الاقتصادية

في فنلندا … خدمات الانترنيت جزءا من خدمات البنية التحتية التي يكفلها القانون !

في فنلندا ... خدمات الانترنيت جزءا من خدمات البنية التحتية التي يكفلها القانون !

في فنلندا … خدمات الانترنيت جزءا من خدمات البنية التحتية التي يكفلها القانون !

يوسف ابو الفوز

2010 / 7 / 6

تجارب الشعوب

من جديد ، اصبح اسم فنلندا ، هذه الدولة الصغيرة ( 5,3 مليون نسمة ) ، المرمية على حافات القطب يتصدر اخبار وكالات الانباء ، ليس بأخبار الجريمة او الفساد السياسي او الصراع السياسي على الكراسي، وانما بتحقيق المكتسبات لشعبها ، فقد اصبحت فنلندا ، ومنذ اليوم الاول من تموز لهذا العام 2010 ، البلد الاول في العالم ، الذي يمنح مواطنيها الحق القانوني في الحصول على خدمة الانترنيت فائقة السرعة، وبحسب هذا القانون، الصادر عن وزارة النقل والاتصالات الفنلندية، تكون الشركات الفنلندية المتنافسة، التي توفر خدمات الانترنيت، ملزمة قانونيا بتوفيرها لكل مواطن فنلندي، في اي مكان في البلاد ، حتى لو كان بيتا منفردا وسط الغابات، وباختصار ان خدمات الانترنيت للمواطن الفنلندي ، اصبحت جزءا من خدمات البنية التحتية التي تكفلها الدولة ، شأنها شأن خدمات الكهرباء والماء والصحة. فهل جاء الامر، مفاجأة للشعب الفنلندي، وبقرار فوقي، ام اخذ تطورا تأريخيا تدريجيا ؟
المعروف جيدا ، ان فنلندا ، كانت واحدة من البلدان الزراعية ، في دول الشمال الاوربي ، وهي احد البلدان التي لم يشملها مشروع مارشال فيما بعد الحرب العالمية الثانية ارتباطا بجوارها للاتحاد السوفياتي ، اكبر غريم للولايات المتحدة الامريكية في حينها ، اذ سعت فنلندا ، لان تكون على الحياد في سياستها السياسية والاقتصادية. ان كون فنلندا جارة لدولة اشتراكية مثل الاتحاد السوفياتي، فأن كان جلب لها الويلات خلال سنوات الحرب العالمية الثانية ، من خلال اخطاء الحكومات الفنلندية ، في حينها ، ففي الفترة التي اعقبت الحرب العالمية كان لهذا الجوار دورا ايجابيا شاملا في النهضة الاقتصادية والسياسية التي عاشتها فنلندا . فالعقوبات الاقتصادية التي تحملتها فنلندا بسبب وقوف حكوماتها في ايام الحرب العالمية الى جانب المانيا النازية ، والتي كان على فنلندا ان تقدمها الى الاتحاد السوفياتي ، فأن الحكومة السوفياتية ، الخارجة من كوارث الحرب ، طلبت ان تسدد هذه العقوبات على شكل بضائع اقتصادية وليس اموالاً ، وهكذا ظلت فنلندا وحتى منتصف سبعينات القرن الماضي تسدد هذه العقوبات على شكل مختلف البضائع ، احذية وجرارات وسفن ومطابع وغيرها ، فكانت هذه العقوبات من جانب اخر سببا في نشوء صناعات فنلندية وجلب استثمارات ، فساهمت في النهضة الاقتصادية للبلاد ، وصح هنا القول ” رب ضارة نافعة”، الى جانب ان فنلندا شهدت حركة اصلاحات اقتصادية وسياسية ، قامت بها حكومات اليسار المتعاقبة ، مثل اقرار قوانين الضمان الاجتماعي التي جاءت بالتنافس أو بتأثير من نمط القوانين الاشتراكية في الاتحاد السوفياتي ، وكل ذلك جعل فنلندا وفي غضون عدة عقود تتحول الى بلد صناعي مصدر لاجود انواع الورق ولتكنولوجيا صناعتة ، وصناعة السفن والاجهزة الاليكترونية ، اضافة الى التطور الهائل في صناعة الاتصالات الذي جعل شركة مثل نوكيا تتحول من شركة صغيرة لصناعة الاطارات والجزم البلاستكية الى واحدة من اكبر الشركات المصدرة لاجهزة الاتصال الاليكترونية .
ان قرار وزارة النقل والاتصالات الفنلندية بتوفير حق خدمات الأنترنيت، لم يأت مفاجأة فهو تنفيذ لخطة الحكومة الفنلندية التي بدأت بها منذ تشرين الاول (اكتوبر) عام 2009، والخطة تلزم الشركات بتنفيذ القرار من الاول من تموز (يوليو)، وهذا الامر جاء ضمن توجهات الاتحاد الاوربي للتعامل مع الانترنيت كبنية تحتية اساسية ، وحق اساسي من حقوق الانسان وليس ترفا ، وفي فنلندا قطع الامر خطوات كبيرة وسريعة في تطور مجال خدمات الانترنيت، فالاحصاءات الرسمية تشير الى ان 83% من المواطنيين الفنلنديين ، من اعمار 16 ـ 74 يستخدمون خدمات الانترنيت ، وهذا التطور ايضا لم يأت مفاجأة للمواطن الفنلندي ، فخدمات الانترنيت في فنلندا ومنذ عام 1980 شملت الجامعات الفنلندية ، حتى ان أكبر الخدمات شعبية في العالم، ونقصد بها خدمة الدردشة او المحادثة Chatting ولدت وتطورت في الجامعات الفنلندية ، ومنذ عام 1990 كان في مستطاع المستهلكين العموميين الاستفادة من خدمات الانترنيت ، وفي عام 2000 اطلقت في فنلندا شبكة عامة للخدمات بحيث اصبحت فنلندا دولة اليكترونية ، وصار بمقدور المواطن الفنلندي الحصول على الكثر من الخدمات بطرق غير تقليدية ، فمثلا اصبح بمقدور المواطن الفنلندي تسديد مختلف الفواتير عبر خدمة الانترنيت ، وصار بامكانه ان يتعامل مع خدمات المكتبات العامة لاستعارة وتجديد الاستعارة عبر الانترنيت ، وصار بامكانه حجز بطاقات السفر في مختلف وسائل النقل بواسطة الانترنيت ، وبامكانه حجز مواعيد االطبيب والمستشفى والتشاور مع طبيبه عبر الانترنيت ، وغير ذلك من الخدمات ، التي تساعده في توفير الوقت للاهتمام بهواياته وتنمية قدراته وتخصيص المزيد من الوقت للشؤون العائلية والروحية ، انطلاقا من كون خدمة المواطن هو الهدف الاساس في نشاط اجهزة الدولة. ويمكن لنا هنا ان نتحدث عن دور خدمات الانترنيت في تطوير واحد من اهم المرافق الحيوية في الدولة ، الا وهو قطاع التعليم ، فالانترنيت اصبح جزءا متمما للعملية التعليمية ، ففي كل صف دراسي هناك جهاز كومبيوتر للاستخدام العام ، وفي كل مدرسة هناك قاعة للكومبيوترات شأنها شان قاعة الرياضة او الطعام او المسرح أو الرسم ، وبحكم كون الاسلوب التعليمي في فنلندا ، ومنذ الصفوف المبكرة يدفع الطالب للابتعاد عن اسلوب التلقين ، ويعتمد اسلوب البحث العلمي فأن الانترنيت ، الى جانب الكتب المطبوعة كمصادر ، صار مصدرا مهما للطالب للبحث عن المعلومات لاعداد واجباته المدرسية ، اضافة الى ان الطلبة ، وبعيدا عن صفوف الدراسة ، يرتبطون اليكترونيا باساتذتهم ومدرستهم عبر الانترنيت ، في تلقي الواجبات والتوجيهات ، وارسال التقارير والمعلومات .
وفي اتصال من غرفة الاخبار في اذاعة “البي بي سي “، سألتني الزميلة من هناك في لقاء عن هذا الموضوع ، وضمن تفاصيل كثيرة ، بعضها مذكور هنا ، كان علي ان اوضح لها وللمستمعين بأن هذه الخدمات لا تقدم مجانا، كما يتصور البعض، فالقانون الفنلندي هنا يضمن حصول المواطن على خدمات الانترنيت وكحق بنوعية عالية الكفاءة ، والنوعية تتعلق بالسرعة ، التي تقدر بميجابت واحد في الثانية ، فالخدمات هي مدفوعة الثمن من قبل المواطن ، شانها شأن الخدمات الاخرى ، مثل الماء والكهرباء والصحة، والاسعار هنا رمزية ، وتخضع للتنافس بين الشركات التي تقدمها ، وهي شركات عديدة ، ولكن في حال ان المواطن عاطل عن العمل، او عاجز عن اعالة نفسه ، فان الدولة وعبر مؤسسات الضمان الاجتماعي مسؤولة عن توفير هذه الخدمة . ولا يفوتنا ان نذكر ايضا ان هناك خدمات انترنيت عامة تقدم في فنلندا مجانا للطلبة في الكليات والاقسام الداخلية والمجمعات السكنية للشباب، وفي دور الرعاية الصحية ، وايضا في الاسواق العامة الكبيرة والمقاهي العامة والبواخر والقطارات .
واذ نكتب كل هذا يبرز هنا سؤال يثير اللوعة في القلب : ترى متى يمكن لشعوبنا المغلوبة ان تتمتع بحقوقها الاساسية !!  *

* عن الحوار المتمدن..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى