك الترفي من النمط الغربي .
ب- على صعيد التجارة الخارجية يحدد صندوق النقد شروطه في :
1- دعم نشاط القطاع الخاص وتهئية كافة الفرص المناسبة لنشاطه.
2- الغاء القيود المفروضة على على الصادرات والواردات السلعية.
3- الغاء نظام الرقابة على النقد الاجنبي وتطبيق سياسة السوق المفتوحة
4- تخفيض قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الاجنبية.
وتهدف هذة الاجراءات الى تخلي الدولة عن حماية منتجاتها الوطنية وفرض نمط التجارة الحرة وخلق الظروف الموضوعية للفئات الطفيلية في تحقيق المزيد من الارباح والاستغلال .
ج- على صعيد الانفاق القومي تتلخص شروط صندوق النقد في :
1- الغاء الدعم الحكومي للسلع التموينية الضرورية لحياة الناس.
2- زيادة الضرائب على السلع المختلفة وزيادة اسعار الماء والكهرباء وخدمات الصحة والتعليم والنقل وماشابه ذلك من الخدمات .
3- رفع اسعار منتجات القطاع العام وتقليص دوره في التنمية الاقتصادية.
4-تخفيض الانفاق الحكومي الجاري وايقاف التعيينات في قطاعات الدولة.
ونستنتج من هذة الاجراءات ان النهج الذي يتبناه صندوق النقد الدولي على صعيد الاستدانة الخارجية يجبر البلدان المدينة على التخلي عن الدعم المالي للسلع الضرورية في حياة المواطنين كالخبز والرز والذرة والشاي والسكر والزيت والمشتقات النفطية وغير ذلك من السلع التي تشكل القوت اليومي للناس . ويلزمها بتخفيض عملتها النقدية مقابل العملات الاجنبية كي تصبح المواد الخام والسلع الاخرى المصدرة الى الخارج باقل ثمن. كما يلزم البلدان المقترضة بتقليص الانفاق على القطاعات الخدمية كالصحة والتعليم والاسكان والضمان الاجتماعي. وبالمقابل يطالب صندوق النقد الدولي البلدان المدينة بزيادة الضرائب على الخدمات اليومية كالماء والكهرباء والنقل والاتصالات وما شابهها .
ان السياسات التي يتبناها صندوق النقد الدولي تهدف الى تحويل البلدان المقترضة الى اسواق مفتوحه لتصريف البضائع الراسمالية باسعار عالية وتخلق الظروف الموضوعية لتحويل الاقتصاد القائم على التخطيط والتوجيه المركزي الى اقتصاد سوق راسمالي تعبث به الراسمالية المتوحشة التي لا تعرف سوى المزيد من الارباح الجشعة .
فالاصلاحات التي يفرضها صندوق النقد الدولي على البلدان المدينة لا تتلائم مع بيئتها الاقتصادية وهي في الغالب غير قابلة للتطبيق ولهذا فشلت مشاريع التنمية وازدادت مشاكل البلدان الاقتصادية والمالية.
فقد طبقت اصلاحات الصندوق في امريكا اللاتينية ومنها الارجنتين والبرازيل وشيلي الا ان الديون الخارجية لهذة البلدان ازدادت بنسبة 38,69% بين عام1960 و1983 . وادت الاصلاحات التي نفذتها الارجنتين الى ارتفاع الضرائب والبطالة بنسبة 30% وسيطرة الشركات الاجنبية على البنوك الوطنية وانتهى الامر بانهيار اقتصادي في عام 2000.(1) 0
وفي اليونان ادى تطبيق وصفة صندوق النقد الدولي وبرامج التقشف لمعالجة ازمة ديون اليونان الخارجية الى تعميق الازمة الاقتصادية والمالية والى اعلان اليونان افلاسه و عجزه على الوفاء بخدمات ديونه الخارجية وانهيار اقتصاده . فقد ارتفع حجم الدين الخارجي بين سنوات 2004 ––2009 الى اكثر من 70 مليار يورو . وتشير الاحصاءات الرسمية ان حجم الدين الخارجي الحقيقي هو 300 مليار يورو . غير ان اللجنة المستقله التي شكلتها الحكومة الاشتراكية للتحقق من حجم مديونية اليونان الخارجية اعلنت ان الديون الخارجية قد تصل الى اكثر من ترليون يورو. وتتضح معالم الازمة الاقتصادية والمالية التي تعصف باليونان عند مقارنة حجم الدين الخارجي مع الدخل القومي الاجمالي البالغ 260 مليار يورو في العام 2009. فارتفعت نسبة الدين الخارجي الى الدخل القومي الاجمالي 400% بافتراض ان حجم الدين العام 948 مليار يورو. (2) ويتوقع ان تؤدي الاجراءات التقشفية التي اعلنتها الحكومة اليونانية الى تراجع الدين الخارجي الى 500 مليار يورو وبلوغ اعباؤه السنوية نحو 22 مليار يورو.
و نستنتج من ذلك ان الاقتصاد اليوناني في حالة انهيار بسبب ما يعانيه من عجز دائم واقتراض خارجي وداخلي. فالعجز الدائم في الموازنة يدفع باستمرار الى الاقتراض الخارجي . ان حزمة الانقاذ المالي التي قدمها الاتحاد الاوربي الى اليونان مشروطة بتنفيذ الاجراءات التقشفية و منها إعفاء 150,000 موظف من العاملين في القطاع العام وخفض الاجور و المرتبات ومعاشات التقاعد ورفع سن التقاعد وزيادة ضريبة الدخل والضريبة على السلع ودمج أو حل العديد من مؤسسات القطاع العام في سبيل خفض الإنفاق القومي . وبذلك يمكن القول إن تلك الخطة هي عقوبة للشعب اليوناني وابعد ما تكون خطة للانقاذ للخروج من نفق الأزمة المستحكمة .
وقد أدت اجراءات التقشف التي نفذتها اليونان إلى انهيار العديد من المؤسسات الصغيرة والمتوسطة، والى إضعاف قدرة الدولة وفاعليتها. فقد ارتفع عدد العاطلين عن العمل الى اكثر من مليون شخص وتدهور النمو الاقتصادي إلى الصفر مما ادى الى تدني القدرة التنافسية للسلع اليونانية وتخفيض الاجور والرواتب و رفع نسبة الضرائب وانعكس ذلك سلبا على المستويات المعيشية واصيب الاقتصاد بالركود والتضخم و الكساد . كما ادت خطة التقشف إلى خروج العديد من الشركات الأجنبية واليونانية إلى دول أخرى كبلغاريا ورومانيا.وهروب رؤوس اموال تقدر باكثر من 90 مليار يورو وحوالي 600 مليار يورو الى البنوك السويسرية وتسبب ذلك في زيادة النقص الحاد في السيولة النقدية والعجز في عمليات الإقراض والتمويل الداخلي . فالتدهور في الاحوال الاقتصادية والمعيشية دفع عدد كبير من الكفاءات اليونانية للهجرة إلى الخارج للبحث عن العمل والاستقرار، و بلغ عدد الكفاءات المهاجرة الى المانيا وحدها اكثر من 23 ألف شخص من الكفاءات المختلفة بالاضافة الى الكفاءات المهاجرة الى أستراليا ودول أوروبية أخرى.
ونستنتج من ذلك ان اجراءات صندوق النقد الدولي لانقاذ اليونان أدت إلى تعميق الأزمة المالية والاقتصادية وتعقيدها ، و الى انهيار الاقتصاد اليوناني.
وبالنسبة الى العراق فان الاصلاحات التي دشنتها الحكومة العراقية برفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية وتخفيض مفردات البطاقة التموينية من 12 سلعة جيدة الى 4 سلع رديئة و انتظار الفرصة الملائمة لالغاء البطاقة التموينية كليا والانتقال بهدوء الى خصخصة القطاع العام فان هذة الاجراءات المضرة بمصالح المجتمع احد شروط صندوق النقد الدولي لتخفيض ديون العراق الخارجية 80%. وسوف يتوقف تخفيض هذة النسبة من ديون العراق الخارجية على مدى التزام العراق وجديتة في تنفيذ الاجراءات التي تضمنتها وصفة صندوق النقد الدولي.
ان حزمة الاجراءات والتشريعات التي اصدرتها الحكومة العراقية هي لخدمة هذا التوجه والتي ادت الى أرتفاع اسعار المشتقات النفطية والسلع الغذائية والخدمية بنسب متفاوتة . فارتع سعر اللتر من البنزين من 20 دينار الى 450 دينار وما زال صندوق النقد الدولي يطالب برفع سعر اللتر الى 750 دينار.كما الزم صندوق النقد الدولي الحكومة العراقية بخفض الانفاق الحكومي في الموازنة العامة واسفر ذلك عن عدم ايلاء أي اهتمام بالاحوال المعيشية للطبقات الفقيرة والمسحوقة بما فيها فئة المتقاعدين مقابل الانفاق الكبير على الاجهزة الاستهلاكية.كما ادت هذة الاجراءات الى انتعاش الفساد المالي والاداري وزيادة نسب البطالة واستمرار التدهور في الخدمات اليومية .
ان الطريق الاصوب للخروج من هذا النفق الذي اوقع العراق فيه صندوق النقد الدولي ومن ورائه القوى الامبريالية الهادفة الى نهب خيرات العراق البترولية والمالية هو بانتهاج سياسة اقتصادية تقوم على مبدا التخطيط المستقل الذي يستثمر قدرات البلد المادية والمالية لبناء اقتصاد متنوع في الصناعة والزراعة والخدمات وتغيير الطابع الريعي للاقتصاد العراقي. والخطوة الاولى لهذا التوجه هوحل مشكلة المديونية الخارجية للتحرر من الشروط الاستعمارية لصندوق النقد الدولي .

واذا اخذنا السودان كمثال اخر باعتباره بلد عربي وافريقي في ان واحد
فبموجب توصيات صندوق النقد الدولي عرضت حكومة السودان 63 مرفقا صناعيا وزراعيا وخدماتيا للبيع او الايجار وادى هذا الاجراء الى خصخصة كافة مؤسسات القطاع العام. و الغت حكومة السودان كافة انواع الدعم المقدم الى السلع التموينية كما الغت الدعم المقدم الى خدمات الصحة والتعليم والاسكان واتخذت اجرائات تقشفية صارمة فزادت اسعار الماء والكهرباء والنقل والاتصالات. وقد ادت هذة الاجراءات الى تبعات كارثية على المجتمع السوداني فتدهورت قيمة العملة السودنية من
من 2,87 دولار للجنيه الواحد عام 1975 الى اقل من سنت واحد في العام 1995. و ارتفاع نسبة البطالة الى اكثر من 30% في العام 2000 . . والى زيادة مديونية السودان الخارجية من 5163 مليار دولار عام 1980الى 20200 مليار دولارعام 2000. (3)

وتعتبر فنزويلا الدولة الوحيدة التي تمردت على سياسات صندوق النقد الدولي ورفضت الخنوع لشروطه واقدمت على انتهاج سياسة وطنية وتقدمية افلحت في تحقيق انجازات عظيمة على الاصعدة الاقتصادية والاجتماعية اكدت قدرة نظامها التقدمي في شق الطريق نحو التنمية الاقتصادية والاجتماعية والصمود بوجه الغول الامبريالي واتخاذ الاجراءات الضرورية لحماية الاقتصاد الوطني من عبث الراسمال الاحتكاري.
ان دول العالم وعلى وجه الخصوص البلدان النامية باتت تطالب بالحاح شديد بضرورة تغيير اليات عمل صندوق النقد الدولي التي ادت الى تكبيل الاقتصادات النامية بجبل من الديون الخارجية وباعباء ثقيلة شلت قدرتها على التنمية الاقتصادية0فالتنمية في البلدان المدينة تعتمد على التمويل الخارجي وعندما يتوقف التمويل لتلك البلدان سوف تتوقف التنمية. ان نهج سياسة التقطير المالي الذي سار سار عليها صندوق النقد الدولي ادى الى افشال برامج التنمية وتدمير المشروعات القائمة قيد التنفيذ. وعليه فان صندوق النقد الدولي باجباره البلدان المدينة الى الاذعان لشروطه الجائرة التي تعتصر دماء شعوب البلدان المدينة لتسديد المستحقات المترتبة على مديونيتها من اقساط وفوائد. فالشروط المجحفة لصندوق النقد الدولي بحق البلدان الفقيرة هو استغلال لظروفها المالية والاقتصادية الصعبة وتدخل في شؤونها الداخلية والتاثير على توجهاتها الوطنية.

ويتضح مما تقدم ان صندوق النقد الدولي هو وكيل ومحامي مؤتمن على مصالح البلدان الراسمالية و اداة لتنفيذ برامجها الهادفة الى نهب خيرات البلدان النامية, وبذلك يصبح الوجه الاخر للراسمالية الطفيلية. *

* عن الحوار المتمدن

(1) مصدر الارقام, د. ابراهيم كرسلي, ديون العالم الثالث, الندوة الدولية, بني غازي, ليبيا,1987.

(2) النشرة الشهرية لصندوق النقد الدولي لسنة 2012.

(3) مصدر الارقام,ا.د. محمود هاشم عوض, علاقة السودان وصندوق النقد الدولي، مجلة الصناعة، الخرطوم, مارس 1996

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى