الاقتصادية

متطلبات إصلاح القطاع المصرفي في العراق

متطلبات إصلاح القطاع المصرفي في العراق

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2012 / 5 / 8
الادارة و الاقتصاد


يعد القطاع المصرفي أحد الدعامات الأساسية للنهوض الأقتصادي في أي بلد. إن المصارف و الإستثمار صنوان متلازمان لصنع عملية النمو و التنمية على أساس راسخ و مستدام، لاسيما و إن القطاع المصرفي يشكل القناة التمويلية الرئيسية للأنشطة الإستثمارية في العراق و في سائر الدول النامية.

واقع القطاع المصرفي في العراق
يتكون القطاع المصرفي في العراق حالياً من مصرفين حكوميين هما. الرافدين و الرشيد و خمسة من المصارف الحكومية المتخصصة و هي: المصرف الإشتراكي، العقاري، الزراعي، الصناعي، المصرف العراقي للتجارة و ۱۹ مصرف في القطاع الخاص مؤسسة كشركات مساهمة و هناك عدد آخر قيد التأسيس، فيما حصلت ٨ من المصارف العربية و الأجنبية على ترخيص مصرفي لها للعمل في العراق.
يستحوذ القطاع الحكومي على ٩٠٪ من النشاط المصرفي، و يقدر إجمالي موجودات القطاع المصرفي في العراق بـ ٢ مليار دولار حسب تقديرات البنك الدولي و هذا ما يمثل فقط ٨٪ من الناتج المحلي الإجمالي في العراق، مما يعكس الدور الهامشي الي يؤديه هذا القطاع في أداء مهامه التقليدية في الوساطة بين المدخرين و المستثمرين و تمويل التراكم الرأسمالي خاصة في القطاع الخاص. لم يؤد مصرف الرافدين و الرشيد أي دور فاعل في إقراض القطاع الإنتاجي الخاص خلال العقود الثلاث المنصرمة. و مما يؤيد هذا الإستنتاج إن قيمة القروض في ميزانية مصرف الرافدين لم تتجاوز ٨٪ من قيمة الموجودات و إن ما يناهز ٦٠٪ من هذا الإقراض إتجه الى مؤسسات و شركات القطاع العام. و لم يذهب إلا الجزء الضئيل منه بشكل إقراض الى القـــطاع الخاص. و عند التدقيــق نجد إن ٦٦٪ من موجودات مصرف الرافدين و ٥٠٪ من موجودات مصرف الرشيد تتكون من حوالات الخزينة التي كانت تصدرها الحكومة العراقية السابقة لتمويل القطاع العام و توفير الإعلانات و الدعم له. هذا يعني إن الجزء الأعظم من النشاط المصرفي العراقي كان و لازال مخصصاً لتمويل القطاع العام و ليس القطاع الخاص مما حرم الأخير من التمويل اللازم للتراكم الرأسمالي الذي يعد مصدر النمو و التنمية ، و هو ما إنعكس سلباً على تكوين رأس المال الثابت الذي تراجع (بالإسعار الثابته للعام ١٩٨٨) من ١٤٩٧ مليار دينار عام ١٩٩٠ الى ١٦٠ مليار دينار عام ١٩٩٩. أما فيما يتعلق بالمصارف الحكومية المتخصصة التي يفترض أن تقدم دوراً سانداً للقطاع الخاص إلا إن الحقيقة غير ذلك، فعندما نحلل موجودات المصرف الصناعي مثلاً نجد إن ٧٠٪ من موجوداته تتكون من النقود و السندات الحكومية المتنوعة بينما لم يذهب إلا الجزء اليسير جداً الى قروض القطاع الخاص. أما المصارف الأهلية العراقية التي نشأت في عقد التسعينيات فقد نشأت جميعها على شكل شركات مساهمة يتكون رأس مالها عن طريق الإكتتاب العام للجمهور. و أدى سوق بغداد للأوراق المالية دوراً حيوياً في الترويج لهذه المصارف بعد الإكتتاب الأولي. بلغ متوسط رأس مال المصارف الأهلية و التي كان عددها ١٧ مصرفاً في نهاية عام ٢٠٠١ ما يعادل ١٫٢ مليار دينار أي أقل من مليون دولار. و هو ما يعكس الدور المحدود جداً لهذه المصارف في تمويل القطاع الخاص. و على الرغم من محدودية القاعدة الرأسمالية لهذه المصارف إلا إنها أدت دوراً فاعلاً في تمويل أنشطة القطاع الخاص بشكل فاق نسبياً ما قامت به المصارف الحكومية مجتمعة في تمويل القطاع الخاص، حيث قدمت المصارف الأهلية في العراق قروضاً في عام ٢٠٠١ و بلغت ١١٠ مليار دينار أي ما يعادل ٧٤ مليون دولار.
عانئ القطاع المصرفي بعد سقوط النظام السابق حالة من الإنحسار، فالحكومة كانت قد إستغلت القطاع المصرفي في تمويل المشروعات غير المجدية التي تملكها الدولة، و في تراكم مستويات من الديون الخارجية لا يمكن الإستمرار في تحملها. و من المفارقات إنه رغم إعسار الجهاز المصرفي ككل كانت سيولته لا تزال مرتفعة. و قد أدى عدم الإحساس بالإمان بسبب الحرب و توابعها الى نمو كبير في الإيداعات المصرفية و من ثم تضخمت السيولة على الجهاز المصرفي من حسابات الإيداع الجديدة. و أشارت التقديرات الى إنه في عام ٢٠٠٣ كان لدى مصرف الرافدين و هو أكبر مصارف الدولة، سيولة تقدر بأقل قليلاً من ٤٠٠ مليون دولار أمريكي و صافي حافظة قروض بقيمة ٤٤ مليون دولار فقط.
يعمل القطاع المصرفي في العراق على الدوام على أساس منح القروض بضمانات عينية و هذا ما أدى الى إستبعاد ٩٥٪ من السكان من الإقتراض من المؤسسات المالية الرسمية، وقد شكل ذلك كابحاً شديد الوطأة لتنمية القطاع الخاص. يعتمد القطاع المصرفي العراقي بشقيه العام و الخاص على المعايير المصرفية التقليدية في سياسته الإقراضية و بدرجات متفاوته من الحذر.
و على العموم كان القطاع المصرفي في العراق و مازال متزمت و الى حد كبير في منح القروض متجنباً أي درجة من المخاطرة مما أدى الى صعوبة وصول القروض المصرفية الى صغار المستثمرين و رجال الأعمال ، بسبب عدم رغبة المصارف المخاطرة بقروض طويلة الأجل و بضمانات التدفقات النقدية للمشروع بشكل أساسي مع قدر محدود من الضمانات العقارية، و لهذا السبب عجز صغار المستثمرين و هم الأغلبية الساحقة في القطاع الخاص في الإستفادة من القطاع المصرفي لعدم قدرتهم على توفير الضمانات العقارية.
الحقيقة الأخرى في القطاع المصرفي العراقي هو إن الطلب على التمويل دائماً ما تجاوز العرض مما أدى في كثير من الأحيان الى تفشي مظاهر الفساد الإداري ، فالقطاع المصرفي الحكومي تفشت فيه مظاهر المحسوبية السياسية و الرشوة في منح القروض، و إنتشرت في القطاع المصرفي الخاص مظاهر حصر الجزء الأعظم من الإئتمان النقدي الى مستثمرين على صلة مباشرة بمجالس إدارة المصارف، و يصل الإئتمان النقدي الممنوح خلافاً للقانون في بعض المصارف الى نسب عالية قد تصل الى ٥٠٪ من إجمالي الإئتمان الممنوح من المصرف المعني. و من جانب آخر عجز القطاع المصرفي عن توفير التمويل اللازم للإستثمارات الكبيرة و المتوسطة بسبب ضآلة القاعدة الرأسمالية لهذه المصارف. كما فشل القطاع المصرفي في تطوير خدمات مصرفية تتلائم مع إحتياجات السوق و بقي نشاطه محصوراً بتقديم القروض و خطابات الضمان.
يعاني القطاع المصرفي في العراق و لأسباب عديدة ( عدم تطبيق المصارف لأسس سليمة عند تقديم الإئتمان، التوسع الكبير في منح الإئتمان، توفير السيولة العالية لدى المصارف، المنافسة بين المصارف، الصلاحيات الواسعة الممنوحة لمدراء الفروع و إلخ…)
من مشكلة الديون المشكوك في تحصيلها و التي بلغت نسبتها الى إجمالي الإئتمان المقدم في نهاية عام ٢٠٠٢ حوالي ٣٣٪ في مصرف الرافدين و ١٩٪ في مصرف الرشيد ، في حين إرتفعت نسبة الديون المتأخرة التسديد لدى المصارف الأهلية الى ٦٥٪ في مصرف البركة، ١٥٪ في المصرف المتحد للإستثمار و ١٨٪ في مصرف الوركاء.
لكن الظروف غير الطبيعية التي شهدها العام ٢٠٠٣ و التي إنعكست سلباً على القطاع المصرفي في العراق الذي توقف عن النشاط في معظمه خلال فترة الحرب و ما بعدها لعدة أشهر، و هو ما أدى لاحقاً الى إرتفاع ملحوظ في مبالغ الديون المتأخرة التسديد في العديد من المصارف العراقية حيث بلغت النسبة في نهاية العام ٢٠٠٣ نحو ٥٠٪ في مصرف الرافدين و ٢٨٪ في مصرف الرشيد، كما إرتفعت النسبة في العديد من المصارف الأهلية لتبلغ ٦٧٪ في مصرف البركة، ٢٦٪ في المصرف المتحد للإستثمار و ٢٩٪ في المصرف الأهلي العراقي.
بعد التغييرات السياسية السياسية و الإقتصادية التي شهدها العراق بعد الربع الثاني من عام ٢٠٠٣، إتخذت السلطة النقدية إجراءات جادة الهدف منها تعزيز و دعم القطاع المصرفي في العراق. فقد تم تحرير أسعار الفائدة و تركت الحرية للمصارف في تحديد نسب الفائدة وفقاً لآليات السوق كما تم منح إجزات عمل لعدد من المصارف العربية و الأجنبية.

التحديات التي تواجه القطاع المصرفي في العراق
يواجه القطاع المصرفي في العراق العديد من التحديات التي يمكن إيجازها بما يلي:
1. الإستقرار الأمني و الإقتصادي
لا يزال الهاجس الأمني يشكل العقبة الكأداء التي تحول دون تطوير القطاع المصرفي في العراق، إذ لا يمكن لهذا القطاع أن يعمل و يتطور في ظل بيئة أمنية مضطربة، فضلاً عن ذلك فإن الإستقرار الإقتصادي و سلامات السياسات الإقتصادية يعد عاملاً مهماً في تطوير القطاع المصرفي حيث لا يمكن فصل الوضع المالي و المصرفي عن الوضع العام للسياسة الإقتصادية لذلك لا بد من العمل الدؤوب على تحسين فرص نجاح إختيار و تطبيق السياسات الإقتصادية المناسبة.
2. التطورات التكنولوجية المتلاحقة التي أختزلت العالم في قرية كونية حيدت الجغرافية و سهلت الإتصال و الترابط بين الأسواق العالمية من خلال وسائل الإتصالات الحديثة.
3. إعتماد الإقتصاد العالمي الجديد على المعلوماتية، سرعة و فورية الإتصالات و هذا يعني ضرورة معالجة المعلومات بسرعة و إستغلال أفضل الفرص في الأسواق العالمية من أجل رفع القدرة التنافسية.
4. دخول مؤسسات و شركات مالية غير مصرفية في مجال الخدمات المصرفية بحيث أصبحت تنافس المصارف التقليدية في تقديم الخدمات.
5. توافر الأدوات المالية و المصرفية المبتكرة التي تؤدي الى أنواع جديدة من الخدمات المصرفية و التي تقدم من قبل مصارف و مؤسسات مالية عالمية تستخدم تكنلوجيا المعلومات و الإتصالات الحديثة.
6. الحاجة الملحة الى رفع قدرات و كفاءات قوة العمل في المصارف العراقية بما يكفل إستغلال التقنيات و نظم المعلومات الحديثة.
7. الإتجاه نحو توحيد مختلف الأعمال المصرفية و الخدمات المالية و تضاءل الفارق بين المصارف و المؤسسات المالية الإستثمارية و شركات التأمين و شركات السمسرة المالية و هو ما يعرف بإستراتيجية المصرف الشامل.
الإصطلاحات المطلوبة للقطاع المصرفي في العراق
ثمة عدد من الخطوات الملائمة التي تطرحها أدبيات الإصلاح للقطاع المصرفي في العراق يمكن إبرازها بما يلي:
1. إعادة هيكلة و تأهيل المصارف الحكومية عن طريق تخصيص بعض من المصارف الحكومية.
2. إعادة هيكلة القطاع المصرفي عن طريق تشجيع الإندماج بين المصارف و خاصة الصغيرة منها لإنشاء مصارف كبيرة يمكنها تقديم خدمات مصرفية متنوعة و متكاملة و بتكلفة تنافسية.
3. تطبيق نظام فاعل للرقابة المصرفية و تطوير الرقابة المحلية و القابلية على التنفيذ.
4. إستحداث و تطوير سوق للآوراق المالية الحكومية.
5. ترك تحديد رسوم و تعرفة الخدمات للمصارف على أساس تنافسي فيما بينها حتى تتحسن جودة الخدمات المصرفية.
6. توسيع قاعدة ملكية المصارف لجعل إدارتها مسؤولة أمام شرائح أوسع من المساهمين و لتقليل نفوذ القطاع العام فيها.
7. رفع الحد الأقصى لرأس المال المدفوع و المصرح به حتى تستطيع المصارف تلبية إلتزاماتها الحاضرة و المستقبلية.
8. إستحداث إطار عمل إحصائي شامل موحد يغطي جميع القطاعات الرئيسية للإقتصاد العراقي.
9. تحديث كفوء و تام للبنية التحتية المالية بما في ذلك القدرة على إجراء المدفوعات إلكترونياً في داخل العراق و خارجه……. # 

#. عن الحوار المتمدن….


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى