الفكر السياسي

في فنلندا إختيار رئيس وزراء جديد بسبب تهم الفساد

في فنلندا إختيار رئيس وزراء جديد بسبب تهم الفساد

في فنلندا إختيار رئيس وزراء جديد بسبب تهم الفساد

يوسف ابو الفوز

2010 / 6 / 13

من تجارب الشعوب

فنلندا هذا البلد الاوربي الصغير ( خمسة ملايين نسمة) ، المرمي على حافة القطب الشمالي ، منذ أشهر وهو يواجه ازمة سياسية ، عصفت بالحياة السياسية للبلاد ، وجعل من قوى المعارضة ، داخل وخارج البرلمان ، تضغط لاجراء تغيرات في تركيبة الحكومة الحالية للمساعدة في استعادة الحياة السياسية شيئا من عافيتها . في الانتخابات البرلمانية الأخيرة في اذار 2007 ، كانت حصيلة التنافس على 200 مقعدا في البرلمان ، هو أن حزب الوسط الفنلندي ( المزارعين سابقا ) حقق أعلى النسب بحصوله على 51 مقعدا ، فكلف وفقا للدستور بتشكيل الحكومة، التي جاءت حكومة شراكة وطنية ، او كما يسميها الشارع الفنلندي” حكومة قوس قزح” ، حيث ضمت حزب الاتحاد الوطني الفنلندي (يمين) وهو ثاني أكبر الاحزاب الفائزة في الانتخابات وحصل 50 مقعدا ، الى جانب حزب الخضر (يسار) الذي جاء بالمرتبة الخامسة وحصل 15 مقعدا، وحزب فنلندا الاساس (يمين متطرف) الذي حقق نتائج متواضعة بحصوله على 5 مقاعد ، وترأس الحكومة زعيم حزب الوسط السيد ماتي فانهانين (مواليد 1955 ) ، بينما انتقل الى صفوف المعارضة الحزب الاجتماعي الديمقراطي (يسار) ، الذي حصل على 45 مقعد ، والذي لطالما كان الحزب الاكبر في البلاد حيث قاد عدة حكومات لفترات طويلة ، ومعه في مقاعد المعارضة جلس اتحاد اليسار الذي حصل 17 مقعدا والى جانبهم حزب الشعب السويدي بتسعة مقاعد والديمقراطي المسيحي بسبعة مقاعد .
ونشطت المعارضة في الاونة الاخيرة لكشف مساويء الحكومة الحالية ، التي تعاني من مشاكل جدية عديدة ، نتيجة سياستها الاقتصادية التي اعتمدت الخصخصة والتراجع والالتفاف حول منجزات ومكاسب حققها الشعب الفنلندي بنضالاته المطلبية الطويلة ، مما سبب نشوء ازمة سياسية ، وبرزت اتهامات جدية حول فساد وبوادر رشاوي في البرلمان والحكومة ، فالسياسة الاقتصادية التي اعتمدها الحكومة الحالية ، في ظل الازمة الاقتصادية العالمية ، قادت البلاد الى ازمات عدية تسببت في العديد من الاضرابات عن العمل لقطاعات الصحة والتربية والتعليم والنقل والخدمات، وذلك من اجل تحسين مستواهم الاقتصادي والمعيشي ، فمع ثبات معدلات الاجور وارتفاع الضرائب ،ترتفع اسعار السكن والنقل والمواد الغذائية ، وارتفعت نسبة البطالة لتصل الى معدلات غير مسبوقة في العقد الاخير حيث بلغت هذا العام 2010 نسبة 8.50 % بينما كانت في العام الماضي 6.40 % .
من ابرز الشخصيات التي توجهت اليها الاتهامات رئيس الوزراء وزعيم حزب الوسط السيد ماتي فانهانين، حيث ثبت انه خلال رئاسته رابطة شباب حزب الوسط (1980 ـ 1983)، استغل منصبه واستخدم مواد بناء تعود الى مؤسسة دعم الشباب لبناء بيته ، وثم تتالت فضائحه النسائية ، وتعدى الامر حدود الحرية الشخصية ، اذ صار ضيفا دائما في صفحات الفضائح ، بحيث ان احدى عشيقاته حققت الشهرة والثراء من كتاب فضاحي عن علاقتها به ضمنته رسائله اليها، فتوجهت اليه بشدة نيران الانتقادات من مؤسسات تربوية وكنسية وسياسية ، بأعتباره شخصية اعتبارية ويجب ان تكون مثالا وقدوة حسنة . نجحت المعارضة في ضغوطها المتكررة بكشف حوادث رشوة اخرى في داخل الحكومة والبرلمان مما اضعفت حجم التأييد الشعبي للحكومة الحالية ، التي راحت توصف بالحكومة اليمينية ، مما جعل حزب الخضر في موقف لا يحسد عليه بأعتباره محسوبا على جبهة قوى اليسار لكنه يشارك في حكومة تسبب في افقار الشعب ، ومع اقتراب موعد الانتخابات البرلمانية ، في نيسان من العام القادم ، والتوجه الجاد لقوى اليسار ، لبناء تحالف ( احمر ـ اخضر ) لمواجهة تحالف اليمين الحاكم ، راحت اوساط داخل الحكومة تضغط لاستبدال رئيس الوزراء ماتي فانهانين ، وراحت اوساط من داخل حزب الوسط تنادي باستبدال زعامة الحزب ، وقاد كل هذا الى ازمة سياسية انتقلت نيرانها من مقاعد البرلمان الى الشارع الفنلندي ، فكان توالي الاضرابات التي لم تعد تكتفي بالشعارات السياسية فقط بل ظهرت شعارات تتناول السلوك الاجتماعي لرموز الحكومة التي صارت الصحافة تسلط الضوء عليها يوما بعد اخر .
رئيس الوزراء الفنلندي السابق ، وزعيم حزب الوسط ، ماتي فانهانين ، حاول ان ينحني امام العاصفة ، فصرح بأن اوضاعه الصحية ستجبره لتقليل من مسؤلياته والتنحي عن زعامة الحزب والاحتفاظ بمقعد رئاسة الوزراء ، لكن الضغوط من قبل المعارضة تواصلت، وراحت تكشف مزيدا من المعلومات عن حوادث الفساد في الحكومة، وراحت تنادي باستبدال رئيس الوزراء اولا، وتوافق هذا مع اصوات معارضة من داخل حزب الاتحاد الوطني الفنلندي اليمني الشريك في الحكومة ، الذي يرى بان قوى المعارضة ، وقوى اليسار تنجح في استثمار الازمة لاعادة بناء صفوفها ، فأرتفعت اصوات من حزب اليمين تنادي ايضا بأستبدال رئيس الوزراء ، وهكذا وصل حزب الوسط الى قرار خلال عدة اجتماعات ماراثونية لقياداته بأن يختار حزب الوسط زعيما جديدا لرئاسته ، ويكون هو رئيس الوزراء الجديد ، والاعلان عن تقاعد ماتي فانهانين لاسباب صحية ، حفظا لماء الوجه ، ولمحاولة الالتفاف على تهم الفساد التي توجه اليه وللحكومة الحالية . واخيرا في 12 حزيران 2010 ، وفي مؤتمر عاصف لحزب الوسط ، شارك فيه 2500 مندوب لعموم البلاد ، لاختيار زعيم جديد من اربعة مرشحين ، ينتمون الى اجيال مختلفة من قيادات حزب الوسط وقفوا على خشبة المسرح امام الموتمرين وعرضوا تصوراتهم وخططهم لقيادة الحزب والخروج من الازمة السياسة وواجهوا اسئلة المؤتمر ، اعلن في ساعة متأخرة عن نتائج التصويت ، التي تمت على دورتين ، وفي ظل تنافس شديد عن فوز ماري كيفينمي ، مواليد 1968 ، وهي عضو البرلمان الفنلندي للفترة 1995 ـ 1999 ، وشغلت منصب وزيرة التجارة الخارجية للاعوام 2005 ـ 2007 في ظل حكومة شراكة وطنية ، ثم وزيرة الإدارة العامة والحكم المحلي من 2007 حتى الان ، ويذكر أنها شغلت لفترة حوالي ثمانية شهورفي عام 2003 موقع نائب رئيس الحزب ، وبفوزها بزعامة حزب الوسط فأنها ستكون رئيسا جديدا لوزراء فنلندا لفترة عشرة اشهر فقط ، حتى موعد الانتخابات البرلمانية القادمة ، وبالرغم من أن اوساط سياسية تعتقد ان ماجرى ليس سوى عملية ترقيعية لتضليل الناخبين والمواطن الفنلندي ، فحالة الفساد مستمرة في الحكومة ، وان التحالف الحالي اليميني ، وان حاول ان يجمل نفسه، الا ان الازمة الاقتصادية مستمرة ، مع استمرار ذات الاجندة وان تبدلت بعض الوجوه الاساسية ، فأن ثمة اطراف اخرى تنتظر من رئيسة الوزراء وزعيمة حزب الوسط بحكم كونها شابة وتنتمي الى الجيل الاحدث من قيادي الحزب ، ان تقوم بخطوات ما لوقف تداعيات الازمة السياسية ، وان كان البعض يعتقد ان ما سيتوقف فقط هو الفضائح النسائية لكون رئيسة الوزراء هذه المرة أمرأة !. #

# عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى