القانونيةاللجنة القانونية

مفهوم الملائمة الدستورية والعدول عن المبادئ السابقة

بسم الله الرحمن الرحيم مفهوم الملائمة الدستورية والعدول عن المبادئ السابقة قراءة في قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 32/اتحادية/2020 في 25/4/2021 من دواعي السرور عودة المحكمة الاتحادية العليا إلى ممارسة مهامها بعد توقف لمدة عام أو اكثر، وفي هذه العودة الميمونة بتشكيلها الجديد قد عادت الحياة إلى القضاء الدستوري في العراق، وكان لباكورة أعمالها الحكم الصادر عنها بالعدد 32/اتحادية/2020 في 25/4/2021 الذي تضمن القرارات الآتية:
  1. رد الطعن المتعلق بطلب عدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 39 لسنة 1994 وأوضحت في أسباب الرد بان الأحكام الواردة فيه ما زالت الحاجة قائمة اليها في الوقت الحاضر،
  2. الحكم بعدم دستورية النص غير النافذ (نص الفقرة (5) من القرار 39 لسنة 1994
  3. أوردت في حيثيات القرار مبدأ يتعلق بعدم وجوب استئخار الدعوى التي يحاكم عنها المتهم بموجب القرار الطعين
وهذه الفقرات الحكمية في قرار الحكم أعلاه أوردت مبادئ أساسية تناولها الفقه الدستوري، ولان أحكام القضاء الدستوري أصبحت من مصادر القاعدة القانونية، حيث يرى بعض فقهاء القانون الدستوري إن الحكم الصادر عن القضاء الدستوري يكون اقرب إلى المنشئ للقاعدة القانونية، لأنه يفصل في مدى دستورية القانون، وبذلك فانه يفصل في مسألة قانونية مجردة وعامة وملزمة لكافة السلطات، لذلك من الممكن أن يكون مصدر غير تشريعي أي ليس مصدر رئيسي أو أصلي لأنه لا ينشئ قاعدة قانونية وإنما يسهم بنهوض قاعدة قانونية كانت ملغاة أو معطلة بعد الحكم بعدم دستورية النص الذي عطلها أو ألغاها[1]، إلا أن عدم ذكر القضاء الدستوري في المادة (1) من القانون المدني رقم 40 لسنة 1951 المعدل لا يعني انه لا يكون من مصادر القاعدة القانونية، بل ذهب بعض الكتاب إلى ابعد من ذلك عندما اعتبره بمنزلة المصدر الأصلي للقاعدة القانونية وهو يقوم جنباً إلى جنب مع التشريع باعتبارهما يشكلان مصدراً أصلياً للقاعدة القانونية[2]، لأن الحكم بعدم الدستورية يؤدي إلى نهوض قاعدتين الأولى القاعدة الآمرة في النص الطعين والثانية نهوض القاعدة القانونية السابقة التي كانت معطلة بموجب النص المحكوم بعدم دستوريته[3]، حيث لا يجوز أن يترتب فراغ تشريعي على بطلان القاعدة القانونية المحكوم بعدم دستوريتها، ويكون الحكم بعدم الدستورية سند تعتمد عليه المحاكم الأخرى باعتباره نص له قوة نفاذ ملزمة وعلى الجميع اتباعه وهذا يمثل الوصف في خصائص القاعدة القانونية باعتبارها عامة ومجردة، وهذه الصور بمجملها توضح بان الحكم الصادر عن المحكمة الدستورية القاضي بعدم الدستورية قد احدث مراكز قانونية جديدة تكون بمثابة قواعد قانونية تستند إليها المحاكم عند التطبيق ويكون سريانها على الجميع، ومن هذه الأهمية التي يتمتع بها الحكم الصادر عن القضاء الدستوري كان لابد من قراءة قرار الحكم الصادر عن المحكمة الاتحادية أعلاه بقراءة فقهية تفيد البحث العلمي ودعم نشر الثقافة الدستورية، وسأعرض للموضوع على وفق الاتي: أولاً: قرار المحكمة الاتحادية العليا  والنص القانوني المطعون فيه
  1. قرار المحكمة الاتحادية العدد 32/اتحادية/2020 في 25/4/2021
أدناه نص قرار المحكمة الاتحادية العليا كما نشر في موقعها الإلكتروني: (تشكلت المحكمة الاتحادية العليا بتاريخ 25/4/2021 برئاسة القاضي السيد جاسم محمد عبود وعضوية القضاة السادة سمير عباس محمد وغالب عامر شنين وحيدر جابر عبد وحيدر علي نوري وخلف احمد رجب وأيوب عباس صالح وعبد الرحمن سليمان علي وديار محمد علي المأذونين بالقضاء باسم الشعب وأصدرت قرارها الاتي :- الطلب :- طلبت محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى للمنطقة الخامسة بموجب كتابها المرقم (ح/2265) في 30/3/2020 والمرفق بالقضية المرقمة (930/2020) الخاصة بالمتهم (ر ع ……) واستنادا إلى القرار المتخذ من قبل المحكمة أعلاه بمحضر الجلسة المؤرخ في 29/3/2020 بيان مدى دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (39) لسنة 1994 المعدل . وقد تضمن محضر الجلسة أعلاه ما يلي :- 1- سبق وأصدرت قوى الأمن الداخلي الأولى قرارها المرقم (930/2019) في 8/12/2019 المتضمن إدانة المتهم أعلاه وفق المادة (50/1) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم (40) لسنة 1970 المعدل بعد تبديل مادة الإحالة من قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (39) لسنة 1994 المعدل إلى مادة الإدانة أعلاه . 2- أرسلت القضية إلى محكمة تمييز قوى الأمن الداخلي لموضوع الطعن التمييزي واعيدت إلى المحكمة بعد نقض القرار لغرض إدانة المتهم وفق أحكام القرار أعلاه . 3- ترى محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى عدم دستورية القرار رقم (39) لسنة 1994 المعدل للأسباب التالية :- أ- ان احتواء قرار مجلس قيادة الثورة المنحل المذكور في أحكامه العقابية عقوبة الإعدام يعد مانعاً للمحاكم من جواز أخلاء سبيل المتهم بكفالة وهذا يتعارض مع نص المادة (37/أولا/أ) من الدستور والتي نصت على (حرية وكرامة الإنسان مصونة) وكذلك يتعارض مع أحكام المادة (2/ج) من الدستور والتي نصت على (لا يجوز سن قانون يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الواردة في هذا الدستور) وكذلك يتعارض مع أحكام المادة (19/خامسا) من الدستور التي نصت على (المتهم بريء حتى تثبت إدانته في محاكمة قانونية عادلة) وان المتهم في هذه القضية يبقى موقوفاً في حالة اتهامه وفق أحكام القرار المذكور وان القضية مستأخرة استنادا للمادة (4) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا لحين البت في الطلب وان المحكمة الاتحادية العليا سبق وان قررت بموجب قرارها بالعدد (10/اتحادية) في 26/2/2019 عدم دستورية الفقرة (2) من قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (76) لسنة 1994 . ب- ان الجرائم التي نظمها قرار مجلس قيادة الثورة المنحل انف الذكر هي جرائم ورد ذكرها في القوانين العقابية النافذة قانون العقوبات رقم (111) لسنة 1969 المعدل وقانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم (40) لسنة 1970 المعدل وقانون الكمارك رقم (23) لسنة 1984 المعدل وقد وصفت اغلب الجرائم محل النظر في هذه القوانين بحسب خطورتها وجسامتها على انها جنح وان القرار المطعون فيه بالغ في العقوبات الواردة فيه وممكن ان يعد نصاً جائراً او غير شرعي وهو يتنافى مع السياسة الجنائية العامة للدولة لا سيما انه شرع في ظروف استثنائية خلال مدة الحصار الاقتصادي على البلد وان هذه الظروف انتهت بعد عام 2003 . ج- ان تطبيق القرار والحكم على المتهم بموجبه سوف يعرض المدان بموجبه للطرد استنادا لأحكام المادة (38/اولا/ج) من قانون العقوبات قوى الأمن الداخلي رقم (14) لسنة 2008 باعتبار ان القرار المطعون فيه وصف الأفعال الواردة فيه بأنها مخلة بالشرف وهذا يتعارض مع نص المادة (190/سادسا) من الدستور النافذ والتي نصت على (لكل فرد الحق في ان يعامل معاملة عادلة في الإجراءات القضائية والإدارية). لذا طلبت الحكم بعدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (39) لسنة 1994 . وقد وضع الطلب موضع التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وتوصلت إلى القرار الاتي :- القرار لدى التدقيق والمداولة من المحكمة الاتحادية العليا وجد انه بتاريخ 28/5/2019 قدم مركز شرطة الشلامجة مطالعة إلى قاضي محكمة تحقيق شط العرب تتضمن بان مديرية منفذ الشلامجة/ العمليات والخطط أحالت بموجب كتابها المرقم (1895) في 27/5/2019 إلى المركز المذكور المتهم (…….) والذي تم ضبط بحوزته كمية من الحبوب والمبينة كميتها ونوعها بموجب محضر الضبط المؤرخ في 28/5/2019 . دونت أقوال المتهم المذكور وأفاد بأنه يقوم بين فترة وأخرى بالسفر إلى جمهورية ايران الإسلامية وانه قام بجلب الحبوب المذكورة من مدينة المحمرة الإيرانية وتم القبض عليه من قبل مفرزة كمرك الشلامجة وانه منتسب بوزارة الداخلية وتم توقيفه وفق أحكام قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم (39) لسنة 1994 المعدل وبتاريخ 3/10/2019 تم إحالة المتهم المذكور إلى محكمة جنايات البصرة/المنطقة الثانية لأجراء محاكمته بدعوى غير موجزة وفق أحكام القرار أعلاه ولعدم قناعة المدعي العام أمام محكمة الجنايات أعلاه طعن به تمييزاً . ونتيجة الطعن المذكور أصدرت المحكمة الأخيرة وبالعدد (369/ت.ج/2019) في 10/10/2019 قرارها المتضمن (ان المتهم حسن عبد الزهرة طه هو من منتسبي وزارة الداخلية / مديرية شرطة نفط الجنوب لذا كان المقتضى إحالة الدعوى إلى مديرية شرطة نفط الجنوب / الشؤون القانونية لغرض تنظيم امر إحالة بها من قبلهم إلى محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى للمنطقة الخامسة حسب الاختصاص استنادا لأحكام المادة (25/أولا/أ) من قانون أصول محاكمات قوى الأمن الداخلي لعدم ترتب حق شخصي للغير) . وبعد إحالة المتهم على محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى للمنطقة الخامسة بموجب امر الإحالة المرقم (79) في 14/11/2019 أصدرت المحكمة الأخيرة قرارها بالعدد (ح.م/930/2019) في 8/12/2019 المتضمن إدانة المتهم (…..) وفق أحكام المادة (50/1) من قانون مزاولة مهنة الصيدلة رقم(40) لسنة 1970 وتحديد عقوبته بمقتضاها والحكم عليه بالحبس البسيط لمدة (ستة اشهر) وفق المادة أعلاه وإخراجه من الخدمة وتنحيته عن الوظيفة طيلة مدة محكوميته عملاً بأحكام المادتين (39 و 40/ثانيا) من قانون عقوبات قوى الأمن الداخلي رقم (14) لسنة 2008  وأعيد القرار أعلاه منقوضا بموجب القرار الصادر من محكمة تمييز قوى الأمن الداخلي بالعدد (139/2020) في 26/2/2020 وتضمن القرار الأخير ان فعل المتهم ينطبق وأحكام القرار رقم (39) لسنة 1994 وبعد إعادة الاضبارة الخاصة بالمتهم أعلاه إلى محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى/للمنطقة الخامسة طلبت الأخيرة عرض الموضوع على المحكمة الاتحادية العليا للبت في طلبها المتضمن الطعن بعدم دستورية القرار رقم (39) لسنة 1994 المعدل وتجد المحكمة الاتحادية العليا ان اتجاه محكمة قوى الأمن الداخلي الأولى للمنطقة الخامسة باستئخار الدعوى استنادا لأحكام المادة (4) من النظام الداخلي للمحكمة الاتحادية العليا رقم (1) لسنة 2005 لحين البت في الطعن المقدم من قبلها إلى المحكمة الأخيرة مع وجود متهم موقوف اتجاه لا سند له من القانون ولا ينسجم مع قواعد العدالة وحقوق الإنسان وان ذلك يؤدي إلى إطالة مدة توقيف المتهم وان الاستئخار مقيد بما جاء في المادة (4) من النظام الداخلي أما المادة (3) من النظام الداخلي فلا توجب الاستئخار . لذا ولما تقدم تجد المحكمة الاتحادية العليا ان مواد القرار (39) لسنة 1994 المعدل المرقمة (1 و 2 و 3 و 4) لم يرد فيها ما يشكل مخالفة لنص دستوري وانها لا تتعارض مع نص المواد (2/ج و 19/خامسا و 37/أولا/أ) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وان الحاجة الى النصوص القانونية الواردة في المواد أعلاه من القرار لا زالت قائمة لمواجهة الجرائم التي ينطبق عليها الوصف الوارد في المواد ( 1و2) من القرار وان تكييف فعل المتهمين مرتكبوا تلك الجرائم وفق المواد المذكورة من القرار لا يشكل تعارض مع حرية وكرامة الإنسان ولا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الوارد ذكرها في الدستور. من جانب اخر تجد المحكمة ان ما تضمنته المادة (5) من القرار رقم (39) لسنة 1994 المعدل والتي نصت على (يحال امتهمةن في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذا القرار على المحكمة الخاصة في وزارة الداخلية بقرار من قاضي التحقيق المختص ) ان النص المذكور يتعارض مع نص المادة (95) من الدستور والتي نصت على (يحظر إنشاء محاكم خاصة او استثنائية) وان هذا التعارض موجب للحكم بعدم دستورية المادة أعلاه من القرار حيث ان للنصوص الدستورية علوية في التطبيق. عليه قررت المحكمة الاتحادية العليا رد الطعن بعدم دستورية المواد ( 1 و 2و 3و 4 ) من القرار رقم (39) لسنة 1994 المعدل والحكم بعدم دستورية المادة (5) من ذات القرار وصدر القرار بالاتفاق باتاً وملزماً للسلطات كافة استناداً لأحكام المادتين (93/اولاً و 94) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 والمادة (5/ثانيا) من قانون المحكمة الاتحادية العليا المعدل في 25/4/2021 . )
  1. نص القانون المطعون فيه (قرار مجلس قيادة الثورة رقم 39 لسنة 1994)
استنادا إلى أحكام الفقرة (ا) من المادة الثانية والأربعين من الدستور . قرر مجلس قيادة الثورة ما يأتي : 1 – تعد الأفعال الآتية من جرائم تخريب الاقتصاد الوطني ومن الجرائم المخلة بالشرف ويعاقب مرتكبها وكل من ساهم في ارتكابها بالإعدام أو السجن المؤبد أو السجن المؤقت أو الحبس مدة خمس سنوات وبغرامة لا تقل عن عشرة آلاف دينار ولا تزيد على مئة الف دينار، وللمحكمة أن تصادر من أموال المحكوم عليه ما يتناسب مع جسامة الضرر. ا – إخراج الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وغيرها من المواد والأدوات الاحتياطية بصورة غير مشروعة من المؤسسات الصحية الرسمية والجمعيات ذات النفع العام. ب – تزوير المستندات والسجلات الرسمية الخاص بالأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وغيرها من المواد والأدوات الاحتياطية بقصد إخفاء التصرفات غير القانونية في هذه المواد . ج – حيازة الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وأدواتها الاحتياطية بقصد المتاجرة بها اذا كانت هذه المواد غيرن مجهزة من مصدر معترف به رسميا بموجب قوائم أصولية ويسري ذلك على المجاز بالتعامل في هذه المواد وغير المجاز. د – حيازة الأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وأدواتها الاحتياطية من قبل المؤسسات الصحية غير الحكومية اذا كانت هذه المواد غير مجهزة من مصدر معترف به رسميا بموجب قوائم أصولية 2 – يعاقب بالحبس وبغرامة لا تزيد على عشرة الاف دينار ولا تقل عن خمسة الاف دينار كل من : آ- الطبيب الذي حررنك وصفة طبية وهمية أو مبالغ في كميات الأدوية الموصوفة فيها وثبت كل ذلك بتقرير من لجنة طبية رسمية بقصد صرف أدوية لحاجة غير حقيقية لغرض الاستفادة غير المشروعة . ب – المسؤول عن المؤسسة الصحية الرسمية عند عدم قيامه باتخاذ الإجراءات اللازمة أو عدم إخباره السلطات المختصة عند حصول تلاعب بالأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وغيرها من المواد والأدوات الاحتياطية في مؤسسته . ج – المدقق أو المفتش أو أي موظف أو مكلف بخدمة عامة ملزم بالإخبار عند عدم إخباره السلطات المختصة في حالة حصول تلاعب بالأدوية والمستلزمات والأجهزة الطبية وغيرها من المواد والأدوات الاحتياطية . 3 – إضافة إلى العقوبات المنصوص عليها في هذا القرار يخول وزير الصحة صلاحية غلق المؤسسات الصحية غير الحكومية لمدة سنة واحدة عند ارتكابها احدى الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (1) والبند (ا) من الفقرة (2) من هذا القرار وغلق المؤسسة الصحية نهائيا في حالة تكرار المخالفة . 4 – يخول وزير الصحة إصدار تعليمات لتحديد المؤسسات الصحية غير الحكومية لأغراض تطبيق هذا القرار . 5 – يحال المتهمون في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذا القرار على المحكمة الخاصة في وزارة الداخلية بقرار من قاضي التحقيق المختص. 6 – ينشر هذا القرار في الجريدة الرسمية وتتولى الجهات ذات العلاقة تنفيذه . ثانياً: المبادئ الواردة في قرار الحكم وردت في قرار الحكم أعلاه ثلاث مبادئ رئيسية مهمة تتعلق بالقضاء الدستوري وما استقر عليه فقه القانون الدستوري وسيكون العرض لها على وفق الاتي:
  1. مبدأ الملائمة الدستورية
جاء في أسباب قرار رد الطعن المتعلق بطلب عدم دستورية قرار مجلس قيادة الثورة المنحل رقم 39 لسنة 1994 بان الأحكام الواردة فيه ما زالت الحاجة قائمة اليها في الوقت الحاضر، بمعنى النص الوارد في القرار أعلاه ملائم للظروف التي يمر بها العراق، وان سبب بقائه ونفاذه يتوقف على الظروف الحالية فان تغيرت إلى الأفضل فانه من الممكن ان لا يكون ملائم لها، وهذا هو مفهوم المخالفة للأسباب التي وردت في القرار وعلى وفق النص الاتي (تجد المحكمة الاتحادية العليا ان مواد القرار (39) لسنة 1994 المعدل المرقمة (1، 2، 3،4) لم يرد فيها ما يشكل مخالفة لنص دستوري وانها لا تتعارض مع نص المواد (2/ج و 19/خامساً و37/أولا/آ) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 وان الحاجة لنصوص القانونية الواردة في المواد أعلاه من القرار لا زالت قائمة لمواجهة الجرائم التي ينطبق عليها الوصف الوارد في المواد (1، 2) من القرار وان تكييف فعل المتهمين مرتكبوا تلك الجرائم وفق المواد المذكورة من القرار لا يشكل تعارض مع حرية وكرامة الإنسان ولا يتعارض مع الحقوق والحريات الأساسية الوارد ذكرها في الدستور) وفي تسبيب تلك الفقرة نجد ان المحكمة الاتحادية العليا قد اعتبرت القرار (39) لسنة 1994 ملائم للظروف الحالية التي يمر بها البلد وعنوان الملائمة ورد في العبارة الآتية (وان الحاجة لنصوص القانونية الواردة في المواد أعلاه من القرار لا زالت قائمة لموجهة الجرائم التي ينطبق عليها الوصف الوارد في المواد (1، 2) من القرار) ولم يكن سبب دستورية تلك النصوص لأنها من خيارات المشرع بما يملك من سلطة تقديرية في تشريع القوانين، بدليل ان المحكمة لو وجدت ان الظروف تغيرت عما كانت عليه وقت تشريع القرار (39) لسنة 1994 فأنها لربما ستقضي بعدم دستوريته ، والدليل انها ربطت دستوريته بالظروف وليس لان المشرع مارس مهامه وصحياته التشريعية، وظهر مفهوم الخيار التشريعي في الآونة الأخيرة من خلال اعتماده سبباً لدستورية بعض النصوص القانونية المطعون بعدم دستوريتها أمام المحكمة الاتحادية العليا في العراق في عدة قرارات وأحكام أصدرتها بمناسبة نظرها في تلك الطعون، حيث استندت إليه باعتباره سببا متاحاً للمشرع العراقي يستخدمه في ضوء السلطة الممنوحة إليه، ويقصد بالخيار التشريعي هو السلطة التي تتمتع بها السلطة التشريعية المختصة بتشريع القوانين بمعنى حرية الاختيار الممنوحة لها في ممارسة اختصاصها التشريعي وهو يماثل “السلطة التقديرية” للمشرع لان مهمة المشرع اختيار أفضل الحلول المتاحة لمعالجة مشكلة ما بموجب نص قانوني ونشاهد عمل مجلس النواب التشريعي انه يضع أكثر من مقترح نص قانوني لكل مادة من مواد القانون ويصوت عليها والمقترح الذي يحظى بالقبول يكون هو النص المعتمدة لان أعضاء مجلس النواب اختاروا هذا النص بحكم خياراتهم التشريعية في اعتماد أي النصوص المتاحة أمامهم مصطلح الخيار التشريعي حيث عرفها بعض المختصين بالقانون الدستوري بأنها حرية الاختيار الممنوحة للسلطة التشريعية في ممارسة اختصاصها بقسط من حرية التقدير عند ممارستها لذلك الاختصاص التشريعي[4] كما عرفها البعض الآخر بأنها مكنة تتيح للسلطة التشريعية الاختيار الحر للإجراء الذي تراه مناسباً للوقائع التي تروم اتخاذه كما ورد تعريف للسلطة التقديرية في قرار للمحكمة الدستورية العليا في مصر على وفق الآتي (كان الأصل في سلطة المشرع في موضوع تنظيم الحقوق، أنها سلطة تقديرية مطلقة، لا يقيدها إلا ضوابط محددة يقررها الدستور وتعد تخوما لها لا يجوز اقتحامها أو تخطيها. ويتمثل جوهر هذه السلطة – على ما جرى به قضاء هذه المحكمة – في المفاضلة بين بدائل متعددة تتزاحم فيما بينها وفق تقديره لتنظيم موضوع محدد، فلا يختار من بينها إلا ما يكون منها عنده مناسبا أكثر من غيره لتحقيق الأغراض التي يتوخاها، أو ما يراه أكفل لتحقيق المصالح المشروعة التي قصد إلى حمايتها)[5] نجد إن “الخيار التشريعي” هو صورة من صور السلطة التقديرية إلا انه يمتاز بكونه يمثل خيارات متاحة لحول وبدائل عدة تطرح أمام المشرع إلا إن هذه الخيارات لابد وان تكون ابتدأً من ضمن سلطة المشرع التقديرية فإذا كان المشرع لا يملك سلطة تقديرية إلا انه يملك عدة حلول وبدائل لمعالجة موضوع معين فان الخيار التشريعي لا يتحقق وينعدم مثال تقديم أكثر من مقترح لصياغة قانون المحكمة الاتحادية العليا وهذه بمثابة بدائل وحلول يفاضل بينها المشرع لكنه لا يستطيع أن يمارس سلطته في اختيار الأفضل إلا إذا تحقق النصاب القانوني لتمرير القانون لان نص الفقرة (ثانيا) من المادة (92) من الدستور قد جعل النصاب القانوني لسن قانون المحكمة الاتحادية العليا بأغلبية الثلثين على خلاف القوانين الأخرى وعلى وفق النص الآتي (تتكون المحكمة الاتحادية العليا، من عددٍ من القضاة، وخبراء في الفقه الإسلامي، وفقهاء القانون، يُحدد عددهم، وتنظم طريقة اختيارهم، وعمل المحكمة، بقانونٍ يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب) كذلك المشرع ” مجلس النواب” لا ينهض حقه في الخيار التشريعي لمعالجة بعض الحالات التي تستوجب التدخل التشريعي إلا بعد مضي مدة من الزمن على صدور الدستور العراقي حيث لا يجوز تعديل ما جاء في المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول من الدستور والمتعلقة بالحقوق والحريات إلا بعد مضي دورتين انتخابيتين لمجلس النواب وعلى وفق ما جاء في الفقرة (ثانيا) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لا يجوز تعديل المبادئ الأساسية الواردة في الباب الأول، والحقوق والحريات الواردة في الباب الثاني من الدستور، إلا بعد دورتين انتخابيتين متعاقبتين، وبناءاً على موافقة ثلثي أعضاء مجلس النواب عليه، وموافقة الشعب بالاستفتاء العام، ومصادقة رئيس الجمهورية خلال سبعة أيام) كما ان سلطة مجلس النواب في خياراته التشريعية تكاد تكون منعدمة فيما يتعلق بتقليص أو إلغاء صلاحيات الإقليم التي لم يرد ذكرها في الصلاحيات الحصرية للحكومة الاتحادية إلا بعد موافقة المجلس التشريعي للإقليم وموافقة أغلبية سكان ذلك الإقليم باستفتاء ينظم لأجل ذلك وعلى وفق الفقرة (رابعا) من المادة (126) من الدستور التي جاء فيها الآتي (لا يجوز إجراء أي تعديل على مواد الدستور، من شأنه أن ينتقص من صلاحيات الأقاليم التي لا تكون داخلةً ضمن الاختصاصات الحصرية للسلطات الاتحادية، إلا بموافقة السلطة التشريعية في الإقليم المعني، وموافقة أغلبية سكانه باستفتاءٍ عام) وبذلك فان أي خيار تشريعي لا يكون ما لم يسبق وجوده وجود سلطة تقديرية للمشرع ويدور مع تلك السلطة التقديرية وجوداً وعدما[6]، وممارسة المشرع لهذا الخيار التشريعي لا يكون معلق على الظروف التي أحاطت التشريع عند صدوره ولا يمكن ان يتعرض الحكم بعدم الدستورية اذا ما تغيرت ظروف التشريع في وقت صدوره عن وقت العمل به، أما ما ورد في أسباب رد الطعن الذي ورد في قرار المحكمة الاتحادية العليا العدد 32/اتحادية/2020 في 25/4/2021 فانه لم يكن لان المشرع قد مارس صلاحياته في الخيار التشريعي وإنما اعتبرت المحكمة ان تلك النصوص ملائمة للظروف التي يمر بها البلد وهذا له مسمى اخر في الفقه الدستوري وهو (الملائمة الدستورية) وتعرف بانها توافق التشريع مع ظروف الزمان والمكان والموضوع الذي يصدر فيها[7] ويشير احد الكتاب في فقه القانون الدستوري بأن الأصل في سلطة التشريع عند تنظيم الحقوق إنها سلطة تقديرية ما لم يقيدها الدستور بقيود محددة، وان الرقابة على دستورية القوانين لا تمتد إلى ملائمة إصدارها[8]، وفي هذا الصدد وتوجه احد رؤساء المجلس الدستوري الفرنسي جوليوس كريفي (Jules Crevy) إلى الجمعية الوطنية الفرنسية ومجلس الشيوخ بالقول (أن ليس بنيته الدخول أبداً في صراع مع الإرادة الوطنية) فالعلاقة بين المشرع والقضاء الدستوري رست على انه لا يعود لهذا الأخير صلاحية البحث في ما إذا كان الهدف الذي يتوخاه المشرع من القانون كان يمكن تحقيقه بطرق أخرى غير تلك التي نص عليها، إلا في الحالات التي يبدو فيها إن ما نص عليه القانون غير ملائم بشكل ساطع وواضح لتحقيق الهدف الذي توخاه المشرع[9] ، وفي الولايات المتحدة الأمريكية كان القضاء الدستوري قد اطرد على وضع ضوابط تمنع البحث في ملائمة التشريع أو التغلغل في بواعث إصداره أو مناقشة ضرورة التشريع من عدم ضرورته، وقضت بان ذلك يدخل في سلطة المشرع التقديرية باعتبارها من عناصر السياسة التشريعية التي يمنع القضاء من البحث فيها، لكن وجد إنها وفي مواضع أخرى قد تدخلت في البحث عن الملائمة الدستورية للتشريع إذا ما تعرض لأمور نظمها الدستور ووضع لها ضوابط محددة بشأن الملكية الخاصة وحق المواطنين في الترشح وحرية التجارة، فالسلطة التشريعية وان كان لها الحرية في تقدير ملائمة التشريع إلا إنها مقيدة بما يفرضه الدستور عليها من ضوابط وحدود[10]، وكانت تتجنب إصدار أحكام على القانون من ناحية ملائمته أو مدى صلاحيته الاجتماعية والسياسية لان ذلك من اهم واخص مظاهر السلطة التقديرية للمشرع[11]، والرقابة القضائية على دستورية القوانين تدخل في صميم العمل القضائي والمحكمة الاتحادية العليا لا تتعدى على عمل السلطة التشريعية وإنما تباشر مهامها بالمفاضلة بين نصين متعارضين الأول القانون والثاني الدستور ومن ثم تقضي بتطبيق النص الدستوري واستبعاد النص القانوني[12]، بينما يرى بعض الكتاب المصريين بان رقابة الملائمة تطور في الرقابة الدستورية على ركن السبب في التشريع ويكون الغلط البين في التقدير يؤدي إلى بطلان التشريع ولو لم يتعلق الأمر بانحراف السلطة التشريعية أو وجود المخالفة الدستورية في الشكل والموضوع، إذ يكفي لان يقع المشرع في الغلط البين في التقدير ليقرر القضاء الدستوري عدم الدستورية في النص المطعون فيه[13]، وفي القرار أعلاه فان المحكمة الاتحادية قد اعتبرت الملائمة سبب من أسباب دستورية النص على الرغم من ان اغلب المحاكم والمجالس الدستورية في العالم لا تأخذ بهذا الأسلوب من الرقابة لأنه تدخل في سلطة المشروع وتجاوز على صلاحياته ، فاذا كانت المحكمة ترى ان الظرف غير مناسب لوجود النص وانه اصبح غير ملائم فانه سوف تقضي بعدم دستوريته وهي بذلك تكون قد حلت محل المشرع مما يؤدي إلى التداخل في السلطات على خلاف المبدأ الدستوري في الفصل بين السلطات، ولو كانت المحكمة الاتحادية العليا قد أسست قرارها برد الطعن لأنه من خيارات المشرع لكانت اقرب إلى تطبيقاتها السابقة التي اعتبرت خيارات المشرع تعود له حصراً في التشريع، مع إنها سبق وان أخذت بمبدأ الملائمة الدستورية في قرارتها السابقة ومنها ما جاء في قرار المحكمة الاتحادية العليا[14] العدد 48/اتحادية/2019 في 31/7/2019 بأن المادة 46 من قانون الموازنة الاتحادية رقم 1 لسنة 2019 غير دستورية وقضت بعدم دستوريتها واتبعت في قضائها أسلوب الملائمة الدستورية، لأنها اعتبرت إن مجلس النواب وان كان يملك السلطة التقديرية في تشريع القوانين وله الخيار بما يراه مناسب من الحلول على أن لا يكون على خلاف الدستور. وبذلك يرى الفقه الدستوري ان رقابة القاضي الدستوري تقتصر على رقابة المشروعية دون الملائمة وأيضاً لا يراقب بواعث التشريع.
  1. الحكم بعدم الدستورية على النص غير النافذ والعدول عن المبادئ السابقة
قضت المحكمة الاتحادية العليا في قرارها أعلاه بالحكم بعدم دستورية الفقرة (5) من قرار مجلس قيادة الثورة رقم 39 لسنة 1994 ، وعلى وفق الاتي (من جانب آخر تجد المحكمة إن ما تضمنته المادة (5) من القرار رقم 39 لسنة 1994 المعدل والتي نصت على { يحال المتهمون في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذا القرار على المحكمة الخاصة في وزارة الداخلية بقرار من قاضي التحقيق المختص} وان النص المذكور يتعارض مع نص المادة (95) من الدستور والتي نصت { يحظر إنشاء محاكم خاصة أو استثنائية} وان هذا التعارض موجب للحكم بعدم دستورية المادة أعلاه من القرار حيث ان للنصوص الدستورية علوية في التطبيق) وهذا الحكم وردت فيه عدة نقاط يجب التوقف عندها النقطة الأولى هل النص المحكوم بعد دستوريته مازال مطبقاً والنقطة الثانية في العدول عن المبادئ السابقة للمحكمة الاتحادية العليا وسيكون العرض على وفق الاتي :
  • هل النص المحكوم بعد دستوريته مازال مطبقاً: إن الدستور العراقي لعام 2005 النافذ قد عدد بعض اختصاصات المحكمة الاتحادية العليا ومنها الرقابة على دستورية القوانين وعلى وفق ما ورد في المادة (93/أولا) التي جاء فيها الاتي (تختص المحكمة الاتحادية العليا بما يأتي : أولاً:- الرقابة على دستورية القوانين والأنظمة النافذة.) وهذا النص قيد نطاق القوانين التي تنظرها المحكمة الاتحادية وجعلها في القوانين النافذة حصراً، أما النصوص القانونية الملغاة أو المعطلة أو التي استنفذت أحكامها فان المحكمة غير مختصة بالنظر فيها وهذا ما استقر عليه قضاء المحكمة الاتحادية العليا في قرارات متعدد منها القرار 24/اتحادية/2008 في 22/7/2008 الذي قضى برد الطعن لان القرار الطعين كان قد استنفذ الغرض الذي من أجله قد شرع، وقرارات أخرى، وحيث أن الفقرة (5) من القرار 39 لسنة 1994 قد قرت أحالت المتهمون في الجرائم المنصوص عليها في الفقرة (1) من هذا القرار على المحكمة الخاصة في وزارة الداخلية بقرار من قاضي التحقيق المختص، فان هذه المحكمة قد تم إلغائها بموجب قانون محكمة امن الدولة رقم (1) لسنة 2003 حيث ورد الإلغاء في المادة (8/أولا) التي جاء فيها الاتي ( أولا – تلغى المحكمة الخاصة في وزارة الداخلية و يلغى قرار مجلس قيادة الثـورة المرقـم بـ (209) في 29 / 6 / 1991 المعدل بقرار مجلس قيادة الثورة المرقم بـ (220) في 22 / 8 / 1992 الذي شكلت المحكمة المذكورة بموجبه .) وبذلك لم يصبح لها وجود سواء في الواقع العملي او المنظومة التشريعية، وان نص الفقرة (5) من القرار 39 لسنة 1994 اصبح غير ذي مقتضى لعدم وجود محكمة خاصة في وزارة الداخلية أصلاً ويكون غير نافذ لان غرضه قد استنفذ منذ لحظة إلغاء تلك المحكمة، وهذا ما سار عليه قضاء المحكمة الاتحادية العليا،
  • العدول عن مبادئها السابقة: أما اذا رأت المحكمة الموقرة إنها من الضروري ان تعدل عن هذا الاتجاه كان عليها ان تبين أسباب العدول لإن مقتضى الحجية المطلقة التي يحوزها الحكم في القضاء الدستوري تؤدي إلى عدم جواز إثارة المسألة التي فصلت فيها المحكمة مرة أخرى، وهو ما يسمى في القضاء الدستوري بمبدأ (عدم جواز العدول عن الحجية المطلقة للحكم بعدم الدستورية)، وبذلك لا يجوز للقضاء الدستوري أن يعيد النظر في موضوع سابق سبق وان فصل فيه[15]، ويشير الفقه الدستوري إلى حالة العدول فقط عندما يكون الدستور الذي كان معيار للحكم على النص التشريعي المطعون فيه، قد تغير كليا أو تغير المبدأ الوارد فيه المتعلق بالنص التشريعي[16]، والفقه الدستوري يعرف العدول بأنه إحلال إرادي واضح ومؤكد لحكم جديد محل حكم آخر في موضوع الدعوى نفسها وحيثياتها السابقة، ويجب أن يكون العدول إرادي أي بإرادة المحكمة وبشكل واضح ومؤكد وليس بشكل عرضي أو في حيثيات الحكم وإنما في فقرته الحكمية وان يتعلق بذات الموضوع الذي كان محلاً لنظر دعوى سابقة وليس لموضوع آخر[17]، ويسمى بالعدول الإرادي لأنه جاء بإرادة المحكمة متعددة منها الآتي :
  1. تعديل الدستور فيأتي بمبدأ مغاير لما كان عليه وقت صدور الحكم من المحكمة الدستورية وهذا بإرادة أخرى غير إرادة المحكمة، وإنما عليها أن تتبع المبادئ الجديدة بحكم مهمتها في الحفاظ على المبادئ الدستورية، وفي قضاء المجلس الدستوري الفرنسي تم العدول لمرتين الأولى قراره العدد 410 لسنة 1999 الصادر بتاريخ 15/3/1999 والمرة الثانية في قراره العدد 490 لسنة 2004 في 12/2/2004 وذلك بسبب تعديل الدستور الفرنسي[18].
  2. تغير الظروف التي يمر بها المجتمع بعد صدور التشريع وضرورة التجاوب مع الحاجات المستحدثة والمتطورة للمجتمع، وذلك من خلال عدول بعض المحاكم الدستورية عن أحكامها الدستورية ومنها ما قضت به المحكمة الدستورية الايطالية وبررت ذلك بان القاضي الدستوري جزء من المجتمع الذي يعيش فيه، وبالتالي فان المحيط الاجتماعي والجغرافي والسياسي والاقتصادي من الممكن أن يؤثر فيه، بل البعض يرى إن أي قاضي لا يتلاءم مع المحيط الذي يحيط به سوف يكون وجوده وشرعيته مهددة وسيصبح غير فعال داخل هذا المحيط[19].
أما في تطبيقات القضاء الدستوري العراقي نجد إن المحكمة الاتحادية العليا سبق وان عملت بمبدأ العدول عن قراراتها السابقة ومنها الحكم بعدم دستورية المادة (113/أولاً) من قانون أصول محاكمات قوى الأمن الداخلي رقم 17 لسنة 2008 بموجب قرارها العدد 115/اتحادية/2017 في 24/10/2017 بينما كانت قد قضت بدستورية تلك المادة بموجب ثلاث قرارات كانت قد أصدرتها، حيث قضت في القرار الأول العدد 33/اتحادية/2013 في 6/5/2013 وكذلك قرارها العدد 59/اتحادية/2014 في 16/6/2014 ثم قرارها العدد 62/اتحادية/2016 في 28/8/2016 ، لكن عند الحكم بعدم الدستورية في قرارها الأخير العدد 115/اتحادية/2017 في 24/10/2017 لم توضح لنا أسباب عدولها عن حكميها السابقين، وارى في ذلك قصور في التسبيب، إذ كان على المحكمة الاتحادية العليا أن تبين وبشكل واضح ومؤكد أسباب عدولها عن حكمها السابق، لأنها كانت ترى فيه نص دستوري لوجود خصوصية لرجل الشرطة، بينما في قرارها الأخير الذي عدلت فيه عن أحكامها السابقة اعتبرته انه يتقاطع وأحكام المواد 47 و 88 من الدستور وهي ذات المواد التي كانت سنداً للطعن في الدعاوى السابقة، لذلك ما سجلناه على المحكمة سابقا نسجله الآن إذ كان المقتضى ان توضح المحكمة الموقرة أسباب العدول عن المبدأ الذي استقرت عليه في قرارات سابقة[20]، ويذكر إن العدول هو نوع من المرونة المتاحة للقضاء الدستوري في التعامل مع تطور الحياة وليس به عيب أو إقرار بالخطأ وفي المحكمة العليا في الولايات المتحدة الأمريكية وبإحصائية لعدد حالات العدول منذ عام 1810 ولغاية عام 1991 بلغت ما يقارب 260 قضية[21]. وفي الختام لابد من القول بان عودة المحكمة الاتحادية العليا لممارسة مهامها قد أعادت الحياة للنشاط الدستوري تجاه الدعاوى التي رفعها المتضرر من النصوص النافذة وفيه توفير ضمانة لحماية حقوق الإنسان، وما ذكر في هذه القراءة للقرار العدد 32/اتحادية/2020 في 25/4/2021 لاتعدوا عن كونها رؤيا فقهية تجاه حكم قضائي ملزم للجميع وواجب الاتباع من الكافة عملاً بأحكام المادة (94) من الدستور، ونتمنى للتشكيل الجديد لهيئة المحكمة من القضاة الأفاضل التوفيق والنجاح وان تكون المحكمة الموقرة بمستوى طموحات الشعب العراقي وأمنياته التي اغتالتها يد الفساد المستشرية في اغلب مفاصل الدولة العراقية. سالم روضان الموسوي قاضٍ متقاعد [1] الدكتور عصام أنور سليم ـ موقع القضاء الدستوري من مصادر القانون ـ منشورات دار الجامعة في الإسكندرية ـ طبعة عام 2018 ـ ص5 [2] الدكتور عصام أنور سليم ـ مرجع سابق ـ ص122 [3] الدكتور عصام أنور سليم ـ مرجع سابق ـ ص135 [4] انظر الدكتور ابراهيم محمد صالح الشرفاني ـ رقابة المحكمة الدستورية على السلطة التقديرية المشرع ـ منشورات الحلبي الحقوقية ـ الطبعة الاولى عام 2016 ـ ص 90   [5] قرار المحكمة الدستورية العليا في مصر رقم 76 لسنة 29 قضائية الصادر بتاريخ 1/10/2007 والمنشور في الموقع الإلكتروني لجامعة مينسوتا بتاريخ 4/5/2018  http://hrlibrary.umn.edu/arabic/Egypt-SCC-SC/Egypt-SCC-76-Y29.html [6] القاضي سالم روضان الموسوي ـ دراسات في القضاء الدستوري العراقي ـ منشورات مكتبة صباح في بغداد طبعة عام 2019 ـ ص 147 [7] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ رقابة الملاءمة في القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ منشورات مكتبة النهضة العربية في القاهرة الطبعة الثانية عام 2016 ـ ص17 [8] للمزيد انظر المستشار الدكتور محمد علي سويلم ـ القضاء الدستوري دراسة مقارنة ـ توزيع الدار المصرية للنشر والتوزيع ـ الطبعة الأولى عام 2019ـ ص234 [9] الدكتور عصام سليمان ـ حدود صلاحيات القضاء الدستوري في الرقابة على دستورية القوانين ـ دراسة نشرت في الكتاب السنوي الصادر عن المجلس الدستوري اللبناني المجلد الثامن لسنة 2014 ـ ص 1181 [10] المستشار الدكتور محمد علي سويلم ـ مرجع سابق ـ ص235 [11] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ مرجع سابق ـ ص509 [12] الدكتور عبدالعزيز محمد سالمان ـ رقابة دستورية القوانين ـ منشورات دار الفكر العربي في القاهرة ـ الطبعة الأولى عام 1995ـ ص74 [13] الدكتور عبدالمنصف عبدالفتاح محمد إدريس ـ مرجع سابق ـ ص489 [14] نص القرار منشور في موقع المحكمة الاتحادية العليا الإلكتروني على الرابط الآتي https://www.iraqfsc.iq/krarat/1/2019/2019-48-fed.pdf [15] الدكتورة مها بهجت يونس الصالحي ـ الحكم بعدم دستورية نص تشريعي ودوره في تعزيز دولة القانون ـ منشورات بيت الحكمة العراقي ـ طبعة بغداد عام 2009 ـ ص 147 [16] الدكتور عصام انور سليم ـ مرجع سابق ـ ص124 [17] الدكتور محمود احمد زكي ـ الحكم الصادر في الدعوى الدستورية آثاره وحجيته وتنفيذه ـ منشورات دار النهضة العربية ـ الطبعة الثانية عام 2005ـ ص43 [18] نقلاً عن الدكتور محمود صبحي علي السيد ـ الرقابة على دستورية اللوائح دراسة مقارنة ـ منشورات دار النهضة العربية ـ الطبعة الثانية ـ عام 2017ـ ص1019 [19] الدكتور محمود صبحي علي السيد ـ مرجع سابق ـ ص1018 [20] للمزيد انظر القاضي سالم روضان الموسوي ـ عدم دستورية القوانين بين الانحراف التشريعي والمخالفة الدستورية واثره في الأحكام القضائية دراسة تطبيقية ـ منشورات مكتبة صباح طبعة بغداد عام 2020 ـ ص334 [21] الدكتور عبد الحفيظ علي الشيمي ـ التحول في احكام القضاء الدستوري ـ منشورات دار النهضة العربية طبعة عام 2010 ـ ص49

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى