الفكر السياسي

منطق الميليشيا، منطق الدولة

منطق الميليشيا، منطق الدولة

د. فالح عبد الجبار

2006 / 8 / 3

يكاد الوضع في بغداد أن يوازي عذابات الجنوب اللبناني، تدميراً وتهجيراً وقتلاً، مع فارق أن أهوال بغداد صناعة محلية أبطالها الميليشيات والمافيات. حسب بعض التقديرات ثمة ثلاثون ألأف عائلة هجرت منازلها تحت وقع التهديد السنّي في الكرخ، والشيعي في الرصافة. لم يبلغ التوتر الطائفي هذا القدر الهائل من قبل.
ويبدو أن العام 2006 ينزلق، بقصد، في وجهة معاكسة للعام 2005.
العام الماضي كان عام البدء بتأسيس الشرعية الدستورية، التي اجتذبت كتلا سنّية مؤثرة الى العمل السلمي المؤسساتي (الحزب الإسلامي، أهل العراق، وكتلة المطلك).
في المقابل، دشن عام 2006 رحلة معاكسة هي تحول كتلة شيعية من العمل المؤسساتي الى العنف السافر عبر الميليشيات، وهي نقلة باتجاه الطائفية المعممة. بتعبير آخر ان جرثومة الاجرام الاصولي – البعثي، القتل الجماعي على الهوية، أصابت الآن الضحية والجلاد معاً. وبذا أصبح الاجرام الطائفي مبدأ سامياً للمجتمع الجديد، يعلي من شأن غريزة الانتقام العشوائي، وغزيرة الفتك، ويقضي، في آخر المطاف، على أي مظهر من مظاهر الدولة المدنية وأساسها القانون. والمعروف، أيام العهد الملكي، أن القتولات كانت تسوى بين العوائل بدفع الديّات والتنازل عن الشكوى، لكن الدولة كانت تصر على أخذ «الحق العام»، أي انزال العقاب بالقاتل، باعتبار أن «العقوبة هي حق المجرم»، كما يقول فقهاء القانون.
من الوجهة السياسية، يبدو أن سلسلة التفجيرات التي ابتدأت بالعدوان على مرقدي الإمامين في سامراء، وترافقت مع الإعدامات العشوائية، وانتهت بالتطهير الطائفي في أبرز أحياء بغداد، كانت رداً على عام الانتخابات وعام الدستور، وإلا فنجاحها، كما نعتقد، راجع الى ضعف تماسك بعض الزعامات الشيعية الإسلامية.
وتتوجه سهام النقد، بالدرجة الأساس، الى جيش المهدي _ ميليشيا حركة السيد مقتدى الصدر، ومنظمة بدر، ميليشيا المجلس الأعلى للثورة الإسلامية بزعامة السيد عبد العزيز الحكيم. ويبدو أن هاتين المنظمتين مسؤولتان بصورة أو بأخرى عن ظهور وتبلور وترسخ كتلة شيعية حربية تنشط خارج نطاق المؤسسات الشرعية. ولعل هذا، كما يبدو، جزء من حمى تقليد الطوائف والجماعات لبعضها البعض. فالتشيع مثلاً يقتضي، ضمن تقاليده الفقهية، وجود مرجعية دينية عليا، أما التقاليد السنّية فتخلو من هذا التقليد. لكن هيئة علماء المسلمين صارت تتحدث عن نفسها بوصفها «مرجعية» وحيدة لأهل السنّة، محاكية التقاليد الشيعية. في المقابل، صارت بعض الأحزاب والحركات الشيعية تتجاوز رأي المرجعية العليا في النجف، مشهرة مبدأ الاستقلال والتعدد، محاكية التقاليد السنّية. وكان آخر عنقود المحاكاة انتقال كتل سنّية الى العمل الدستوري على الغرار الشيعي المعتدل، مقابل انتقال كتل شيعية الى العمل المسلح غير الدستوري على الغرار السنّي المتطرف.
لعل انتقال «جيش المهدي» الى التطهير والثأر الطائفي يشكل مفاجأة، قياساً الى تريخه. فقد برزت الحركة الصدرية، حاضنة جيش المهدي، على خلفية نزعة عراقية أُشهرت في وجه القادمين من المنفى، كما في وجه سلطة التحالف الموقتة (سلطة الاحتلال). وكان الصدر نقطة جذب للقوى السنّية المتطرفة التي حاربت في الفلوجة بالتزامن مع تمرداته في النجف. أما اليوم فإن هذه القوى عينها تصف الصدر بأنه «إرهابي».
ولعل انتقال الصدر الى اعلاء شأن المواجهة مع كتلة المتمردين السنّة – البعث يرجع في جانب منه الى الضغوط القاعدية في حركته بالذات، التي تطالب بالثأر، أو، في الواقع، تبادر الى الانتقام من دون الرجوع اليه. لكن الضغوط القاعدية، وضعف انضباط جماعات جيش المهدي، لا تفسر وحدها انتقال الصدر من ميدان الى ميدان آخر مختلف كلياً. ولعل هناك رغبة ايضاً في الظهور بمظهر المدافع الوحيد عن «الطائفة»، أو احراج بقية الزعماء، وتعزيز مواقعه الخاصة في مجرى الصراع الشيعي – الشيعي على الزعامة. ولعل مثل هذا الحافز الشخصي والتنافس ليس غائباً عن الاحاطة بالمجلس ومنظمة بدر، لكن المجلس يخشى إعادة تأهيل البعث.
فالمعروف ان جيش المهدي يفتقر الى الضبط بسبب طابعه كتجمعات محلية تدين بالولاء لشخص الزعيم، وان هذا التكوين يمكن ان يفقد تماسكه ويفلت عن سيطرة موجده. أما منظمة بدر فانها تبدو أكثر تماسكاً: فهي تقوم على المبدأ اللينيني للتنظيم: لجان وخلايا وتسلسل هرمي مركزي. مع ذلك فإن الاثنين مرشحان للخروج عن سيطرة الزعماء السياسيين، خصوصاً ان هؤلاء الأخيرين يفتقرون الى أدوات ملموسة للضبط والسيطرة، ويعتمدون في ذلك اصلاً على مسؤولين محليين هم ذاتهم أس البلاء.
وبوسع المرء ان يذكّر السياسيين بتجربة «الجهاز الخاص» (العسكري) لحركة الاخوان المسلمين بمصر يوم قرر الجهاز اغتيال جمال عبد الناصر، دون موافقة من القيادة السياسية. وهناك تجربة الحزب الحاكم المخلوع الذي وقع عام 1963 ضحية جناحه العسكري بالذات، مثلما وقعت أحزاب أخرى في المطبّ.
مثل هذه الالتباسات ستضع قادة هذه الحركات، عاجلا أو آجلاً، أمام خيار صعب. فإما منطق الدولة، أو منطق الميليشيا. ولا يمكن الجمع بين الاثنين الى ما لا نهاية.
ومن المؤسي ان نجد كثرة من زعماء كتلة الائتلاف تلهج بخطاب الوحدة الوطنية في العلن، وبخطاب الثأر والاستبعاد في السر. وكما أشرنا فإن انتقال جيش المهدي يرجع الى رغبة قوية في احتلال موقع الزعامة في الوسط الشيعي، في حين أن المجلس يسعى، بحق أو بغيره، الى تقليص أو حتى إفشال مشروع المصالحة الوطنية، مخافة ان يؤدي الى اعادة تأهيل البعث، واعادة هيكلة الجيش العراقي.
وأياً كان الحافز، فإن المآل المحتوم لمثل هذه الازدواجية هو تهديم مؤسسات الدولة، وسقوط صخرة سيزيف الى القعر من جديد. لا ريب ان سيادة منطق الميليشيا سيقضي على مشروع المصالحة، ويقضي على فكرة الدولة الدستورية، فاتحاً بذلك باب حرب أهلية لن يخرج أحد منها، ان وقعت، ظافراً.
ولعل في الوسع وقف التدهور بانزال فرق الجيش العراقي الى الأحياء التي تعاني من التطهير المذهبي لوأده. كما ينبغي لوزارة المالكي ان تفرض احتكار الدولة لوسائل العنف المشروع بحزم أكبر، وأن تتحرك كل القوى المشاركة في الائتلاف التي تعارض العنف غير الرسمي لتمارس الضغط على زعامات منظمة بدر وجيش المهدي، لكي تضبط وتلجم العنف الذي تمارسه هاتان المنظمتان، أو أن تتخلى عن حماية المتجاوزين منها.
ولعل فتوى (أو نداء) السيد علي السيستاني التي تحرم القتل والاقتتال باطلاق، تشكل عنصر دعم معنوي لوزارة المالكي لكي توقـــف انفلات غرائز العنف هذه، رغم ان مؤسسة المرجعية لم تعد على ذلك القدر الهائل من النـــفوذ الذي كانـــت تتمتع به قبل عامــــين. مع ذلك فإن مرجعية السيستاني تقوم باحياء ومواصلة دور الزعيم الوطني جعفر ابو التمن، ابي الوطنية العراقية بحق، وتكاد المرجعية ان تكون وحدها في هذا الميدان….. #

# عن الحوار المتمدن….


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى