الاقتصادية

عوائق الاستثمار في العراق

عوائق الاستثمار في العراق

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2012 / 5 / 29
الادارة و الاقتصاد

يتجه الاستثمار بشكل عام إلى الاقتصادات التي توصف بأنها جاذبه له والتي تتمتع بعدد من المزايا تدفع بالمستثمرين إلى توجيه استثماراتهم إلى هذا البلد دون ذاك ، إذ أن تراجع الحافز لدى المستثمرين لتوجيه استثماراتهم إلى بلد معين يتوقف على عدد من المحددات أو العوائق التي تواجه هذه الاستثمارات فتحول دون جذبها (استثمارات أجنبية) ، أو تؤدي إلى هروبها (استثمارات محلية) ، وتتمثل هذه العوائق بالنسبة للاقتصاد العراقي في الآتي :
أولا: عدم الاستقرار السياسي والأمني :
يعد الاستقرار السياسي والأمني احد المحددات الرئيسة في اتخاذ القرار الاستثماري ، إذ أن تمتع البلد بالاستقرار السياسي من حيث نظام الحكم ، واستقرار الحكومات ، وطبيعة العلاقات بين الأحزاب السياسية وحالة الديمقراطية السائدة داخل البلد تسهم في توفير المناخ الملائم لجذب الاستثمار ، وأن عدم الاستقرار السياسي والأمني يعد عائقا أمام الاستثمارات ، إذ يسهم بوجه خاص في هروب رؤوس الأموال المحلية والى تقييد الاستثمارات الأجنبية عن التدفق إلى الداخل ، إذ أن انعدام الأمن هو العدو الأول للاستثمارات الخاصة وخصوصا الاستثمار الأجنبي الخاص، وذلك لأنه يزيد من كلفة الأمن والحماية للمشاريع الاستثمارية ويرفع أيضا من كلفة النقل و يجزئ السوق ويفاقم التضخم ، وعلى الرغم من أن مناطق العراق الجنوبية والشمالية تتمتع بقدر معقول من الاستقرار والأمن، إلا أن الأمر يتطلب أبعد من ذلك ، أي ضرورة استتباب الأمن في العراق بأكمله ، لان قرارات الاستثمار الأجنبي المباشر هي قرارات بعيدة المدى أي إنها ذات آجال طويلة ولذلك يهتم المستثمر ولا سيما المستثمر الأجنبي بالوضع السياسي والأمني العام في البلد وليس لأجزاء منه .
إن الاستثمار الخاص المحلي والأجنبي يبحث عن البيئة المستقرة سياسيا ، فتراه يحجم عن الاستثمار في تلك البلدان التي تتعرض بين مدة وأخرى إلى انقلاب عسكري أو سياسي ، لان ذلك يمكن أن يؤدي إلى تغيير السياسة الاقتصادية ومنها النظرة إلى الاستثمار والقوانين والإجراءات وهذا بالطبع يضعف الحافز على الاستثمار ، فضلاً عن ذلك فان طبيعة العلاقة بين الأحزاب السياسية ، والمضاربات السياسية، ودور المعارضة في البلد إن وجد ، وانتشار الجريمة وانعدام الأمن كل ذلك يشكل عائقا أمام الاستثمار في البلد .
وتشير إحدى الدراسات لصندوق النقد الدولي إلى وجود علاقة وثيقة بين النمو الاقتصادي وظاهرة عدم الاستقرار السياسي ، إذ تؤكد هذه الدراسة أن زيادة عدم الاستقرار السياسي والأمني تؤدي إلى تخفيض النمو الاقتصادي ، إذ يعد النمو الاقتصادي أحد العوامل البارزة والمؤثرة في الاستثمار التي تسهم بشكل كبير في جذب الاستثمارات وتوسيعها ، ومن هذا المنطلق نرى أن عدم الاستقرار السياسي والأمني سوف يعوق أيضا وبشكل غير مباشر الاستثمار في البلد من خلال تراجع معدلات النمو التي تؤدي بدورها إلى تراجع مستويات الاستثمار .
وعند تحليل الواقع السياسي والأمني في العراق نجد أن المدة الممتدة من عام 1997 وما قبلها وحتى عام 2003 ، قد شهدت عدم استقرار سياسي ، بدءا من الحروب التي شهدها العراق وما تلاها من مقاطعة سياسية تمثلت في فرض الحصار الاقتصادي مما أدى إلى اعتماد سياسات اقتصادية كلية خاطئة ، وبالرغم من ذلك فقد حاولت الدولة آنذاك تشريع قوانين تدعم الاستثمار في محاولة منها لجذب الاستثمارات في العراق ، إلا أن ذلك لم يكن ذو فاعلية بسبب الوضع السياسي والأمني غير المستقر مع عدم التفاؤل بالمستقبل مما أدى إلى فشل استقطاب رؤوس الأموال الأجنبية إلى الداخل والى هروب رؤوس الأموال المحلية إلى خارج البلد .
وعلى مدى عامي 2003 و 2004 شهد الوضع السياسي اضطرابا ملحوظا على الرغم من تشكيل مجلس الحكم ، إلا أن الوضع السياسي شهد حالة تحسن خلال عام 2005 بإقرار الدستور وأجراء أول انتخابات حرة في العراق ، إذ يعد ذلك مؤشراً نحو تحسن الوضع السياسي والتفاؤل بانتشار الديمقراطية وسيادة القانون بالرغم من انتشار الفساد الإداري والمالي ، وتضارب الاتجاهات السياسية المختلفة . وعلى صعيد آخر فقد حقق الوضع الأمني تحسنا ملحوظا ، إلا أن وجود حالات الاغتيالات المقصودة وعمليات الخطف والتفجير والتهديد ، للأفراد والشركات أدت إلى إعاقة عملية تدفق الاستثمارات إلى العراق ، مما يتطلب للقضاء عليها حشد الجهود والإمكانات المحلية والإقليمية والدولية لأنها مسألة لا ترتبط بالجانب العراقي فقط .
إن عدم الاستقرار السياسي والأمني سيكون عامل طرد لدخول الشركات الأجنبية وهروب رؤوس الأموال المحلية من الاقتصاد العراقي ، وهنالك العديد من الآراء تؤكد أن عدم حصول تقدم في المجال الأمني وشيوع عدم الاستقرار السياسي يعد أحد أبرز الأسباب التي تعوق الشركات عن الدخول في العملية الاستثمارية ، أن هذه الشركات تستطيع أحيانا الاعتماد على شركات أمنية أو قوات عسكرية تمكنها من تجاوز هذه المعضلة ، فضلا عن ذلك فان هناك قطاعات معينة كالقطاع النفطي سوف تكون مجالا لدخول الشركات الأجنبية إلى العراق لاعتبارين رئيسين ، يتمثل الأول في الجانب الاستراتيجي لهذا القطاع الذي يدفع الولايات المتحدة الأمريكية لتأمين الحماية لهذه الشركات ، أما الآخر فيتمثل في ارتفاع العوائد في هذا القطاع التي ستكون حافزا كبيرا لتحمل درجة عالية من المخاطرة . وهذا الأمر يمكن ملاحظته في كولومبيا ، إذ كانت هناك حالة من الرفض لدخول الشركات الأجنبية في الاقتصاد الكولومبي ، وكانت هناك بعض الجماعات المعارضة تقوم بتفجير الأنابيب التابعة إلى الشركات النفطية الأجنبية إلا إن تلك الشركات نجحت في القضاء على تلك الجماعات المعارضة وقدمت العديد من الدعم المالي للحكومة الكولومبية من اجل القضاء على تلك الجماعات سعيا لتأمين مصالحها الاقتصادية .
وكذلك الحال بالنسبة إلى الشركات التي دخلت إلى أفغانستان إذ أنها تعاملت مع حركة طالبان (قبل الإطاحة بها) ، فقد تمكنت الشركات الأجنبية من إبرام العديد من الاتفاقيات معها منذ عام 1996 ، وقدمت لها مبالغ مالية كبيرة وعندما قيل لشركة (يوتكال) (أن حركة طالبان حركة قمعية رجعية إرهابية قال المتحدث باسم الشركة مايك تاتشر نحن شركة نفط وغاز وسوف نذهب إلى حيث يوجد النفط والغاز) . وهذا أمر منطقي إذ أن الشركات الكبيرة تستعين بشركات حماية متخصصة في شؤون الأمن والحماية للقيام بهذا الغرض ، وهذا الحال ينطبق على الاقتصاد العراقي ، إذ تتميز الموارد النفطية بوجودها في مناطق بعيدة عن المدن ، مما يسهل حمايتها وحماية رؤوس الأموال التي يمكن إن تستثمر فيها من خلال الاستعانة بشركات الحماية الخاصة بهذا الغرض .
وبناءً على ما تقدم يمكن القول إن عدم الاستقرار السياسي والأمني يعد عائقا رئيسا في جذب الاستثمارات أو توسيعها في الاقتصاد العراقي ، فالبيئة السياسية العراقية غير مكتملة الملامح وأن إقامة ديمقراطية حقيقية ما زالت في طور تكوين بما يمكن أن تنطوي عليه من تعددية سياسية وعلاقة متوازنة بين الأحزاب السياسية ومكافحة الإرهاب وإقامة المؤسسات التي تضمن سلامة الاستثمارات .
ثانياً: ضعف القطاع الخاص :
تزايد دور الدولة في الحياة الاقتصادية في العراق منذ مطلع الخمسينات على أثر ارتفاع العوائد النفطية بعد اتفاقية مناصفة الأرباح مع الشركات الأجنبية ، وقد تجلى هذا الدور في حجم الاستثمار العام والإنفاق على توسيع الخدمات التعليمية والصحية وتنامي قطاع الإدارة الحكومية العامة بمختلف اختصاصاتها ، حتى أصبحت الإدارة الاقتصادية في العراق تتسم بدرجة عالية من المركزية ليس من الناحية القانونية فحسب ، بل إن المبادرة في تحضير واتخاذ القرارات الاقتصادية الحاسمة والمؤثرة هي مركزية ايضاً .
ونتيجة لذلك فقد نشأ القطاع الخاص ضعيفاً وغير منتظم على الرغم من اضطلاعه في فترات من تاريخه الاقتصادي بدور اكبر في الحياة الاقتصادية ، لقد هيمن القطاع الخاص في ظل ذلك على بعض الأنشطة ، حيث المنشآت الصغيرة والنشاط الفردي هو الغالب بمعنى أنه ما يزال بعيداً عن مزايا الإنتاج الكبير في الإدارة والتسويق والاستثمار واختيار التكنولوجيا ، فضلا عن أنه يفتقر إلى المبادئ الحديثة للعمل والممارسات التجارية . ولقد عمدت الإدارة الاقتصادية للدولة في عقد التسعينات إلى أعطاء دور أكبر للقطاع الخاص تجلى بشكل واضح في إصدار بعض القوانين التي فسحت المجال أمامه ليضطلع بدور أكبر في الحياة الاقتصادية في ظل الحصار الاقتصادي المفروض وقتها ومحاولة توفير القروض من خلال تأسيس صندوق التنمية الذي أسهم بتوفير رؤوس الأموال للقطاع الخاص المحلي ، إلا أن الوضع السائد في تلك الفترة وما عاناه الاقتصاد العراقي من مشكلات اقتصادية وسياسية تمثلت في زعزعة الأمن والاستقرار السياسي ، وشحة المواد الأولية وارتفاع تكاليفها فضلا عن التضخم الذي أسهم بشكل كبير في تآكل رؤوس الأموال المحلية ، كل ذلك دفع القطاع الخاص إلى تحويل بعض رؤوس أمواله إلى خارج البلد بحثا عن فرص أفضل للاستثمار .
وقد بلغت نسبة تكوين رأس المال الخاص بالنسبة إلى إجمالي التكوين الرأسمالي 27.3% عام 1997 ، ثم ارتفعت في عام 1998 لتبلغ 38.3% ، وذلك بسبب سياسة الدولة وقتها والتي حاولت فيها تشجيع وجذب استثمارات القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) إلى داخل الاقتصاد من خلال إصدار القوانين الخاصة لتشجيعه وتأسيس لجنة الاستثمار التابعة إلى قسم الاستثمار في وزارة التخطيط التي تتولى مهمة مناقشة وتسهيل الإجراءات الخاصة بالمستثمرين في القطاع الخاص (المحلي والأجنبي) . وفي عام 1999 تراجعت هذه النسبة قليلاً لتصل إلى 38.1% واستمرت بالتراجع لتصل إلى 30.6% ، 28.3% ، 18.3% للأعوام 2000، 2001، 2002 على التوالي . ويعود سبب الانخفاض إلى تأزم الوضع السياسي بشكل كبير ، إذ بلغت التهديدات الخارجية أوجها فضلا عن تعاظم دور المعارضة وارتباك الوضع الداخلي وعدم اليقين بالمستقبل ، فضلا عن مسألة ارتفاع المستوى العام للأسعار وبشكل متزايد معا دفع المستثمرين المحليين إلى التوقع باستمرار هذا الارتفاع وبالتالي هروب رؤوس الأموال الخاصة بالقطاع الخاص المحلي إلى خارج البلد حفاظا على أموالهم، فضلا عن ضعف البيئة الاستثمارية العامة وشيوع عدم الثقة في سياسات الدولة تجاه القطاع الخاص والتي تذبذبت بين مدة وأخرى بين تشجيع النشاط الخاص وتأميمه ، فضلا عن سيطرة الدولة على القطاع المالي والمصرفي وعجز هذا القطاع عن تلبية

حاجات القطاع الخاص لرأس المال وأداء دوره في تعبئة مدخرات الإفراد والمؤسسات وتحويلها إلى استثمارات في القطاعات الإنتاجية للقطاع الخاص.
وبعد سقوط نظام الحكم في العراق عام 2003 ، شهد الوضع السياسي والأمني والاقتصادي حالة من الإرباك والفوضى أسهمت هي الأخرى باستمرار انخفاض نسبة تكوين رأس المال الثابت الخاص إلى إجمالي التكوين الرأسمالي الكلي ، إذ بلغت حوالي 12.9% عام 2004 ثم انخفضت إلى 4.3% عام 2005 و7.1% عام 2006 ، على الرغم من التأكيد على أعطاء القطاع الخاص دورا أكبر في العملية الاقتصادية وفي تحريك الاقتصاد على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية ، إلا إن نسبته استمرت بالانخفاض نظراً لضعف إمكاناته قياساً بالقطاع العام . وعلى الرغم من ذلك فقد نشط القطاع الخاص المحلي في العراق بشكل ملحوظ في قطاع التجارة ، إلا انه بشكل عام بقي ضعيفاً لاسيما في القطاعات الإنتاجية وغير قادر على تولي مسؤولية إدارة النشاط الاقتصادي الخاص بشكل فاعل ، مما يشكل إعاقة حقيقية للاستثمار ، إذ تتطلب العملية الاستثمارية وجود أفراد ومؤسسات وشركات لديها الخبرة الكافية والموارد المالية والتقنية اللازمة للدخول في عملية الاستثمار ، وعليه فأن ضعف القطاع الخاص المحلي يشكل احد العوائق الرئيسة التي تواجه الاستثمار في العراق.
ثالثاً : انخفاض كفاءة البنية التحتية :
يعاني الاقتصاد العراقي من تخلف واضح في البنية التحتية التي تشمل الطرق والجسور والمطارات ووسائل النقل والكهرباء والاتصالات وغيرها ، بسبب تأثرها بشكل كبير بالحروب التي مر بها العراق ، فقد ألحقت الحرب العراقية الإيرانية أضراراً بالغة بالبنية التحتية ، ثم جاءت حرب الخليج الثانية لتجهز على البنية التحتية وما أعقبها من عمليات تدمير ونهب ، إلا أن المدة الأخيرة الممتدة من عام 2003 وحتى عام 2007 ، قد شهدت تحسناً طفيفا لبعض البنى التحتية في أجزاء من العراق ولاسيما مناطق الجنوب ، كإنشاء الجسور وتعبيد الطرق وفتح المطارات (مثل فتح مطار النجف الدولي وإعادة تأهيل وفتح مطار البصرة الدولي) ، وغيرها من المشاريع الأخرى ، وقد ساعد على ذلك الوضع المستقر في تلك المناطق . وبالرغم من ذلك التحسن النسبي البسيط إلا أن البنية التحتية ما تزال تعاني من التخلف والإهمال مثل خدمات البلدية كالماء والكهرباء ، وما يعكسه ذلك من تراجع في مستوى القطاعات الأخرى كالقطاع الصناعي، فبالنسبة لقطاع الكهرباء نرى أن إنتاج الطاقة الكهربائية نما بمعدل سنوي قدره 2.8% خلال عقد التسعينات ، وهو أقل من معدل نمو السكان ، في حين ازداد استهلاك الكهرباء بمعدل نمو سنوي قدره 8% تقريباً . وهذا يشير إلى انخفاض واضح في مستوى إنتاج الطاقة الكهربائية ، ويعود السبب في ذلك إلى الدمار الذي أصاب محطات الكهرباء في العراق وعدم توفر المواد الأولية وقطع الغيار الضرورية للصيانة والخدمات ، فضلا عن الحصار الاقتصادي الذي أسهم في تعزيز هذه المشكلة .
ونتيجة لذلك فقد تدنت مستويات الكفاءة الاستثمارية بشكل كبير، كما بقيت معدلات التشغيل في محطات الكهرباء في مستوى واطئ لم يتجاوز الـ 25% من السعة المؤسسية بالرغم من زيادة الطاقة الكهربائية خلال السنوات الأربع التي تلت عام 2003 ، إذ بلغ إجمالي السعة المؤسسية ما مقداره 3550 ميكا واط عام 2004 تزايد عام 2005 ليصل إلى 5390 ميكا واط ثم عاود الانخفاض ليصل إلى 4500 ميكا واط في عام 2006 ، وذلك بسبب اتساع أعمال التخريب في المحطات والأبراج الكهربائية . كما أسهم هبوط كفاءة الاستثمار في شبكات نقل الطاقة وشبكات التوزيع وعدم حصول تقدم تقني للمحطات الفرعية منذ نهاية الثمانينات في تفاقم المشكلة ، فضلا عن تباطؤ تنفيذ الأهداف الاستثمارية المحددة لقطاع الكهرباء في المدة التي أعقبت عام 2003 ، وذلك بسبب تفشي ظاهرة الفساد الإداري في الوزارات ومنها وزارة الكهرباء كما إن انخفاض أنتاج الكهرباء كان جزءا من ظاهرة تدني نسب النمو في القطاعات المختلفة .
إن انخفاض مستوى كفاءة البنية الأساسية وبالأخص إنتاج الكهرباء في البلد سوف ينعكس سلباً على مجمل القطاعات الأخرى ، لاسيما القطاع الصناعي نظراً لحاجة المشاريع الماسة إلى وحدات الطاقة الكهربائية ، وبالنظر لضعف هذا القطاع وتدني مستوى التوزيع فيه ، وما نتج عن ذلك من تعدد فترات الانقطاع بالنسبة للتيار الكهربائي ، فان ذلك دفع بالأفراد والمؤسسات وبالأخص القطاع الخاص إلى أيجاد البدائل من المولدات الكهربائية الخاصة التي يمكن لها أن تعوض النقص الحاصل في التيار الكهربائي التي تعتمد بشكل مباشر على توفير الوقود ، وما يؤدي إليه ذلك من زيادة الكلفة للحصول على الطاقة الكهربائية اللازمة ، والتي تنعكس بشكل مباشر ووثيق على المشاريع الإنتاجية بشكل أساسي عن طريق رفع كلف الإنتاج، وبالتالي من الممكن القول إن انخفاض مستوى كفاءة البنية الأساسية يعد احد العوائق الرئيسة للاستثمار .
رابعاً : ارتفاع مستوى التضخم :
يعد التضخم أحد المشكلات الرئيسة البارزة التي يعاني منها الاقتصاد العراقي ، والتي من شأنها أن تعطل الأسعار مما يفقدها القدرة على التعبير عن الندرة النسبية للسلع والخدمات مما يشوه عملية تخصيص الموارد وتوزيعها على الأنشطة الاقتصادية المختلفة ، وأنها تلغي وظيفة العملة المحلية كأداة للتداول والادخار ، ومن ذلك يمكن القول إن معدلات التضخم الكبيرة التي يعاني منها الاقتصاد العراقي تعد من العوامل التي تحول دون دخول الشركات والاستثمارات الأجنبية إلى الاقتصاد العراقي والسبب في ذلك هو أن التضخم يحد من قدرة الشركات وأصحاب رؤوس الأموال عن التخطيط للعمل والإنتاج نظراً للاختلالات الخطيرة والمستمرة في الأسعار ويتبع تلك الاختلالات صعوبات كبيرة في ما يتعلق بإمكان تلك الشركات في التنبؤ بتكاليف الإنتاج والأرباح المتوقعة ، وعليه فأن التضخم يؤدي إلى تراجع الرغبة في دخول الاستثمارات وبخاصة في المشاريع طويلة الآجل .
لقد شهد الاقتصاد العراقي ارتفاعاً في معدلات التضخم في عقد الثمانينات ، غير إن هذه المعدلات بلغت ذروتها في مدة الحصار الاقتصادي في عقد التسعينات ، إذ كان للآثار النقدية التي خلفتها السياسة المالية في العراق وبالأخص سياسة التمويل بالعجز (الإصدار النقدي الجديد) نتائج كبيرة وسلبية على الاستقرار الاقتصادي ، إذ عمدت الدولة إلى توسيع الإنفاق لمواجهة متطلبات الحكومة واستمرار سياسة الدعم متزامنة مع نقص الموارد الأجنبية بسبب الحصار الاقتصادي ، مما دفع الحكومة إلى الاستمرار في سياسة التمويل بالعجز في ظل عجز الإيرادات عن تغطية النفقات ، فضلا عن عجز السياسة النقدية عن التأثير الايجابي في مستوى الائتمان واتجاهه بالشكل الذي ينشط من عملية النمو ويحقق الاستقرار الاقتصادي ، وأدت حالة الاستمرار في هذه السياسة إلى الإخلال بعناصر التوازن في الاقتصاد الكلي حيث العجز المستمر في بنية العرض السلعي وتراجع القدرات الاستيرادية مما دفع السلطة المالية إلى إعادة التوازن عن طريق التضخم والذي ترتب عليه تدهور أسعار الصرف وارتفاع المستوى العام للأسعار .
لقد شهد عقد التسعينات ارتفاعاً كبيراً ومستمراً في الأسعار ، استمر حتى عام 1996 ، إذ حصل ضبط في مستويات الأسعار نتيجة لتطبيق مذكرة التفاهم ، غير إن مشكلة التضخم لم تتوقف ، إذ أن (برنامج النفط مقابل الغذاء) لم يؤثر في أسعار السلع المستوردة (المهربة) التي لا تقع ضمن البرنامج، وأنه لم يؤثر في أسعار أخرى مثل الإيجارات ( ) . وعليه فقد استمرت معدلات التضخم في الارتفاع ، إذ بلغ معدل التضخم 19.31% عام 2002 ، 33.61% عام 2003 ، 26.96% عام 2004، وارتفع ليصل إلى 36.95% عام 2005 ، 53.26% عام 2006، ثم أخذ بالانخفاض عام 2007 ليصل إلى 30.83% ، ويعود السبب في ارتفاع معدلات التضخم وبالأخص بعد عام 2003 إلى زيادة الطلب على السلع والخدمات بسبب زيادة القدرة الشرائية فضلاً عن ارتفاع أسعار الإيجارات نتيجة للظروف التي عاشها البلد عام 2003 وعودة الكثير من المغتربين ، فضلا عن ارتفاع أسعار المشتقات النفطية .
إن تفاقم مشكلة التضخم في الاقتصاد العراقي نتجت عن ارتفاع أسعار السلع المنتجة محلياً وبالتالي انخفاض قدرتها على المنافسة في الأسواق ، وهذا يؤدي إلى زيادة الاعتماد على الخارج مما يؤدي إلى اختلال الميزان التجاري للسلع غير النفطية والى تراجع حجم الإنتاج وإغلاق الكثير من المشاريع ، ومن ثم عزوف رؤوس الأموال المحلية عن الاستثمار في داخل البلد ، وتوجهها إلى الخارج للحفاظ على القيمة الحقيقية لرؤوس الأموال ، كما يسهم التضخم من خلال ذلك في احجام المستثمرين الأجانب عن توجيه استثماراتهم إلى داخل البلد ، إذ تتضاءل فرص الربح في ظل سيادة التضخم .
خامساً : الفساد المالي والإداري :
تعود جذور الفساد في العراق إلى حقبة الاحتلال العثماني ، غير أن الفساد ظهر وبشكل واضح خلال عقد الستينات من القرن الماضي عندما بدأ العسكريون ببيع أجازات الاستيراد التي حصلوا عليها من خلال موقعهم في المؤسسات الحاكمة إلى مقاولين مع إعفاءات كمركية سخية ، وتعمق أكثر خلال المدة (1990-2003) التي فرض فيها مجلس الأمن الدولي عقوبات على العراق أسهمت في استشراء حالة الفساد في الاقتصاد العراقي .
وفي ظل اتفاق النفط مقابل الغذاء ظهر الفساد بطابع دولي ، إذ تورط مسئولون وشركات ومنظمات بالفساد ، ووصلت الاتهامات المعلقة إلى نجل الأمين العام للأمم المتحدة كوجر انان ونبين سيفان المدير السابق لبرنامج النفط مقابل الغذاء ، وكشفت التحقيقات عن تورط شخصيات أخرى بعمليات فساد كبيرة كان ضحيتها الشعب العراقي ، فضلا عن ذلك شكل وجود النفط قناة مهمة لرفد عمليات الفساد الكبيرة خلال عقد التسعينات ، إذ كانت بعض عمليات تصدير النفط تقوم على تهريبه بعيداً عن رقابة الأمم المتحدة ، فأوجدت تلك المدة عصابات التهريب التي تعاونت مع الدولة نفسها .
وقد أسهم ضعف الحكومة في تنمية الفساد في العراق فسياسة التعيين والترقية في القطاع العام لم تكن مرتبطة بمعايير الكفاءة والجدارة ، بل كانت مرتبطة غالباً بعلاقات الأفراد بالحزب الحاكم ورسخ ذلك الاتجاه المحاباة وإضعاف الرقابة المؤسسية ، وهكذا أسهم نظام الحكم في مدة التسعينات في تنمية الفساد بمظاهره كافة سواء ما تعلق بقضايا بيع النفط وتهريبه أم قضايا الفساد التي ارتبطت بمذكرة التفاهم (النفط مقابل الغذاء) ، أو قضايا الفساد الأخرى في جهاز الدولة ، الذي أدى وبشكل فاعل إلى إضعاف الدولة .
وبعد انهيار نظام الحكم السابق في العراق عام 2003 ، استشرى الفساد في العراق بصورة كبيرة داخل أجهزة الدولة ، وظهر الفساد بشكل واضح في العقود التي منحتها الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إلى عدد من اتحادات الشركات الأمريكية لتنفيذ مشاريع تبلغ قيمتها 1.7 مليار دولار ،وصفت هذه العقود بأنها تعسفية تفتقر إلى الأصول المتعارف عليها في إرساء العقود النفطية ، كما ظهرت قضايا الفساد فيما يخص مناقصة إنشاء شبكات الهاتف النقال ، إذ وجهت الاتهامات إلى موظفين أمريكيين وعراقيين . فضلا عن ذلك فقد ظهر الفساد خلال تنفيذ عقود إعادة الأعمار ، فعند إرساء المناقصة على أحد المقاولين بمبلغ معين ، يتم تحويل المقاولة من الشخص الأول إلى آخر لتنفيذ المقاولة بقيمة اقل وهكذا تحول إلى مقاول ثالث ورابع ، وبالنتيجة يتم تنفيذ المقاولة بمبلغ أقل مما في العقد الأصلي ويكون الفرق هو الربح الذي يتشاطره المقاولون في السلسلة ، ويسهم هذا الشكل بهدر الأموال العامة وضياعها.
ويسهم الفساد الإداري والمالي في عرقلة قدوم الاستثمار الأجنبي نحو العراق ، وهذا ما أوضحته منظمة الشفافية العالمية حول الفساد في العراق الذي أظهر فيها العراق تقدما ملحوظاً واحتل مرتبة متقدمة في قائمة الدول المشهورة بالفساد ، إذ احتل العراق المرتبة 129 عام 2004 حسب تقديرات منظمة الشفافية الدولية ،ارتفع عام 2006 إلى 161 ،وهذه إشارة واضحة إلى ارتفاع ظاهرة الفساد في الاقتصاد العراقي ، وقد ارتفعت درجة الفساد* من 2.1 عام 2004 إلى 1.9 عام 2006 .
وعليه فأن ذلك كله من شأنه إن يشكل عائقاً أمام المستثمرين نظراً لعدم الوضوح والشفافية في إبرام العقود وتحديد الفرص الاستثمارية، الأمر الذي يشجع عمليات التلاعب في إبرام الصفقات الاستثمارية، وعدم الالتزام بالقوانين الخاصة في ذلك المجال ، كما يؤدي الفساد الإداري والمالي إلى زيادة الكلفة التي تنعكس بشكل مباشر على كل من المنتج والمستهلك على حدٍ سواء ،مما يسهم في تراجع الحافز لدى المستثمرين على الإقدام بعملية الاستثمار في البلد .
سادساً : ضعف التشريعات المحفزة للاستثمار :
أصدرت الحكومات المتعاقبة في العراق العديد من التشريعات والقوانين الخاصة بالاستثمار وتشجيعه من خلال الإعفاءات الضريبية والرسوم ، إذ أصدرت عددا من القوانين المتعلقة بالاستثمار المحلي في مجال الصناعة ودعم المناطق الأقل تطوراً من حيث منح الإعفاءات والفوائد المصرفية أو منح القروض لقطاعات معينة ، وتتمثل أبرز هذه القوانين في صدور قانون الشركات رقم (21) وقانون الشركات رقم(22) لسنة 1997 والذي نظم العمل بالشركات العامة والخاصة مما أتاح المجال لتأسيس شركات الاستثمار المالي . وقانون رقم (3) لسنة 1998 الذي نص على تأسيس هيأة لإدارة واستثمار المناطق الحرة في العراق تسمى الهيأة العامة للمناطق الحرة، التي تهدف إلى إدارة واستثمار المناطق الحرة عراقياً لخدمة الاقتصاد العراقي ، التي على أثرها تم إنشاء المناطق الحرة في خور الزبير في محافظة البصرة .
وفي عام 2002 صدر قانون الاستثمار العربي رقم (62) بموجب قرار مجلس قيادة الثورة في وقتها رقم (55) الذي كان يهدف إلى تشجيع الاستثمارات العربية للإسهام في عملية التنمية الاقتصادية في العراق من خلال منح المستثمرين العرب دون غيرهم امتيازات وإعفاءات خاصة . وهكذا نرى أن الحكومة العراقية بعد عام 1997 عمدت إلى تشجيع الاستثمار بشقيه المحلي والأجنبي ، غير إن سياستها تلك لم تتسم بالثبات ، إذ ألحقت تلك القوانين بإصدار قوانين أخرى تلغي بعضها وتكون بديلا لبعضها الآخر ، غير أن القانون رقم(62) لسنة 2002 يعد قاعدة حقيقية لترسيخ فكرة الاستثمار الخاص في الاقتصاد العراقي ، وبالرغم من ذلك فأن المدة التي سبقت عام 2003 اتسمت بتعدد التشريعات الخاصة بالاستثمار وعدم ثباتها ، ولقد أدى ذلك إلى الإحساس بعدم استقرارية البيئة التشريعية والقانونية وبالتالي عدم استقرار السوق والقوى العاملة فيه ، كما أدى إلى عزوف أصحاب رؤوس الأموال عن الاستثمار في المجال الصناعي والاتجاه إلى الاستثمار في قطاع الخدمات والتجارة والأنشطة المضاربية ، إذ لجأ الكثير من أصحاب المعامل إلى غلق معاملهم والتحول إلى السوق التجارية لتحقيق الربح السريع أو على الأقل الحفاظ على قيمة رأسمالهم في ضوء مستويات التضخم العالية التي سادت خلال السنوات الماضية .
بعد عام 2003 وسقوط نظام الحكم في العراق ، شهدت هذه المدة تغيير في التوجهات العامة تمثلت في إصدار قانون الاستثمار رقم (39) لسنة 2003 من قبل سلطة الائتلاف المؤقتة في العراق ، وقد أكد القانون تحسين الظروف المعيشية للعراقيين ، وتحسين مهاراتهم التقنية ومكافحة البطالة ، كما أكد القانون أن الاستثمار سوف يساعد على تطوير البنية الأساسية وتنمية النشاط التجاري العراقي وإيجاد فرص عمل وجلب رؤوس الأموال وهذا يؤدي إلى إدخال التقنية إلى داخل الاقتصاد غير إن القانون لم يتم تفعيله نظراً لكونه صدر من قبل سلطة مؤقتة لا تتمتع بالشرعية اللازمة ، إلا انه يمكن أن يعد الخطوة الأولى التي مهدت لإصدار قانون الاستثمار رقم (13) لسنة 2006.
وفي عام 2006 صدر قانون الاستثمار رقم (13) والذي يمثل خطوة مهمة في مجال جذب الاستثمار بما تضمنه من امتيازات وإعفاءات ، وبالرغم من ذلك فأن هذا القانون يتضمن بعض نقاط الضعف التي شكلت عائقاً أمام الاستثمار المحلي والأجنبي، ومن بين نقاط الضعف هذه تبرز مسألة التحكيم وتوفير الضمانات ضد مشاريع التأميم، إذ أن القانون رقم (13) لسنة 2006 لا يحتوي على ضمانات كافية لحماية المشاريع من التأميم خاصة مع وجود عبارة استثناء والتي ألحقت بضمانات في الفقرة الثالثة من المادة الثانية عشرة التي تعطي القضاء العراقي الحق في البت في أحكام المصادرة والتأميم ، ومع غياب التحكيم الدولي فان ذلك من شأنه أن يضعف قدرة الهيئة الوطنية للاستثمار وفروعها في المحافظات على الترويج للفرص الاستثمارية المتاحة إلى المستثمرين في الخارج وإبقاء المخاوف قائمة في طريق النهوض بالقطاع الخاص المحلي على عكس قانون الاستثمار رقم (4) لسنة 2006 في كوردستان ، وكذلك قانون الاستثمار العربي رقم (62) لسنة 2002 اللذين تضمنا الضمانات الكافية لذلك . وبالتالي فان وجود الحوافز والتسهيلات المغرية لا يمكن لها أن تسهم في جذب الاستثمار ما لم يقترن ذلك بمسألة التحكيم الدولي التي يمكن لها إن توفر الضمان الكافي لشعور المستثمر بالثقة .
كما تضمنت المادة السابعة عشرة من الفصل الخامس الحق للمستثمر الأجنبي في تحديد المواد المستوردة واللازمة للمشروع المتولي إقامته ، مما يتيح الفرصة لاستغلال هذه الإعفاءات من الرسوم والضرائب لشمول بضائع مستوردة للبيع في السوق المحلية أو إعادة التصدير وليس الاستثمار ، بهدف الكسب الوافر من هذه الثغرات في القانون ، أو استيراد بضائع أكثر من حاجة المشروع الاستثماري والقيام بالمتاجرة بها في السوق المحلية وتحقيق أرباح كبيرة نتيجة إعفائها من الرسوم والضرائب .
كما تضمن البند الأول في الفصل الثالث منح المستثمر الأجنبي الحق في إدخال رؤوس الأموال إلى العراق وعوائده بعملة قابلة للتسوية ، مما يفسح المجال واسعاً لممارسة عملية غسل الأموال الدولية داخل العراق ، ويفتح السوق العراقية أمام أموال تجارة المخدرات والأسلحة والرقيق الخ تحت لافتة مشاريع دائمية أو مؤقتة ، حقيقية أو زائفة . ويشير البند الثالث من المادة الأولى إلى أن أحكام هذا القانون تسري على المشاريع الاستثمارية التي لا يقل رأسمالها عن 250 ألف دولار أو ما يعادلها بالدينار العراقي ، وهذا يعني استبعاد المشاريع الصغيرة وعدم منحها الحوافز الكافية والملائمة كماً ونوعاً ، مما يسهم في استبعاد العديد من المشاريع التي يقل رأسمالها عن الحد المطلوب لشموله بهذا القانون .
فضلا عن هذا فقد تضمن البند الثالث من المادة الرابعة والعشرين وفي الفصل السابع الحق للمستثمر في إعادة تصدير المواد التي تم إدخالها بعد إعفائها من الرسوم والضرائب الاستيرادية والتصديرية بهدف المتاجرة تحت بند مشروع حقيقي قائم ، أو مشروع زائف ملغي ، فقد منح هذا البند المستثمر الأجنبي الحق في إعادة تصدير موجودات المشروع المستوردة أو المشتراة من السوق المحلية التي أعفيت من الرسوم والضرائب ورسوم إعادة التصدير .
كما سمح القانون الجديد لشركات التأمين الأجنبية بوجودها فقط في العراق دون الاستثمار في قطاع التأمين العراقي ، على عكس قانون الاستثمار رقم (62) لعام 2002 ، الذي سمح بالاستثمار في مختلف القطاعات السلعية وكذلك قطاع المصارف . لم يشر قانون الاستثمار صراحة إلى ضمانات أمنية واضحة للمشاريع الاستثمارية في العراق ، على الرغم من الوضع المتردي في العراق وما تحتله هذه المسألة من أهمية بالغة في هذا المجال . كما تناول القانون مسألة الإيجار القابل للتجديد أو التمديد الذي تبناه القانون الذي قد يخلق عزوفاً لدى المستثمرين عن الاستثمار في قطاعات معينة كالإسكان التي تشكل فيها قيمة الأرض غطاء للاقتراض من المصارف ، وبالتالي فان السماح للمستثمر الأجنبي بامتلاك الأرض بالشراكة مع المستثمر المحلي يساعد على الهجرة المعاكسة التي تسهم في عودة رؤوس الأموال العراقية المهاجرة خارج العراق ، وفي الوقت نفسه تجنب إقصاء قطاعات مهمة كقطاع الإسكان والبناء من الدخول في المجالات الاستثمارية ، وقد تم تعديل هذه المسألة ضمن قانون التعديل الأول لعام 2009 الذي سمح بامتلاك الأرض في هذا القطاع حصراً .
وعليه فان البيئة التشريعية والقانونية العراقية ما تزال بحاجة إلى تعديل وإعادة صياغة من أجل تحفيز الاستثمارات على التدفق إلى داخل البلد في ظل الضعف الذي يعاني منه قانون الاستثمار رقم (13) لعام 2006.
سابعا:ضعف القطاع المالي:
يتكون القطاع المالي من المصارف وأسواق المال فضلا عن قطاع التامين، إذ يحتل القطاع المالي بمكوناته الثلاثة دورا مهما في التوسط بين المدخرين والمستثمرين، ويقلل من كلف توفير المعلومات بين أطراف السوق. ويمثل التطور في السوق المالية أهمية كبيرة في جذب الاستثمارات المحلية والأجنبية على حد سواء لأنها تسهل على المستثمر الحصول على الموارد المالية عند الحاجة والقدرة على توظيفها عند توفر الموجودات، وأنها تسهل على المستثمر الخروج من السوق بأقل الخسائر.
ويتألف القطاع المالي في الاقتصاد العراقي من عدد من المصارف الحكومية بلغت 7 مصارف حتى عام 2007، وعدد فروعها 348 فرعا ، فضلا عن المصارف الخاصة التي يبلغ عددها 26 مصرفا وعدد فروعها 201، يبلغ رأس مال الجهاز المصرفي 1.1 تريليون دينار، ويعود معظمها وبنسبة 78.7% إلى القطاع المصرفي الأهلي، إلا أن مساهمته في الائتمان الممنوح لا تتعدى 22.5% ، في حين إن المصارف الحكومية مازالت مسؤولة عن منح 77.5% في الائتمان الممنوح، مما يعني إن المصارف الأهلية هي ذات طبيعة متحفظة في منح الائتمان على الرغم من ضخامة رؤوس الأموال وما تمنحه اللوائح التنظيمية من قدرة ائتمانية تصل إلى أربعة أضعاف رؤوس أموالها.
لقد زاد الائتمان الممنوح من قبل المصارف التجارية في العراق من 10.827 ملايين دينار عام 1997 إلى 18.859 مليون دينار عام 1998،واستمر في هذا التوسع ليصل إلى 7753.195 مليون دينار عام 2004 وذلك بسبب التوسع في حجم الائتمان الممنوح في تلك المدة الذي أدى إلى زيادة عرض النقد إلى جانب السحب المتزايد من العملات الأجنبية نتيجة تحويل العملة المحلية إلى العملات الأجنبية لتغطية نفقات الاستيرادات مع تزايد الإنفاق الاستهلاكي والاستيرادي وتهريب العملات بكل الإشكال الأمر الذي أدى إلى زيادة الطلب على العملات الأجنبية ومن ثم انخفاض قيمة العملة المحلية. وبالرغم من ذلك فأن القطاع المصرفي لم يضطلع بدوره المنشود في توفير الائتمان للقطاع الخاص وبالأخص المصارف الأهلية التي تمتلك النسبة الأكبر من رؤوس الأموال في القطاع المصرفي، ويعود السبب في ذلك إلى ثقة جمهور المودعين والمقترضين بالمصارف الحكومية دون الأهلية بشكل خاص، الأمر الذي انعكس على تزايد التعامل مع هذه المصارف من حيث الإيداع والاقتراض، على الرغم من امتلاك المصارف الأهلية للنسبة الأكبر من رأس المال المصرفي، فضلا عن تركز منح الائتمان إلى الدولة لتغطية نفقاتها على حساب القطاع الخاص.فضلا عن صعوبات أخرى تتمثل في مسالة الضمان التي يجب توافرها للحصول على القروض التي تتركز في اغلبها بالعقارات، الأمر الذي يسهم في زيادة صعوبة الحصول على الائتمان المطلوب للقطاع الخاص لتمويل عملية الاستثمار.
فضلا عن ذلك، فقد انتهج البنك المركزي العراقي على أثر صدور قانون المصارف لعام 2004، سياسة جديدة تقوم على تعويم أسعار الفائدة وترك المجال أمام المصارف التجارية لتحديدها، ونظرا لزيادة الطلب على الائتمان وبالأخص القطاع العام فان ذلك أدى إلى ارتفاع أسعار الفائدة، وبالتالي زيادة تكلفة الاقتراض بالنسبة للمستثمرين، فضلا عن توجيه نسبة أكبر من الاقتراض للقطاع العام وكل ذلك أسهم وبشكل مباشر في إعاقة العملية الاستثمارية وذلك في ظل وجود مشكلة النقص في التمويل اللازم.
كما يتضمن القطاع المالي أيضا سوقا للأوراق المالية هو سوق العراق للأوراق المالية الذي كان يسمى سابقا بسوق بغداد للأوراق المالية الذي أسس بموجب القانون رقم (24) لسنة 1991، بموجب قرار مجلس قيادة الثورة في وقتها المرقم 268 في 6/8/1991 ويتمتع السوق بالشخصية المعنوية وبالاستقلال الإداري والمالي ويهدف إلى تنظيم ومراقبة تداول الأوراق المالية نحو التعامل بها بما يكفل سلامة وصحة هذا التعامل وسهولته وسرعته ودقته لحماية الاقتصاد وتنظيم مهنة الوساطة في التعامل بالأوراق المالية وتنمية الادخار وتطوير الوعي الاستثماري عن طريق تشجيع الاستثمار في الأوراق المالية. وقد أصدرت وزارة المالية في 22/12/1996 النظام الداخلي للسوق استنادا إلى الفقرة (ج) من البند الأول من المادة 26 من قانون السوق ويقتصر التداول فيه على حوالات الخزينة وجميع السندات الصادرة من الحكومة العراقية وأسهم وسندات الشركات المساهمة العراقية التي يقرر المجلس قبول التداول فيها.
إن سوق بغداد للأوراق المالية لم تسهم في توفير الدعم المالي للشركات والمؤسسات وبالأخص القطاع الخاص، ويعود السبب في ذلك إلى التقلبات التي حدثت في الاقتصاد العراقي من حصار اقتصادي وارتفاع في معدلات التضخم كل ذلك أدى إلى تآكل رؤوس أموال الشركات التي دخلت السوق، مما دفع بالشركات في معظمها إلى الانسحاب من سوق بغداد للأوراق المالية، فضلا عن سيطرة الدولة على بعض أجزاء السوق وعلى الشركات الخاصة والشركات المختلطة التي تحتفظ الدولة بما لا يقل عن 25% من أسهمها،وعدم ترك الأمور للكفاءات الخاصة وحركة السوق، فضلا عن التشوهات الكبيرة في الأسعار الداخلية وتفاقم مشكلة الفساد الإداري وفقدان الشفافية مع عدم الالتزام بالمواعيد السنوية لانعقاد الهيئات، فضلا عن احتكار رؤوس الأموال بيد فئة مقربة من الدولة بسبب عدم وصول المعلومات إلى المستثمرين كافة أو وصولها بشكل خاطئ فضلا عن تطوير السلع المتداولة، إذ اقتصر التداول على أسهم الشركات وسندات الحكومة على عكس بعض الأسواق المالية التي يتم التداول فيها بالأسهم والسندات والأصول المالية الأخرى وعلى نطاق واسع مثل سوق مصر للأوراق المالية الذي يعد أحد الأسواق الناشئة وأكثرها نضجا، إذ استطاع السوق المصري إن يتجاوز العديد من الصدمات القوية وقد حقق نموا وصل إلى 51% وهو واحد من مستويات النمو القوية التي حققت مستوى الأسواق الناشئة في العالم، وعلى ذلك فقد بقي سوق بغداد هامشيا خلال هذه المدة.
أعيد افتتاحه عام 2004 باسم سوق العراق للأوراق المالية ، وقد شهد هذا السوق تزايدا في إعداد الشركات المسجلة فيه، ولكنه بالرغم من ذلك ظل يعاني من الضعف بسبب حالة البلد الأمنية وعدم وجود آلية الكترونية متطورة لمعالجة الإيداع والحفظ والتداول المركزي، فضلا عن مشكلات أخرى تتعلق بقدرة الشركات العاملة في السوق الإنتاجية والتنافسية، مما يبرز الحاجة إلى توثيق هذه الشهادات المتداولة وبيان صحة الإصدار كونه غير مرهون أو محجوز..الخ.
وعليه فان القطاع المالي في العراق لم يزل دون المستوى المطلوب، وهو يفتقر إلى الكفاءة اللازمة والتي تمكنه من ان يؤدي دورا فاعلا في الاقتصاد العراقي من حيث تأثيراته في توفير الائتمان اللازم والسيولة للقطاع الخاص المحلي والأجنبي.
ثامنا:إجراءات السياسة النقدية:
تميزت السياسة النقدية قبل عام 2003 بتبعيتها للسياسة المالية، إذ هيمنت إجراءات السياسة المالية على قرارات البنك المركزي في ظل ضعف سلطة البنك المركزي وافتقاره للاستقلالية، مما نتج عنه تفاقم معدلات التضخم بسبب زيادة عرض النقد بمعدل أعلى من معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي.إذ وصلت إلى مستوى لا يمكن السيطرة عليه باستخدام الأدوات المالية والنقدية وتزامن ذلك مع فرض أسعار فائدة ثابتة على الاقتراض والإيداع، مما نتج عنه ظاهرة هروب الودائع من المصارف ليتم توظيفها في مجالات غير إنتاجية.
إن السياسة النقدية في العراق كانت مسايرة لمتطلبات التمويل بالعجز في الموازنة العامة من خلال آلية الربط بين التوسع في عرض النقد وتمويل عجز الموازنة، مما أحدث حالة غير مسبوقة في تاريخ العراق الاقتصادي تمثلت في حيازة البنك المركزي العراقي وبقية الجهاز المصرفي على موجودات تمثلت بتراكم هائل في حوالات الخزينة (التي تمثل أساس الدين العام الداخلي)لترتفع من 46 مليار دينار عام 1990 إلى 5.5 تريليون دينار عراقي عام 2003 لتصبح مصدرا لتوسع الإصدار النقدي مؤكدة تبعية السلطة النقدية إلى تأثيرات السياسة المالية لخلق النقد الأساسي (المطلوبات) مقابل حيازة البنك المركزي العراقي لتلك الموجودات المتراكمة من أدوات الدين الحكومي والذي استحوذ على النصيب الأكبر من المحفظة الاستثمارية، وعليه ازداد عرض النقد الضيق خلال تلك المدة من 24.6 مليار دينار ليبلغ حوالي5.8 تريليون دينار عام 2003، فيما ارتفع سعر صرف الدينار العراقي إلى الدولار الأمريكي من متوسط سنوي بلغ 4 دينار عراقي لكل دولار في عام 1990 إلى حوالي 1936دينارا عراقيا لكل دولار في عام 2003.
عام 2004 صدر قانون البنك المركزي العراقي رقم(56) الذي كرس استقلالية البنك المركزي في إدارة السياسة النقدية ، إذ اعتمدت السياسة النقدية في العراق عبر فلسفتها الحالية ما يسمى بالقواعد القائمة على المعلوماتية لتوليد الاستقرار في السوق المالية، الذي يعد المنهج البديل عن التدخل المباشر في السوق. وتنطلق الوسائل المعلوماتية في هذه المرحلة من عمل السياسة النقدية في العراق من مؤشر معدل فائدة البنك المركزي العراقي أو ما يسمى بمعدل السياسة النقدية، وهو عبارة عن معدل فائدة تأشيري يساعد على إطلاق إشارات قوية تؤثر في اتجاهات وتطور هيكل أسعار الفائدة والشروط الزمنية لمكوناته من خلال التسهيلات القائمة التي يستقبل بها البنك المركزي العراقي ودائع المصارف التي يمنح بموجبها البنك المركزي الائتمان المطلوب إلى المصارف التجارية كافة. وانطلاقا من هذا المبدأ تعتمد السياسة النقدية قاعدة مركزية تسمى (بقاعدة تايلر) التي تفرض على السلطة النقدية رفع أسعار فائدة البنك المركزي عندما يكون الإنفاق الكلي في الاقتصاد أكبر من قدرات الاقتصاد الإنتاجية وعندما تكون الأسعار خارج نطاق توازناتها .
ولقد لجأت السلطات الحكومية في العراق إلى استخدام الأساليب البديلة غير التضخمية كبديل عن سياسة التمويل بالعجز التي كانت تلجأ إليها قبل عام 2003، كأسلوب التمويل بالدين مثل إصدار السندات أو اذونات الخزانة والاستعانة بالبنك المركزي لبيعها إلى المصارف التجارية وأسواق الأوراق المالية لتوفير التمويل المطلوب. إن زيادة استدانة الحكومة باستخدام أسلوب المزاد، كما يحصل حاليا أدى إلى رفع معدلات الفائدة الحقيقية في القطاع المصرفي، وبالأخص بعد قيام البنك المركزي بتعويم أسعار الفائدة على الإيداع والاقتراض بعد عام 2004، ومنح المصارف التجارية حرية تحديد أسعار الفائدة.
إن لجوء الحكومة إلى هذا النوع من التمويل وبشكل متزايد سوف يؤدي إلى زيادة الضغط على الاستثمار الخاص، من خلال الاتجاه نحو رفع أسعار الفائدة وزيادة تكلفة الاقتراض. وهذا يؤدي بالنهاية إلى عزوف القطاع الخاص عن الاقتراض من المصارف التجارية، مما يعزز من مشكلة نقص التمويل التي يعاني منها القطاع الخاص، وبذلك تعد السياسة النقدية وإجراءاتها أحد العوائق المهمة أمام الاستثمار من خلال أثرها المباشر في المصارف.
تاسعا: السياسات التجارية :
اعتمدت السياسة التجارية في العراق بعد عام 2003 على مبدأ سياسة الباب المفتوح ، إذ فتحت الباب على مصراعيه أمام الاستيرادات وأسواق الصادرات ، نتيجة لعدم التدخل الدولي في شؤون التجارة الداخلية والخارجية وتخفيف القيود عليها ، الذي توج بإصدار الأمر المرقم (54) لسنة 2004 والذي تضمن الانتقال من سياسة الحماية التجارية إلى سياسة الحرية التجارية .
وتتضمن السياسات التجارية سياسات الاستيراد والتصدير التي تتضمن تخفيض التعريفة الكمركية وإزالة الحواجز مثل القيود الكمية والحصص بالنسبة للاستيراد ، وإلغاء الحواجز الكمية والسعرية وتطبيق أحسن وسائل الترويج للصادرات . ونتيجة لانتهاج سياسة الباب المفتوح وفتح الحصار الاقتصادي عن العراق بعد عام 2003 ، فقد تزايدت مستويات التجارة الخارجية للعراق ، إذ بلغ أجمالي الاستيرادات عام 2004 (21304) مليون دولار ارتفع إلى (21516) مليون دولار عام 2007ي ، كما ازداد إجمالي الصادرات من (17180) مليون دولار عام 2004 إلى 39590 مليون دولار عام 2007 ، إذ بلغ إجمالي التجارة الخارجية للعراق 39112 مليون دولار عام 2004 وصولاً إلى 61106 مليون دولار عام 2007، ومن بين العوامل التي أسهمت في زيادة معدل التبادل التجاري للعراق هو ارتفاع أسعار النفط الخام في السوق العالمية وزيادة الطلب عليها ، فضلا عن سياسات تحرير التجارة الخارجية التي انتهجها العراق بعد عام 2003 .
لقد أدى فتح الباب على مصراعيه إلى فتح السوق العراقية أمام السلع والمنتجات الأجنبية، وقد أدى هذا إلى انكماش وتدهور الإنتاج المحلي لجميع المنتجات الصناعية إذ بلغت نسبة مساهمة قطاع الصناعة في الناتج المحلي الإجمالي أقل من 2% وهي أدنى أيضا من المعدل الذي يضمن توزيعا قطاعيا في الاقتصاد المحلي الذي قدر في مؤتمر ليما لعام 1970 ب 25% . فضلا عن أن الصادرات قد اعتمدت وبشكل أساسي على النفط الخام ، وبالرغم من زيادة الصادرات خلال المدة التي أعقبت عام 2003، إلا أن ذلك لم يؤد إلى إصلاح العجز في ميزان المدفوعات وجذب الاستثمار الأجنبي، وان اتباع سياسات تحرير التجارة أدى إلى تطور حجم الاستهلاك بعد عام 2003 وبشكل تصاعدي نتيجة لارتفاع مستويات الدخول مما انعكس سلبا على مستوى الادخار والاستثمار………. $

$.   عن الحوار المتمدن….


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى