الفكر السياسي

مؤشرات الدولة الفاشلة , العراق نموذجا

مؤشرات الدولة الفاشلة , العراق نموذجا

د. عادل عبد الزهرة شبيب

2020 / 9 / 22

تم الترويج لمصطلح ( الدولة الفاشلة ) في اوائل التسعينات, ويشير هذا المصطلح بشكل عام الى حالة من الاخفاق الوظيفي تعاني منه الدولة ويؤدي الى تآكل قدرتها وقدرة نظامها على الحكم بفاعلية وكفاءة ما ينتج عنه سقوط وانهيار الدولة .
ويطلق مصطلح الدولة الفاشلة على الدولة التي فشلت حكومتها في القيام بمسؤوليتها حيث تكون ضعيفة وغير فعالة حتى انها لا تملك حتى انها لا تملك الا القليل من السيطرة على جزء من اراضيها وفقدانها لشرعية اتخاذ القرارات العامة وتنفيذها مع عجزها عن توفير الحد المعقول من الخدمات العامة والتفاعل مع الدول الاخرى كعضو فاعل في الأسرة الدولية .
وظائف السلطة السياسية وواجباتها :
ان من اهم وظائف السلطة السياسة وواجباتها هي تنظيم الحقوق والحريات المدنية والعناية الصحية والطبية وتوفير بنى تحتية ذات كفاءة عالية مع توفير نظام مؤسساتي اقتصادي ناجح يستطيع المواطنون من خلاله ان يسعوا الى اهدافهم ومشاريعهم , ولعل تحقيق الأمن والأمان في قمة هرم اولويات واجبات الدولة التي يجب تحقيقها لمواطنيها . كما يرى البعض ان الدولة الفاشلة هي تلك الدولة التي تحكمها الميليشيات المسلحة وهي تلك الدولة التي تفقد السيطرة على وسائل العنف الخارج عن القانون ومن ثم تكون عاجزة عن تحقيق السلام والاستقرار لشعوبها وفي فرض السيطرة على اراضيها او جزء منها وعلى منافذها الحدودية البرية والبحرية والمطارات وفرض سيطرتها على مافيات الفساد والتهريب ولا تستطيع ضمان النمو الاقتصادي للبلاد او تقديم الخدمات وغالبا ما تتميز بانعدام المساواة الاقتصادية والمنافسة .
مؤشرات الدولة الفاشلة :
منذ عام 2005 بدأت منظمة صندوق السلام وبالاشتراك مع مجلة السياسة الخارجية ( فورين بوليسي ) في اصدار تقارير سنوية حول الدول الفاشلة حيث تم اعتماد عدة مؤشرات رئيسة تتمثل بـ :
1) المؤشرات السياسية والأمنية .
2) المؤشرات الاقتصادية .
3) المؤشرات الاجتماعية.
الى جانب العديد من النقاط الفرعية والتي بموجبها يتم تحديد الدولة الفاشلة . الا ان هذا الفشل ليس متشابها او متساويا بين جميع الدول فهو امر نسبي حيث هناك دولة فاشلة جزئيا او متوسطة الفشل او فاشلة كليا . وهناك اختلاف في الظروف الداخلية والخارجية للدول الفاشلة الا انها تشترك بسمو واحدة وهي تفشي متلازمة الفقر والبطالة والفساد وانعدام الأمن . كما توجد عدة معايير للدولة الفاشلة مثل :
عدم احترام حقوق الانسان وحقوق المواطن والقانون والنظام والاستهانة بهما من قبل الحكومة او كبار موظفيها او رؤساء اجهزتها الأمنية حيث يستطيع كل متنفذ ممارسة ما يريد من الصلاحيات او الاستيلاء على املاك الدولة والمال العام . كما يزداد الفساد والمحابات وتراجع تكافؤ الفرص والعدالة بين المواطنين وتتفجر داخل هذه الدولة العديد من التناقضات تصل احيانا الى درجة الصراع المسلح كالطائفية والثنية وغيرها على حساب المواطنة. وتتولد في الدولة الفاشلة الفوضى والتناقضات واحيانا التمردات وسيطرة الميليشيات المسلحة على الدولة وقراراتها . كما تغيب في الدولة الفاشلة معايير الدولة الحديثة كالحرية والمساواة والعدالة وتكافؤ الفرص والديمقراطية الحقيقية وفصل السلطات , الى جانب تردي الأوضاع الاقتصادية للبلاد .
وقد يكون الفشل كاملا وتاما عندما تنفجر الصراعات الداخلية بين فئات المجتمع فتصل الى مرحلة الصراعات المسلحة التي لا تستطيع الدولة السيطرة عليها حتى لو استخدمت جيشها وقواتها المسلحة مما يستدعي التدخل الخارجي لدعم السلطة وتثبيت اقدامها . كما يكون الفشل كبيرا ايضا عندما ينتشر الفساد الكبير في الدولة المعنية وتتضاءل المحاسبة او تنعدم وتمارس السلطة و(الطرف الثالث ) الاغتيال والقمع والاعتقال غير القانوني والتعذيب في حق المواطنين. فالفشل لا يتعلق فقط بعدم حفظ السلام الاجتماعي وانما ايضا بالتقصير في تأمين احتياجات مختلف جوانب الحياة التي يعيشها المواطن ومتطلباته الاقتصادية والسياسية والاجتماعية .
الخصائص الرئيسة للدولة الفاشلة :
وفيما يتعلق بالخصائص الرئيسة للدولة الفاشلة الموضوعة من قبل صندوق السلام وفورين بوليسي التي تضمنها تقاريرها السنوية فتتمثل بـ :
1) فقدان سيطرة الدولة على اراضيها او جزء منها وعدم التمكن من فرض السيطرة والسلطة داخل اراضيها .
2) تآكل السلطة الشرعية لدرجة العجز عن اتخاذ قرارات موحدة .
3) عدم القدرة على توفير الخدمات العامة .
4) عدم القدرة على التفاعل مع الدول الاخرى كعضو كامل العضوية في المجتمع الدولي .
هناك العديد من المؤشرات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تشير الى الدولة الفاشلة , ولكننا سنركز هنا على المؤشرات الاقتصادية للدولة الفاشلة والمتمثلة بـ :- 1. عدم انتظام معدل التنمية الاقتصادية وعدم المساواة في توزيع فرص التعليم والعمل مما ينتج عنه تصاعد النزاعات والانقسامات في المجتمع .
2. استمرار تدهور الوضع الاقتصادي وذلك وفقا للمؤشرات الدالة عليه والمتمثلة في معدلات الدخل القومي وحجم الدين العام ومعدلات وفيات الأطفال وارتفاع نسبة الفقر وانخفاض معدلات الاستثمار وارتفاع معدلات البطالة , الى جانب ارتفاع الأسعار وانهيار وتدهور العملة الوطنية مع نمو وانتشار تجارة السوق السوداء .
3. ازدياد معدلات الفساد والمعاملات غير الشرعية بين عامة الناس دون وجود قواعد لهذا النمط من التعاملات التجارية بالتوازي مع عدم قدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها المادية لمواطنيها مثل برامج الضمان الاجتماعي والمعاشات .
4. التنمية الاقتصادية غير المتكافئة ما بين المجموعات التي تنتمي الى البلد الواحد .
5. التدهور الاقتصادي الحاد مع اختلالات بنيوية وركود في الدورة الاقتصادية وانهيار قيمة النقد الوطني .
لقد اعتبرت تقارير المنظمة ولعدة سنوات العراق دولة فاشلة ( وهذا احد الانجازات المهمة للحكومات المتعاقبة منذ 2003 والى اليوم ), بسبب عدم استطاعت سلطاته من السيطرة على المجتمع ومنع النزاعات العشائرية المسلحة والتطاحن الطائفي ومكافحة الفساد الكبير المتفشي ووضع حد للميليشيات المسلحة المنفلتة التي تتحدى الدولة وعدم احترام مرجعية المواطنة وترك العنان للمرجعيات الثانوية والميليشيات المسلحة وقواها المتنفذة لتسيطر اضافة للتقصير في تقديم الخدمات للناس . وتتحاصص , اضافة للتقصير في تقديم الخدمات للمواطنين .
وتشير تقارير المنظمة الى احتلال العراق المراتب الخيرة في مؤشر الدولة الفاشلة اذ احتل المرتبة الرابعة من بين الدول الفاشلة في عام 2005 , وفي عام 2006 احتل ايضا المرتبة الرابعة , بينما احتل المرتبة الثانية بعد السودان في عام 2007. في حين احتل المرتبة الخامسة في عام 2008 .والسادسة في عام 2009 بعد الصومال اولا ثم زيمبابوي ثانيا والسودان ثالثا وتشاد رابعا والكونغو الديمقراطية خامسا ثم العراق تليه افغانستان . وحسب مؤشر عام 2019 احتل العراق المرتبة الخامسة عربيا والمرتبة ( 13 ) عالميا بدرجة تحذير قصوى .
وحتى يكون العراق من الدول القوية الناجحة وغير الفاشلة عليه الاهتمام بالمؤشرات الاجتماعية وتوفير الاحتياجات الأساسية من مواد غذائية ومياه صالحة وكهرباء وغيرها من الخدمات العامة تعليمية وصحية مجانية وغيرها. ووضع حد لحركة اللاجئين الى خارج العراق ومعالجة مشاكل الشباب والخريجين وتوفير فرص العمل والحياة الحرة الكريمة للسكان , مع وضع حد للتهجير الداخلي ومعالجة اسباب ذلك واعادة المهجرين الى ديارهم بعد اعمارها وعدم السماح باندلاع الصراعات الداخلية بين الجماعات الفرعية والطائفية والعشائرية وحل النزاعات سلميا وفقا للقانون . اضافة الى وضع حد لهروب الكفاءات خارج العراق هربا من الممارسات غير العادلة من قبل النظام ومعالجة الاوضاع الاقتصادية والفقر والبطالة عموما . الى جانب معالجة المؤشرات السياسية والأمنية ومكافحة الفساد وتزايد الهجمات المسلحة للميليشيات المسلحة المنفلتة وارتفاع نسبة مقاطعة الانتخابات والتشكيك في نتائجها والتظاهرات والاعتصامات وزيادة قدرة الدولة على تقديم الخدمات العامة ومعالجة شحة مياه الشرب ورداءتها وحل ازمة الكهرباء , واعتماد تطبيق القانون واحترام حقوق الانسان ومعالجة النهج الطائفي والمحاصصة واعتماد مبدأ المواطنة في سلوك الدولة وفرض القانون والحفاظ على استقلالية القرار السياسي وعدم السماح بالتدخل في الشأن العراقي . الى جانب معالجة الأوضاع والمؤشرات الاقتصادية والعمل على انتظام معدل التنمية الاقتصادية والمساواة في فرص العمل والتعليم ومعالجة البطالة وتحسين الوضع الاقتصادي والعمل على تنويع مصادر الدخل القومي والتخلص من الاقتصاد الريعي وتفعيل القطاعات الانتاجية المختلفة ومعالجة ظاهرة الفقر ووضع حد لارتفاع الأسعار والسوق السوداء ورفع قيمة العملة الوطنية مقابل العملات الأجنبية اضافة الى مكافحة الفساد وتقديم كبار الفاسدين مهما كانت مناصبهم مع صغار الفاسدين للمحاكمة العادلة واسترجاع الأموال المنهوبة . وقيام الدولة بالتزاماتها المادية لمواطنيها بتشريع قانون الضمان الاجتماعي والضمان الصحي ومعالجة اوضاع السكن وتحسين الأحوال المعيشية للسكان عموما خاصة للمتقاعدين والكسبة وذوي الدخل المحدود مع تعزيز الديمقراطية واحترام القانون ومنع المظاهر المسلحة المنفلتة وحصر السلاح بيد الدولة فعلا وليس قولا فقط . وعند تحقيق كل تلك المؤشرات السياسية والأمنية والاجتماعية والاقتصادية لصالح الشعب والوطن , يمكن القول عندها ان الدولة قد تجاوزت صفة الفشل وحققت النجاح. فمتى يكون العراق من الدول القوية الناجحة وغير الفاشلة وغير الهشة ؟!!!.#

#   عن الحوار المتمدن….


 

facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى