عامة

عن مثقفي المحافظات

عن مثقفي المحافظات

يوسف ابو الفوز

2010 / 3 / 1

دردشة

الاسبوع الاخير، كنت في السماوة الحبيبة ، نعم ـ عزيزي القاريء ـ السماوة ذاتها التي تغنى الشعراء والمطربون بفراتها ونخيلها وجمال صباياها وبسالة ثوارها وتضحيات مناضليها، ووجدت ان احوالها تصح ـ تماما ! ـ على ما نسميه دائما في احاديثنا وكتاباتنا بـ ” تركة النظام المقبور”، فهذه المدينة الباسلة، التي تنفس ابناؤها تأريخها الثر من ايام اوروك وجلجاميش وشعلان ابو الجون ومحمد الخضري والشيخ مهدي السماوي وصعودا لما جاء بعدها ،هذه المدينة التي شهدت سنوات طفولتي وصباي، لم تعد تلك السماوة التي تريد صديقة الملاية الطيران أليها والعيش فيها “خذني وطير بيه للسماوه …” ، ولا التي تلوع فيها قلب حضيري ابو عزيز فراح يدعّي عليها ” ريت السماوة بنار وتظل خرايب … طبيت لها شاب وطلعت شايب ” ، ولا التي تغنى حسين نعمة بنخيلها ” نخل السماوة يقول طرتني سمره … ” ، صارت السماوة الان ـ قياسا بما كانت عليه قبل تسلط المجرم المقبور صدام حسين ـ تبدو للناظر وكأنها مدينة في فلم مستقبلي يتحدث عن فترة ما بعد حروب كونية ما ، وكأنها … ، … لنكتفي بهذا ـ عزيزي القاريء ـ حتى لا يشت بنا الحديث بعيدا ، ولنسأل ونأمل : هل سينهض العراق كوطن وتنهض السماوة كمدينة ؟! هذا سؤال نتوقف عنده ونعود الى غرضنا الاساس لهذا الاسبوع ، ففي خلال وجودي في السماوة، زرت الصديق المخرج السينمائي المبدع هادي ماهود الى بيته ، المخرج الذي تخلى عن الحياة في استراليا ــ او كما يقول البعض : ترف الخارج ! ــ وعاد ليستقر في مدينته ، ليحاول من هناك المساهمة في صناعة سينما عراقية جادة ، وزيارتي كانت ليس لمعرفة اخر نشاطاته ومشاريعه الفنية ، بل للأطمئنان اليه واحواله الصحية، اثر الحادث المروري المريع، الذي تعرض له واخوه ، الذي كان يقود السيارة ، على طريق تل اللحم على مشارف مدينة الناصرية ، وذلك خلال عودة هادي ماهود من المشاركة في مهرجان دبي السينمائي والذي مثل فيها بلده العراق خير تمثيل، هذا الحادث الذي ادى الى اصابات في ركاب السيارة ، ومنها تهشيم وجه صديقنا المخرج هادي ماهود ، وقد نقلت الفضائيات والصحف اخبار الحادث ، فعلم به كل متابع ، لكن صديقنا المخرج من بعد الحادث عانى الامرين حتى تم نقله الى الكويت للعلاج المناسب، بمبادرة مشكورة من الملحق الثقافي الكويتي في لندن !! ، الذي اتصل به اصدقاء اوفياء لمخرجنا السماوي ، ولولا هذه المبادرات الكريمة ـ عزيزي القاريء ـ لكان حال الصديق هادي ماهود يصلح مادة لعنوان فلم سينمائي اسمه “الاهمال والتهميش للمثقفين في العراق الديمقراطي” . ان الجلوس الى هذا المبدع والاستماع الى شكواه لما يعانيه ، تطرح في البال حالا قضية، علاقة مؤسسات الدولة بمثقفيها والمسؤولية عن حالهم الصحي والمعيشي قبل الحديث عن ابداعهم وانتاجهم وكيفية دعمه ، فهم بشر شأن غيرهم، يمرضون ويتعرضون الى حوادث وينتكسون نفسيا ، والمطلوب ان توجد انظمة وقوانين عادلة تضمن هذه الرعاية ، لا ان يكونوا خاضعين لمكرمات هذا المسؤول او ذاك على طريقة الديكتاتور المقبور ومكرماته التي اذلت الناس والمثقفين لا نفعتهم ، وما تعرض له الفنان هادي ماهود يطرح في البال حال مثقفي المحافظات وشكواهم المستمرة من الاهمال والتهميش على مختلف الصعد ، والتي لا تطلق هنا جزافا ، ومن باب البطر ، بل تأتي من وقائع ملموسة ومتتالية تكاد تكون مسلسل يفوق المسلسلات التركية في عدد حلقاتها واجزائها . في ايام سلطة العفالقة المقبورة ، كان البعض من مثقفي المحافظات يرضى بأن يكون بعيدا عن الاضواء ـ مهمشا ! ـ ، حتى لا يجبر على القيام بما يتعارض مع افكاره وميوله الابداعية ، الان ونحن نعيش مرحلة جديدة نؤسس فيها لعراق جديد ، نريده عراقا للجميع ،عابراً للطوائف والقوميات والعشائرية والمناطقية ، ماالذي يمنع من الاخذ بيد مثقفي المحافظات لينالوا حقوقهم ويحصلوا على فرصتهم المناسبة ، في الرعاية والعمل والنشاط وتقديم ابداعهم ليمكنهم المساهمة بشكل جاد في بناء هذا الوطن ؟ . على طول تأريخ المسيرة الثقافية للعراق قدمت المحافظات اسماء لامعة من المبدعين ، شعراء وفنانين وكتاب قصة ـ وايضا سياسيين ! ـ ، ولا نريد هنا ان نذكر اسما فننسى واحدا منهم ، حتى لا نتهم بالمناطقية او التعصب لمحافظة ما ، فأترك الامر لذاكرتك ـ عزيزي القاريء ـ وانا اثق بك ما دمت تمنحنا بعض وقتك وتقرأ هذا العمود . ولنتسائل معا وبصوت عال : أيمكن ان نبني عراقا جديدا ـ تكون فيه الثقافة للجميع ـ وتبقى العاصمة فقط هي محل اهتمام الحكومة والمسؤولين ، ويبقى حال المحافظات ومثقفيها هو الاهمال والتهميش ؟ ان مسؤوليات كبيرة في هذا المجال ملقاة على عاتق نوابنا البرلمانيين الجدد والحكومة الجديدة ، ونتمنى ان يلتفتوا قليلا الى مثقفي المحافظات ، وان تكون هناك قوانين شاملة ، وخططا ثقافية وبرامج عادلة لا مجال فيها للاقصاء والتهميش ، وتضمن حقوق الجميع في العاصمة والمحافظات .
وسنلتقي !……. #

#.   عن الحوار المتمدن…

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى