اللجان

فلسفة مكافحة الفساد في دولة حقيقية

جريدة المدى | Almada Newspaper

فلسفة مكافحة الفساد في دولة حقيقية

 

 آراء وأفكار 2022/11/20 11:12:54 م

فلسفة مكافحة الفساد في دولة حقيقية

 

د. عباس العلي

من المبكيات المضحكات في هذا الزمن الذي لا يمكن لأحد التستر فيه عن الحقيقة التي تبدو مفضوحة للجميع ومعروضة بوضوح لا تحتاج الى رتوش او مزينات أو مخرج حاذق، أن البعض ممن يرى أنه يمكن الضحك طويلا ولنهاية المسرحية دون أنقطاع لأن الجمهور “عاوز كده” أو “راضي بكده” أو “ميهموش غير كده” مؤمن أن لا أحد سيقول له قف مكانك،

 

 

والدليل أن الفساد الذي كان برعم صغير قبل عقدين من الزمن صار غابة، تزحف على كل المكان الذي نعيش فيه، حاصرتنا حتى داخل غرف نومنا وسلبت الكثير من مقومات وجودنا وأولها سلبت الحياء منا، كانت تهمة الفساد مجرد التهمة تثير في الكثير الشعور بالعار الابدي فينهي حياته للتخلص من وطء العار، اليوم صار الفساد ممارسة ومنهج وطريقة حياة وفن يتناقل بين الناس مثل تناقل حديث الأخبار عن الحب والحرب، لا يبدو سيئا ولا أحد يكترث أن ينعت فاسدا أو مفسدا، والبعض يعتبره بطولة ومن ضروريات وأبجديات وبديهيات العمل السياسي والإداري.

السؤال من جعل الفساد كظاهرة ملازمة لضعف تطبيق القانون وتراخي يد السلطة في مجتمع يحاول جاهدا ان يتحرك ضمن المسموح والممنوع أن يتحول إلى نظام عام متشعب الرؤوس ومتغلغل في كل التفاصيل بحيث وصل الحديث عن مكافحته أشبه بالطلب من عيسى ع ان ينزل لهم مائدة من السماء، هذا الحال لم يكن عفويا ولا طارئا ولا أيضا نتيجة طبيعية للواقع العراقي، من المؤكد لا علاقة له بنظرية المؤامرة وليس من واقعية المنطق ان نلصقها بظاهرة الديمقراطية الناشئة في بلدنا، الامر يتعدى ذلك إلى طبيعية أخرى لم يتنيه لها الكثير من الباحثين والدارسين اجتماعيا ونفسيا وقانونيا، إنها تتعلق بالقانون بالمنظومة القانونية وتوجهاتها الفلسفية حين التشريع.

طبيعة المنظومة القانونية الحاكمة والمقررة للفساد وجزاءه ووصفه وما يتعلق بالوسائل والاساليب شرعت في زمن كانت فيه السلطة يدها من حديد ونار، تقرير صغير من شخص قد يطيح بأكبر مسئول لمجرد انه ارتكب خطأ قد يوصف بالفساد، ايضا كان لا يطلق سراح المحكوم من السجن ما لم يسدد ما سرقه او كان متعمدا في إحداثه كضرر، اما الجهات التحقيقية فكانت ولطبيعة انظام البوليسية تدخل الرعب في قلب المتهم قبل التحقيق معه، هذه التوليفية العملية مع التحول الجذري الذي بدأ في عام 2003 وتراخ السلطة وضعف هيبة القانون بحجة حماية حقوق الانسان دون المرور بفترة أنتقالية من الضد للضد، جعل من سلوك طريق الفساد ممكنا وطبيعيا ومحميا من خلال اولا الوجود الحزبوي اللا منضبط، والذي يعد متسترا واحيانا داعما للفساد لأنه يمثل له مصدر ثراء وقوة، وثانيا لسكوت العامل الاخلاقي والمثالي والمبرر لكثير من أوجه الفساد الصادر بها فتاوى شرعية، مثل نظرية مجهول المالك، هنا لم يعد الرادع النفسي مؤثرا وكابحا ومانعا من الأنخراط في نشاطات ظاهرة الفساد.

إذا الأساس الأول الذي شجع وطور من خطورة الظاهرة وأستفحالها ليس فقط ضعف القانون وتراخي سطوة القضاء وخضوعه لمبدأ القوة السياسية المتحكمة بالواقع العراقي فقط، ولكن بسبب أزمة تطبيق القانون من حيث ألياته التي شرعت في حال مختلف، ووضع كان يوصف بالمنضبط بقوة النظام السياسي وحديديو القرار الصادر منه، هذه الهوة بين القانون وبين فلسفة تطبيقه لا يمكن تجسيرها بتشكيل لجان او الدعوات لمكافحة الفساد وإمساك صغار الفاسدين أو تهريبهم ثم الحكم عليهم غيابيا، نحن نحتاج إلى صرامة في القانون وقوة في منطقه وألياته مع حماية الحقوق الدستورية وهذا ليس محالا وغير ممكن، بل ضروري وواجب لحماية ما تبقى من قيم المجتمع وأخلاقياته، مصلحة المجامع وحماية حقوقه تبدأ من منع أنتهاك الملكية العامة ومحارية من يتعدى على المال والمصلحة العامة، وليس من حماية حقوق الفاسدين وتقديمها كأولوية مستندا على وهم كاذب يتصل بحماية حقوق الإنسان، ولا ننسى أن قانون العقوبات الساري اليوم هو نتاج قبل اكثر من اربع وخمسين عاما، في ضل سلطة كانت فلسفتها ثورية لا تؤمن بالديمقراطية وليس لها تقدير للمصالح الفردية، لكن هذا القانون الصارم ليس صارما بذاته بل بأليات تطبيقه التي كانت فصار ناجحا بها وليس بنفسه.

إذا لا بد من تغير أساسي في أستراتيجية الهدف الذي يصلنا لمعالجة حقيقية لمكافحة الفساد، تبدأ هذه الاستراتيجية من الأعتراف بأن المصلحة العامة مقدمة أساسية لحماية المصلحة الخاصة، النقطة الأخرى أن مفاهيم الديمقراطية وحقوق الأنسان ليس الهدف منها إضعاف الدولة وحماية المجتمع بالتنازل عن حقهما في الضبط وحماية النظام لمصلحة أفراد لم يتقيدوا بالقانون والأنظمة وحاولوا أن يتسببوا متعمدين قاصدين في الإضرار بالمنظومة الأجتماعية الكلية، النقطة الثالثة والجديرة بالأهتمام أن يفصل الأداء الحزبي والديني عن مفاهيم القانون والدستور وأن يتم التعامل بهما على أساس الخطر والضرر من تصرفات الأفراد والمؤسسات، هذه الثلاثية من فهم الإشكالية تستوجب أيضا كمرادف تنفيذي أن نسعى لبناء قوانين عقابية تتسم بالدقة والحيادية والصرامة مع آليات تنفيذية تتناسب مع الخطورة والضرر، هذه مهمة السلطة التشريعية إذا كانت جادة وحريصة على مكافحة الفساد ونتائجه المدمرة، وعلى السلطة التنفيذية أن تؤمن أن نجاحها مقترنا بمقدار ما تنجح في محاربة الفساد وأركانه، وهذا يلزمها أن تقدم مشاريع قوانين لكل ما لم يعد يواكب الواقع الحالي ولا يفهمه بعلاته.

كلما تجاهلنا الأسباب وذهبنا بالأتجاه الخاطئ صار أمر المعالجة أكثر صعوبة وأشد تكلفة من قبل، وكلما فهمنا العلل والأسباب على حقيقتها أستطعنا أن نشخص الخطوة الأولى نحو الهدف البعيد، لكن من خلال المتابعة الدقيقة لمنهج الحكومات المتعاقبة واخرها حكومة السيد السوداني تذهب إلى المعالجة المخرجية وليس إلى المعالجة التوليدية، فهي تريد ان تعالج النتائج مع عدم المساس بالبنية الهيكلية للفساد ومقوماته وأسبابه والتغطية على الخلل البنيوي المؤدي لأستفحال الظاهرة وكبح جماحها، المعالجة فاشلة في النتيجة ولا تشكل اي نجاح مهما حاولوا ان يقصوا اجنحة البعض، هذا الفشل شبيه تماما بفشل المنظومة الحاكمة بتعاملها مع خطر التطرف والإرهاب عندما حاربت داعش وإن كان ضروريا، لكنها لم تحارب القواعد المنشأة لها والمشجعة فكريا وعمليا، من خلال نشر التسامح والوسطية وحق التعبير عن الذات وتقديرها، وعدم إقصاء الاخر المختلف وفتح المجال امام حرية العمل وتوسيع قاعدة التنمية الاقتصادية للقضاء على البطالة، التي هي واحدة من مرتكزات تعتمد عليها التنظيمات المتطرفة لتجنيد الشباب العاطل عن العمل.

إن منهجية مكافحة الفساد لا تقتصر على القضاء والقانون، بل تتعدى إلى تنمية الشعور بالمسئولية الوطنية والدينية والأخلاقية، وتشديد الرقابة والتدقيق والمحاسبة المبكرة وتحصين الأجهزة الإدارية والمالية من التأثيرات السياسية للفاسدين، وكما قلت فصل العمل السياسي الحزبي عن العمل الوظيفي التنفيذي، كما يحتاج الحاكم السياسي الذي يؤمن بحق المجامع بمكافحة الفساد إلى تخويل سياسي عام لا يستثني أحد من واجب المسائلة والتحقيق مهما كان المقصود متنفذا سياسيا أو أجتماعيا، وكل هذا الأمر مرهون بخطوة أساسية هي نزع سلاح المنظمات والمليشيات المسلحة وإسقاط الغطاء القانوني عنها، لأن من يحمي الفاسدين اليوم هو السلاح الفاسد الخارج على القانون والخاضع لجهات حتى خارج بنية الدولة والمجتمع العراقي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى