القانونية

مفاهيم سيادة القانون ومصطلحاته

مفاهيم سيادة القانون ومصطلحاته

محمد عبد الكريم يوسف

(Mohammad Abdul-karem Yousef)

2021 / 12 / 15

تدعم هذه المفاهيم مجتمعة منهج سيادة القانون، الذي يقر صراحة بالتفاعل المعقد بين الديناميكيات السياسية وديناميكيات السلطة، في أية عملية لتعزيز سيادة القانون، وتقر بضرورة ألا يشارك الموظفون العموميون، وأفراد المجتمع، فقط كطرفين متساويين في تلك العملية، بل أن ينظر إليهم أيضاً باعتبارهم مشاركين على نفس القدر من الأهمية. فيما يلي سوف نذكر عددا من المفاهيم والمصطلحات والتعابير المتعلقة بسيادة القانون:

الأمن البشري:

أُنشئ مصطلح الأمن البشري كبديل عن مصطلح الأمن الوطني التقليدي، وذلك لسببين اثنين. السبب الأول هو أنه ركز على الفرد باعتباره وحدة التحليل. أما السبب الثاني، فهو أنه صنف أوضاعاً مثل الفقر، والتلوث البيئي، وظهور الأمراض، والجوع، ومهددات سبل المعيشة، وانتهاكات الكرامة الإنسانية، كقضايا وثيقة الصلة بالأمن. وقد تحدى هذا المفهومُ مفهوماً آخر يحظى بقبول واسع النطاق، ألا وهو أن الأمن معناه الأمن الوطني الفعال، والدفاع عن الحدود الوطنية في مواجهة التهديدات الخارجية. أما الأمن البشري، فهو يعني، بدلاً من ذلك، تركيز الأمن على توفير الحماية الملائمة والحقيقية للمواطنين، سواء كأفراد أو كمجموعة.
وعلى مدار العقدين التاليين لوضع هذا المصطلح، حدث انقسام بين من يتمسكون بقوة بالتعريف الواسع البعيد المدى، والذي نشره في الأصل البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة وبين التعريف الأضيق، الذي ركز على العنف الحقيقي أو المُتوَعد، باعتباره المؤشر الرئيسي لانعدام الأمن البشري. وقد وُضع هذا التعريف الأخير، وتم استخدامه، من قِبَل مشروع الأمن البشري والذي يعرّف الأمن البشري بأنه يعني وجوب تمتع الأفراد بحياة خالية من العنف ومن الخوف من العنف.

ويعد التعريف الأضيق نطاقاً للأمن البشري شديد الاتساق مع مفهوم سيادة القانون. فعلى المستوى الأول، يركز كلا المفهومين أساساً على التحرر من العنف، بل وعلى الضمان الفعلي لعدم سقوط المواطنين ضحايا للعنف المباشر . وثانياً، كلما كانت المؤسسات القانونية، واحترام سيادة القانون، أكثر قوة في المجتمع، تراجع احتمال أن يقدر ممارسو العنف غير التابعين لجهات حكومية—سواء أكانوا يعملون لتحقيق مآربهم الخاصة، أو كأذرع مستترة للحكومة الوطنية—على التهديد بالعنف، أو ممارسة التهديدات وأعمال العنف ضد أقلية معينة، أو ضد أية فئات أخرى يحتمل استهدافها. وأخيراً، فإن الأمن البشري يقر بحقيقة أن أخطر التهديدات بالعنف تحدث داخل الحدود الوطنية، وعلى أيدي الحكومات الوطنية، أو وكلائها، أكثر من أي نوع آخر من العنف. وفي أسوأ الحالات، بالطبع، تأخذ هذه الممارسات شكل انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، وفظائع جماعية، وإبادة جماعية—وهي انتهاكات
تقع عندما يحدث انهيار تام لسيادة القانون.

الأمن الوطني:

يجمع بين الأمن الوطني والأمن البشري هدف مشترك، يتمثل في ضرورة أن يعيش الأفراد حياة خالية من العنف الاستبدادي والوحشي، سواء في مجتمعهم المحلي، أو كمواطنين في الدولة. وبالمعنى الواسع للأمن الوطني، فإن ذلك يعني بالتأكيد التحرر من الحروب الداخلية، والإبادة الجماعية، وعمليات التشريد التي تكون مصاحبة عادة بعنف واسع النطاق. وقد يفيد التفسير الصارم للأمن البشري بأنه لا يستتبع فقط التحرر من أعمال العنف العلنية، بل أيضاً التحرر من التهديدات بالعنف. ومن ثم يبدو أن احتمال التعرض لحصار الإرهاب، أو سقوط الأفراد ضحايا للعنف المستمر، سواء كأهداف معينين، أو على نحو ما يطلق عليه أضرار تبعية ، مناسباً لتعريفي الأمن المشار إليهما أعلاه.

لا يدرك مناصرو الأمن البشري أن هناك اتساقاً أيضاً بين سيادة القانون والأمن الوطني. هناك وجهة نظر تفيد بأن القوات المسلحة التي تتمتع بدعم شعبي، وكذلك السياسة الأمنية، الموضوعة على المستوى الوطني، لحماية الحدود، يعتمدان بشدة على الاحترام والثقة التي تتمتع بهما الحكومة الوطنية لدى مواطنيها، باعتبار هذه الحكومة جهة عادلة وشرعية لسن القوانين وتحقيق الأمن، ويعتمدان على التطبيق الصحيح لهذه القوانين في الحياة اليومية. ومن جانب آخر، فإن من شأن الممارسات
الشرطية المتسمة بالفعالية واحترام الحقوق، أن تعزز الأمن الوطني في مواجهة تهديدات الإرهاب والعنف الداخلي، التي يمكن أن تعرض قلب الدولة إلى الخطر. وبناء على ما سبق، فإن الأمن الوطني القوي يتضمن ممارسات شرطية، وقوات مسلحة، فعالة وخاضعة للقانون، إلى جانب مواطنين ملتزمين بوضع الثقة في هذه الأطراف الثلاثة.

يمكن لمفهومي الأمن البشري والأمن الوطني أن يكونا، بل إنهما كثيراً ما كانا، متعارضين في الواقع المعاش لكثير من الأمم والشعوب. ويحدث هذا عندما تُستخدم مبادئ الأمن الوطني من جانب القوات المسلحة، ومؤيديها، لتبرير الديكتاتورية والحكم العسكري، باعتبارهما لازمين لحماية الدولة من التهديدات الخارجية—سواء أكانت هذه التهديدات حقيقية أم مُتخيلة. وغالباً ما يحتجّ هذا المنطق بأنه من الضروري أن تُعلّق الحريات المدنية، وغير ذلك من مبادئ سيادة القانون، في الوقت الحالي، في ضوء التهديدات الأمنية. وتمضي الحجة أيضاً في إظهار أن تعليق الحقوق وسيادة القانون يعد أمراً لازماً، حتى يتسنى الحفاظ على إمكانية إقامتها من جديد لاحقاً، بمجرد أن يتم احتواء التهديد الأمني، أو إنهاؤه، بالكامل. ومن ناحية أخرى، تتحدى مناهج الأمن البشري ذلك المنطق من خلال ضرب المثل تلو الآخر، من التاريخ الحديث، على إطار الأمن الوطني الذي يؤدي في المدى البعيد إلى قمع قسري للحقوق، وإلى إهمال سيادة القانون، من أجل توفير الحماية التي تهدف هذه الأفعال إلى ضمانها. وقد كان هذا هو ادعاء نظام الفصل العنصري، في جنوب إفريقيا، للبيض المناصرين للأقلية، كما أنه كان الحجة التي استعان بها، بشكل خاص، اللواءات وحلفاؤهم من المدنيين، الذين برروا انقلاباتهم، وحكمهم الصارم، في مختلف دول أمريكا اللاتينية، منذ سبعينيات القرن العشرين وحتى التسعينيات من نفس القرن.

إن التحديات المتراوحة ما بين الشبكات الإجرامية عبر الوطنية، وآثار الزيادة في الحرارة العالمي المتمثلة في الجفاف، وانتشار الأمراض المعدية المميتة، تعلمنا أن سيادة القانون هي بالقطع ضرورية لمعالجة الأزمات التي لم يسبق لها مثيل. إن سيادة القانون هي الإطار الحاسم والمتسق، الذي تستطيع في ظله المجتمعات، وحكوماتها، أن تحصل على الفرصة المثلى لتحقيق كل من الأمن البشري والأمن الوطني.

وعندما تنصب شرور هذه التحديات الجديدة على الشعوب، وتضع الحكومات تحت ضغوط معينة، يتمثل دور ثقافة سيادة القانون، ومؤسساتها، في رفع قدرة الدولة على الصمود أمام هذه التهديدات والحوادث، إذ إنها تتيح للمجتمع فرصة النهوض من جديد والعودة إلى التوازن المثالي بين العدالة والأمن، بدلاً من الاعتقاد بأن الخيار لابد أن يكون لأحدهما على حساب الآخر. ومن شأن سيادة القانون أن تضمن للمجتمعات، وحكوماتها، إمكانية التعافي من الصدمات التي يتعرض لها النظام، بشكل أسرع، ودون ضرورة لإهمال الحقوق، أو التركيز المفرط على الأمن الوطني على طول الطريق.

العدالة الانتقالية:

لقد أصبحت العدالة الانتقالية، بشكل عام، مصطلحاً فنياً يتم استخدامه في مجالات سيادة القانون، وحقوق الإنسان، والعدالة، والأمن، وهي تعني مجموعة الآليات المتنوعة التي يتم من خلالها التصدي لانتهاكات الماضي. وتنظر العدالة الانتقالية إلى كيفية معاناة المجتمع من النزاعات العنيفة، وتتبين حقيقة ما حدث، ولماذا حدث. وتتخطى العدالة الانتقالية الآليات القضائية، المتمثلة في محاسبة الجناة ووضعهم في السجون، أو تقديم التعويضات للضحايا. وهناك أيضاً عدد من الآليات التي تركز على العنصر النفسي والاجتماعي، إذ تنظر إلى النسيج الاجتماعي الذي مزقه النزاع—وهي تتضمن أشياء مثل الإرشاد النفسي للتعافي من الصدمات، أو النُصُب التذكارية التي يمكن للناس زيارتها، أو المتاحف المخلدة للذكرى. وعلى سبيل المثال، يوجد في أياكوتشو في بيرو متحف للذكرى، يحتوي على أشياء تتعلق بالنزاع الدموي الذي عانى منه المواطنون في كل شيء من صور الضحايا وقصصهم، وملابسهم، بالإضافة إلى تحليل تاريخي للنزاع.

العدالة الانتقالية والعدالة وسيادة القانون:

ولقد حاول أنصار العدالة الانتقالية، منذ أعوام في كوسوفو، أن يكتشفوا طريقة ما لمحاسبة الأشخاص الذين ارتكبوا انتهاكات في الماضي . وكان هناك اقتراح بإقامة محكمة لجرائم الحرب، مثل تلك التي أقيمت في لاهاي، أو إقامة محكمة محلية. ومع ذلك، فقد وقع رد فعل عنيف ضد ذلك الاقتراح، إذ تساءل الناس لماذا تُنفق أموالٌ طائلة على عقد محاكمات لعدد محدود تماماً من الجناة. وماذا عن العناصر الأخرى لنظام العدالة؟ ماذا عن منع وقوع انتهاكات مستقبلية لحقوق الإنسان؟ إن النظر إلى الماضي مسألة مهمة، ولكن إذا كان الهدف أيضاً هو محاولة منع هذه الجرائم الوحشية من الوقوع مستقبلاً، فإننا سنحتاج إلى نظام قوي للعدالة والأمن يكون قادراً على أداء هذا الدور، بل وعلى التصدي أيضاً للقضايا اليومية. إن المسألة ليست تفضيل أحدهما على الآخر، بل إنها تتطلب النظر إلى النظام كوحدة واحدة، مع إتباع منهج منظم للعدالة والأمن.

ولا يمكن للعدالة الانتقالية أن تكون مجرد عملية تجميلية تتم هنا وهناك. إنها لا تتعلق بإقامة محكمة، أو بتشكيل لجنة لتقصي حقائق، أو إقامة نصب تذكاري، ثم يكون عليك في غضون عامين أن تصرح بأن المشكلة قد عولجت. إن الأمور لا تسير هكذا. لقد كنت في جواتيمالا منذ خمسة أعوام، وكان ذلك بعد مضي عشرين عاماً على النزاع العنيف الذي كان دائراً هناك. لقد تم تشكيل لجنة لتقصي الحقائق،
ولكنهم حتى الآن، وبعد مرور كل هذه السنوات، مازالوا يبحثون عن كيفية محاسبة بعض الأشخاص الذين لازالوا يعملون فعلياً في الجيش . وبينما كانوا يتجادلون حول كيفية التعامل مع الماضي، كان البلد يسقط فعلياً في براثن الفوضى والنشاط الإجرامي. ومن سخرية القدر أن المواطنين كانوا يطالبون الجيش بالتدخل لمعالجة الأمر، إلا أنه نظراً للأحداث الماضية، فقد خاف الجيش من القيام بهذه الخطوة. ونتيجة لأنهم لم يتعاملوا مع صدمة الماضي بفعالية، وهو أمر يصعب القيام به، فقد عجزوا عن إدارة الوضع الحالي.

هناك ميل طبيعي، لدى البيئات الخارجة لتوها من نزاع ما، نحو محاسبة الأشخاص. فقد حدث في نيبال عام 2006، بعد أن تنازل الملك عن عرشه في أعقاب ثورة شعبية، أن سادت حالة من الإحباط والغضب بين الجماهير، التي أخذت تطالب بوضع نهاية لإفلات المسؤولين الحكوميين من العقاب.

وقد تنبعث المطالبة بالحساب من دوافع سياسية أيضاً—وهو ما يُزعم في بعض الأحيان أنه عدالة المنتصرين . وليس من السهل علينا دائماً أن نحدد الأسلوب الأمثل لإدارة هذه التحديات السياسية والقانونية والإنسانية التي تتسم بالتعقيد الشديد. وإضافة إلى ذلك، لقد ثارت تساؤلات حول قابلية آليات العدالة الانتقالية للتطبيق في البيئات التي تطبق الشريعة الإسلامية . وقد أُنجز الكثير من العمل المثير للاهتمام في هذا المجال.

سيادة القانون وحقوق الإنسان:

لقد أصبح مفهوما سيادة القانون وتعزيز حقوق الإنسان، في العالم الحديث، مفهومين مترابطين يدعم كل منهما الآخر، وهما يعم ان جنباً إلى جنب على مساعدة المجتمعات المفتوحة على تحقيق التوازن الفعال بين المصالح الجماعية والمصالح الفردية.

إذاً من أين تنبع حقوق الإنسان؟ من الزاوية القانونية، تنص المعاهدات الموقعة من جانب مختلف الدول على حقوق الإنسان، وهي معاهدات ملزمة على قدم المساواة لكافة البلدان الأطراف في أية معاهدة أو بروتوكول معين. وإذا ما صدّقت دولة ما على أية اتفاقية، فإنه يتعين عليها الامتثال لشروطها.

لقد أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة الإعلان العالمي لحقوق الإنسان في 10
كانون الأول 1948، وعلى الرغم من كونه إعلاناً وليس اتفاقية، فإنه يعبر عن عقيدة مؤسسي الأمم المتحدة بأن حقوق الإنسان هي أساس الحرية والعدالة والسلام في العالم. وقد عُقدت اتفاقيتان أساسيتان استناداً إلى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، لكي تعطيا المبادئ المتضمنة فيه أثراً قانونياً، وهما: العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والعهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية ، وقد دخل كلاهما حيز التنفيذ عام 1976 . وقد حددت هاتان المعاهدتان حقوق الإنسان، وأبرزتا المعايير التي استند إليها ما يزيد على100 معاهدة، وإعلان ومجموعة قواعد ومبادئ، دولية وإقليمية، حول حقوق الإنسان.

ويتشابك القانون الدولي لحقوق الإنسان أيضاً، على المستوى المحلي، مع القوانين المحلية وتشريعات الحقوق المدنية، التي يسبق الكثير منها فعلياً التطورات الدولية، في شبكة كثيفة مترابطة من عوامل الحماية. وهناك التزام على الدول بمواءمة التشريعات المحلية مع القانون الدولي، متى كان ذلك قابلا للتطبيق، ومع ذلك، سيكون على مسؤولي الدول الاسترشاد في عملياتهم اليومية بأنظمتهم القانونية الوطنية.

ومن ناحية أخرى، إذا ما نشأ تعارض بين الممارسة المحلية والممارسة القانونية الدولية لدولة ما، فإنه سيتعين على المسؤولين إدراك أن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان يمكن أن تعرضهم لمسؤولية جنائية دولية.
إن تجريم التعذيب والتمييز العنصري، والحق في المساواة أمام القانون، والمحاكمة وفق الأصول القانونية، وقرينة البراءة، والمبدأ القانوني العام الذي يفيد بعدم جواز محاكمة أي شخص على جريمة ما، إذا ما لم تكن تعتبر جريمة وقت ارتكابها، كل تلك القواعد تعتبر متضمنة في القانون الدولي العرفي، ما يعني أنها سارية على كل الدول، بغض النظر عن الانضمام إلى أية معاهدة، ومن ثم فإنه لا يجوز مخالفتها.

هناك كثير من الحقوق الأخرى، التي يصونها القانون الدولي لحقوق الإنسان، يمكن أن يخضع لقيود معينة، إذا ما نص القانون على تلك القيود، ومتى كان ذلك لازماً لعدد من الأغراض المحددة. ولا تتحقق سيادة القانون دون الوفاء بالتزاماتها، ودون أداء المواطنين واجباتهم تجاه الدولة وتجاه بني وطنهم.

الديمقراطية:

ترمز الديمقراطية إلى النظام السياسي الذي يختار في إطاره المواطنون حكومتهم من خلال انتخابات تنافسية. ويتفق العلماء بشكل عام على أن الحد الأدنى للديمقراطية الحديثة يتطلب الآتي:

1. انتخابات حرة ونزيهة.
2. المساواة بين جميع الراشدين في حق المشاركة في الحياة السياسية، سواء كناخبين أو كمرشحين .
3. حرية التعبير وتكوين الجمعيات، بالإضافة إلى حرية الصحافة، من أجل ضمان الإنصات للرؤى البديلة، وضمان تنافسية الانتخابات.
4. امتلاك الممثلين المنتخبين سلطة حقيقية، حتى لا يتسنى للأجهزة غير المنتخبة، مثل الجيش، أو أمراء الحرب، أو البلدان الأخرى، التحكم في القرارات الحكومية.

الحوكمة الرشيدة:

أصبحت الحوكمة الرشيدة هي الطريقة الأساسية التي يناقش بها المانحون الدوليون، وغيرهم من الجهات التنموية الفاعلة، الشؤونَ السياسية للبلدان النامية؛ وهي هدف الكثير من برامج المساعدات، وأحياناً ما تكون شرطاً لمنح المساعدات الاقتصادية والقروض . وبينما يختلف المانحون على ما تتطلبه الحوكمة الرشيدة بالضبط، فإنها تتضمن، بشكل عام، البيروقراطية الفعالة، والمساءلة، والشفافية في عملية صنع القرارات الحكومية، مع تركيز أكبر من جانب مانحين آخرين على معايير الشمول وسيادة القانون.

1. يشدد صندوق النقد الدولي على الجوانب الاقتصادية للحوكمة الرشيدة، ولاسيما كفاءة القطاع العام، والشفافية المالية، والمساءلة، ومكافحة الفساد.
2. يعتمد برنامج الأمم المتحدة الإنمائي رؤية ذات صبغة سياسية أعمق، إذ يركز على الحكومة المتميزة
3. بالقدرة، وسرعة الاستجابة، والشمول، والشفافية، مع الإشارة إلى الحوكمة الرشيدة باعتبارها حوكمة ديمقراطية.
4. تعتبر وزارة التنمية الدولية البريطانية أيضاً أن الحوكمةَ المصحوبة بالقدرة، والمساءلة، وسرعة الاستجابة هي الحوكمة الرشيدة، مع عدم اشتمالها على الديمقراطية.
5. تعتبر مؤشرات الحوكمة العالمية، التي وضعها البنك الدولي، هي أكثر مؤشرات الحوكمة استخداماً.

وهي تتضمن مؤشرات المشاركة والمساءلة، والاستقرار السياسي، وغياب العنف، وفعالية الحكومة وجودة التشريعات وتطبيقها وسيادة القانون ومنع الفساد.

سيادة القانون:

سيادة القانون لها تعريفات عديدة، ولكنها تتعلق في جوهرها بتقييد استغلال السلطة التعسفي، بحيث لا تستطيع الدول ارتكاب أفعال ضد مواطنيها مع الإفلات من العقاب، وبحيث يتعين على المواطنين أيضا إتباع القواعد الواجبة فيما يتعلق بتعاملاتهم بعضهم مع بعض. وتنشئ سيادة القانون، كنموذج مثالي، علاقة معينة بين المجتمع والدولة، يتحقق من خلالها الآتي:

1. تصبح الحكومة وكافة الأفراد ملتزمين بالقوانين المنشورة والمعلنة بشفافية.
2. يتساوى كافة المواطنين أمام القانون؛ ولا يجوز لعوامل مثل الثروة والأصل العرقي والفساد أن تقوض هذه المساواة.
3. يتمتع كافة المواطنين بإمكانية الوصول إلى آليات العدالة الفعالة والتي يمكن التنبؤ بها، وبغض النظر عن مواردهم المالية.
4. تحظى حقوق المواطنين بحماية القانون وتطبيقه.
5. يحظى المواطنون بحماية القانون والنظام.

وهناك خلافات حول ما إذا كانت حقوق الإنسان جزءاً جوهرياً من سيادة القانون، وحول ماهية الحقوق التي ينبغي تضمينها. ويفضل المعتدلون الحكم بالقانون ، حيث يتعين سن القوانين وتطبيقها بعدالة، دون ضرورة لتضمين حقوق الإنسان في محتوى القوانين، بينما تدرج أغلبية الوكالات المانحة قائمة من الحقوق المتنازع عليها، حتى في بلدانهم. ويختلف آخرون حول ما إذا كان ينبغي تضمين القانون والنظام، أو أنه مفهوم مختلف. وأخيراً، يرى البعض أن البيروقراطية الخالية نسبياً من الفساد، تعد عنصراً ضمنياً في كل من المتطلبات المشار إليها أعلاه، وكذلك الحكومة غير الفاسدة، والمسؤولين في قطاعات القضاء، والشرطة، والمؤسسات التأديبية، بينما يفصل آخرون مفهوم البيروقراطية الكفء وغير الفاسدة.

كيف تترابط هذه المفاهيم:

تتطلب الحوكمة الرشيدة المساءلة من جانب المواطنين، وفي بعض الأحيان تتطلب الشمول، وذلك على الرغم من أن معظم التعريفات تكاد لا تتطرق إلى شرط الانتخابات.

وتتطلب الديمقراطية المساءلة، والشمول، والمشاركة، ولكنها لا تتضمن دوماً الاستقرار السياسي وغياب العنف، أو فعالية الحكومة، أو جودة التشريعات وتطبيقها، أو البيروقراطية غير الفاسدة. ومن الممكن أن توجد ديمقراطية ضعيفة مع انتخابات حرة ونزيهة وتنافسية، مع سيادة حالة من العنف المفرط في المجتمعات، وحالة من الفساد وانعدام الكفاءة في البيروقراطية.

هناك ضرورة لتحقيق مقدار من سيادة القانون، حتى يتسنى إلجام الحكام، والسيطرة على العنف، وبحيث يمكن للانتخابات أن تكون حرة ونزيهة وغير مشوبة بفساد، وحتى يمكن حماية الحريات المدنية، وتسليم القادة للسلطة بعد خسارة الانتخابات. وتتطلب الحوكمة الرشيدة مساءلةَ الحكومة، ومنع الفساد، ووضع نظام قانوني يمكن التنبؤ به. في بعض الأحيان، كما هي الحال عند استخدام مؤشرات البنك الدولي، تعتبر سيادة القانون نفسها لازمة للحوكمة الرشيدة.

وتتطلب سيادة القانون نفسها بعضاً من جوانب الحوكمة الرشيدة، مثل تراجع الفساد، والبيروقراطيات الفاعلة والمساءلة والقانون والنظام.

الديمقراطية تدعم سيادة القانون وتقوضها في نفس الوقت:

تتطلب سيادة القانون طرقاً معينة لإخضاع مسؤولي الحكومة للمساءلة من جانب المواطنين. وتعتبر الديمقراطية هي الطريقة الأكيدة والأكثر فعالية لترسيخ مبدأ المحاسبة، ومع ذلك فهي ليست الطريقة الوحيدة . على سبيل المثال، يمكن أن يؤدي التزام الرؤساء التقليديين بالقانون العرفي، وإمكانية خلعهم من جانب مؤسسات أخرى سريعة الاستجابة للمواطنين، دوراً كذلك في ترسيخ مبدأ المساءلة.

يمكن لديمقراطية الأغلبية أن تقوض سيادة القانون من خلال تقليص حقوق الأقليات. وفي الديمقراطيات الليبرالية القوية، كثيراً ما تعمل مؤسسات العدالة، مثل نظام المحاكم، على مقاومة مبدأ تحكم الأغلبية، من أجل ضمان حماية حقوق كافة المواطنين وإرساء مبدأ المساواة بينهم، حتى في وجه المطالبات الشعبية بالقانون والنظام ، أو في وجه شتى أشكال الأغلبية العرقية، أو الدينية، أو غير ذلك.

المراجع

United Nations Development Program. The Human Development Report 1994: New Dimensions of Human Security. New York: Oxford University Press, 1994.

مشروع الأمن البشري http://hsrgroup.org/about-hsrp/about-us.aspx

T. Owen, “ Human Security – Conflict, Critique and Consensus: Colloquium Remarks and a Proposal for a Threshold-Based Definition,” Security Dialogue September 2004 35: 373-387.

Schnabel, Albrecht. “ The Human Security Approach to -dir-ect and Structural Violence .” in SIPRI Yearbook 2008, Appendix2C, 87-95. . New York: Oxford University Press, 2008.

UNESCO. Human Security: Approaches and Challenges . Paris: UNESCO Social and Human Sciences Sector, 2008.#

# عن الحوار المتمدن….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى