الاقتصادية

موارد ضائعة في موازنة عراقية مستنسخة — موازنة عام 2019 إنموذجا

موارد ضائعة في موازنة عراقية مستنسخة — موازنة عام 2019 إنموذجا

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2018 / 10 / 31
الادارة و الاقتصاد

موارد ضائعة في موازنة عراقية مستنسخة
موازنة عام 2019 إنموذجا

نظام الموازنة العامة الحالي في العراق يعتمد على الأبواب والبنود ، إذ يركز على تحقيق الإيرادات دون أي اعتبار للتخطيط المتوسط أو طويل الأجل ، ولا يتم فيه تقييم عوامل الإنتاجية والأداء ، أما النفقات العامة فتحدد في ضوء الآثار المترتبة عليها بسبب عدم التركيز على الاستخدام الأمثل لهذه الموارد ، مما يؤدي إلى وجود هدر في هذه الموارد ، بمعنى آخر أن نظام الموازنة العامة في العراق وتحقيق الإيرادات يركز على القواعد والإجراءات واللوائح أكثر من تركيزه على الكفاءة الاقتصادية. وهذا يعني أن الموازنات العامة في العراق تقوم بنيتها على أساس أن النفقات العامة تصنف إدارياً، أي أن النفقات العامة توزع على الدوائر والوزارات التي تدخل موازناتها في الموازنة العامة على شكل اعتمادات أو مخصصات سنوية، ثم تُصنّف هذه المبالغ السنوية التي تخصص لكل وحدة إدارية في شكل نوعي، ووفق الغرض من النفقة التي تسمى بنود الإنفاق أو مواد الإنفاق وغالباً ما تكون متشابهة.
أما موازنة البرامج والأداء، التي تفتقد اليها الموازنات العراقية فتهتم بتبويب موازنات الوحدات الإدارية إلى وظائف ومهمات، ثم برامج رئيسة ثم أخرى فرعية، يُربط بينها وبين البيانات المالية. أما موازنة الأداء، فتزوّد الإدارة بوسائل القياس الدقيقة مثل كلفة الوحدة، وقياس العمل ومعدلات الأداء
موازنة العراق الاتحادية لعام 2019 هي استنساخ لما درجت عليه الموازنات العامة في العراق منذ عام 2004 التي لا تختلف احداها عن الاخرى سوى في الارقام التقديرية للإيرادات العامة والنفقات العامة . يمكن توصيف الموازنات العراقية بانها موازنات توزيعية مهمتها الرئيسة توزيع ايرادات النفط العراقي على ابواب الصرف التقليدية دون ان تؤدي الى تغيير نوعي او هيكلي في بنية الاقتصاد العراقي ، والمثير للقلق في هذه الموازنة هو العجز الكبير فيها والممول اساسا من الاقتراض وبالذات الخارجي منه والذي ربما سيوقع العراق في فخ المديونية !!

ملاحظات اولية على موازنة العراق لعام ٢٠١٩
الايرادات العامة = ١٠٥،٥٦٩ ترليون دينار
النفقات العامة = ١٢٨،٤٤٣ ترليون دينار
الايرادات النفطية = 93.741 ترليون دينار
نسبة الايرادات النفطية الى اجمالي الايرادات العامة = 88.8%
العجز المخطط = ٢٢،٨٧٣ ترليون دينار
العجز يمول من الاقتراض الخارجي والداخلي والزيادة في اسعار النفط
سعر النفط المخطط = ٥٦ دولارا للبرميل
معدل التصدير = 3.880 مليون برميل يوميا منها :
250 الف برميل يوميا من نفط كردستان
تخصيصات البترودولار = ترليون دينار فقط
تخصيصات تنمية الاقاليم= ترليون دينار
التخصيصات الاستثمارية للزراعة = 100.325 مليار دينار
التخصيصات الاستثمارية للصناعة = 90.574 مليار دينار
اجمالي التخصيصات الاستثمارية للزراعة والصناعة في الموازنة = 190.899 مليار دينار
الحصة النسبية للزراعة والصناعة معا من الانفاق الاستثماري = ٥،.٪‏
كيف يمكن ان يتطور البلد وهو يخصص نصف الواحد بالمئة من موازنته الاستثمارية للزراعة والصناعة ؟؟ وهو ما يضع علامة استفهام كبيرة حول الكيفية التي ينبغي ان يتم بها تنويع الاقتصاد العراقي في ظل الاهمال المتعمد لهذين القطاعين التي تعبر عنه التخصيصات المتواضعة للصناعة والزراعية اللتان تعدان الاساس والمرتكز لاي سياسة اقتصادية تستهدف التنويع الاقتصادي وتنويع مصادر الدخل وبدونهما يغدو الحديث عن التنويع الاقتصادي غير جدي ويفتقد الى المصداقية .

الايرادات العامة
المصدر الرئيسي للايرادات العامة يتأتى من الايرادات النفطية. وهذا يعني ان تقديرات الايرادات العامة مرتبطة بتقديرات الكميات المتوقع تصديرها من النفط الخام اضافة الى تقديرات اسعار النفط العالمية المتوقعة وهي عوامل تتميز بالتقلبات واحيانا الشديدة ، مما يوجب الحذر عند تقدير كل من النفقات العامة ( وخاصة النفقات التشغيلية الجارية) والايرادات العامة . وتعكس هيمنة الايرادات النفطية على الايرادات العامة وتدني مساهمة الانشطة غير النفطية طبيعة الاختلال الكبير والمستديم الذي تعاني منه الموازنات العراقية منذ عدة عقود والتي تؤشر بدورها مدى هشاشة الاقتصاد العراقي وتبعيته المتزايدة لسلعة النفط . الملاحظ هو التحفظ الشديد في اختيار سعر برميل النفط المخطط وقدره 56 دولارا للبرميل الذي يبدو بعيد جدا عن سعر برميل النفط العراقي المصدر . ويبدو ان هذه التقديرات تحكمية تخضع للمزاج الشخصي لوزارة النفط اي انها غير مبنية على دراسات واسس علمية في احتساب سعر البرميل . والمفروض ان يكون هناك سعر اساس لبرميل النفط يحسب على وفق معدل بيع البرميل خلال الثلاث اشهر السابقة لإعداد الموازنة ثم تجري بعد ذلك دراسة استشرافية تعتمد على النماذج القياسية للتنبؤ بأسعار النفط خلال سنة او الاعتماد على بعض الدراسات الاستشرافية للمنظمات النفطية كمنظمة اوبك او وكالة الطاقة الدولية وعلى ضوئها يتم تحديد هامش التحوط . وفي العراق بلغ متوسط بيع النفط العراقي خلال الاشهر الثلاث الماضية نحو 70 دولارا للبرميل وهو ماكان يجب ان يكون اساسا في تقديرات سعر النفط في موازنة عام ٢٠١٩ ثم يحدد بعد ذلك هامش التحوط والذي كان يفترض ان يكون محدودا جدا لان كل الدراسات المتخصصة تشير الى ان اسعار النفط سترتفع كثيرا في عام ٢٠١٩ بسبب النمو الكبير في الطلب العالمي وبسبب النقص الكبير في امدادات النفط الايرانية والفنزويلية وسيترتب على هذا الفرق الكبير بين اسعار النفط المخططة والفعلية ارتباك كبير في صرف الاموال المخصصة للاستثمار وخاصة تنمية الاقاليم والبترودولار والنفقات الاستثمارية للوزارات مما سيؤثر حتما على طبيعة الخدمات المقدمة للجمهور اذ سيكون الفرق عندئذ بين الايرادات العامة المخططة والفعلية اكثر من ٢٤ مليار دولار وهو ما سيلقي الشك على دقة الموازنة العراقية التي تمثل دقة تقدير النفقات والايرادات العامة احد مؤشرات الموازنات الحديثة وستلجأ الحكومة العراقية كما عودتنا الى الاقتراض الخارجي لسد العجز المخطط في الموازنة العامة او انها ستلجأ الى اعداد موازنة تكميلية لن يكون لها اثر في تنفيذ البرنامج الحكومي بسبب قصر المدة المتاحة لتنفيذ الموازنة التكميلية
مازالت الحكومة لا تعرف تقدير الصادرات النفطية من اقليم كردستان , حيث ثبت في الموازنة الصادرات (000و250) برميل يومياً وهذا ثابت منذ عام (2014) وفي حين هناك تصاعد وتسارع في الصادرات النفطية من الحقول النقطية الجنوبية التي بلغت نحو 3.6 مليون برميل يوميا .
اما الايرادات غير النفطية فهي شحيحة اذ لا تزيد عن 11.2% من ااجمالي الايرادات العامة وتتمثل بالاستمرار بفرض ضرائب على كارتات الهاتف النقل وبنسبة 20% وفرض رسم مقداره 25 الف دينار على تذكرة السفر الخارجي و 10 آلاف دينار على تذكرة الطيران الداخلية مع زيادة الضريبة المفروضة على العقار من 10% الى 12% . فضلا عن اوجه الايراد التقليدية المتمثلة بضرائب الدخل وايرادات املاك الدولة والرسوم الجمركية وغيرها . وعلى العموم فإم معظم الايرادات غير النفطية كالضرائب والرسوم الكمركية مرتبطة اساسا بإيرادات النفط ، فالضرائب تفرض على دخول ممولة بإيرادات النفط والرسوم الكمركية هي الاخرى تفرض على السلع المستوردة الممولة بإيرادات النفط العراقية . وعلى ذلك فالنفط هو محور الموازنات العامة في العراق .

النفقات العامة
بقيت النفقات التشغيلية المسيطرة على حجم الانفاق العام وبنسبة (74.6%) من اجمالي النفقات العامة في موازنة عام 2019 وهي نسبة مرتفعة جدا وهذا ان دل على شي انما يدل على ان ليس للحكومة من برامج انمائية واضحة المعالم من اجل دفع عملية النمو في الاقتصاد العراقي والحد من احادية الاعتماد على النفط. ان الارتفاع الكبير في الانفاق العام انصب على الانفاق التشغيلي الجاري بشكل اساس وهو ما يشكل مؤشرا خطيرا في دولة نامية كالعراق تحتاج الى موارد كبيرة وهائلة لاعادة اعماره في كل المجالات ابتداء من البنى التحتية بما فيها التعليم والصحة والاسكان والطرق الى قطاعات النفط والصناعة والزراعة بالاضافة الى توفير الحد الادنى لمستويات معيشة تليق بانسان في بلد متخم بالموارد. اما النفقات الاستثمارية فكانت بنسبة 25.4% لتغطية نفقات المشاريع الاستثمارية في الوزارات في حين لم يخصص سوى ترليون دينار لاعمار وتنمية مشاريع الاقاليم .في حين يصل الانفاق العسكري في موازنة عام 2019 الى 25 ترليون دينار وهو ما يعادل 19.6% من اجمالي النفقات العامة ، وهو اكبر بنحو ثلاث مرات الانفاق الاجتماعي ( الصحة والبيئة والتربية والتعليم ) وهو رقم كبير لاسيما بعد تحقيق النصر النهائي على تنظيم داعش الارهابي ، وهو ما يضفي عليها صفة موازنة حرب اكثر من كونها موازنة اعمار . أن الانفاق الاستثماري في العراق غير فاعل اي انه غير موجه نحو الاستثمار في البنى التحتية والمشاريع الاستثمارية التي تزيد من الطاقة الانتاجية للبلد وتحسن من بيئته الاستثمارية .ويلاحظ ان موازنة عام 2019 تخلو من المشاريع الاستثمارية الاستراتيجية التي يترتب عليها احداث دفعة قوية للاقتصاد العراقي فلم تخصص موارد مالية كافية لاستكمال ميناء الفاو الكبير مثلا الذي ابتدا العمل فيه عام 2010 ومازال في مراحله الاولية كما لم تتضمن التخصيصات الاستثمارية الانفاق على تطوير الصناعة النفطية التحويلية وخاصة قطاعي التكرير والبتروكيمياويات . ولذك ينبغي الاعتناء بطبيعة الانفاق الاستثماري وتحديد اولويات الاستثمار بدقة من أجل توفير المقومات اللازمة للنهوض الاقتصادي وتعزيز الانتاج المحلي وتوفير الموارد المالية اللازمة لتسديد اقساط خدمة الدين الخارجي .

العجز المخطط في موازنة 2019
اجمالي العجز المخطط = 22,873 ترليون دينار
تمويل العجز :
4 ترليونات دينار من الرصيد المدور في حساب وزارة المالية
1,820 ترليون دينار من ارصدة الوزارات في المصارف الحكومية
17.053 ترليون دينار من الاقتراض الخارجي والداخلي
الاقتراض يسهم في تمويل 74.5% من عجز الموازنة
المثير للقلق في هذه الموازنة هو العجز الكبير فيها والممول اساسا من الاقتراض وبالذات الخارجي منه ، علما ان مديونية العراق تبلغ حاليا 117 مليار دولار منها 70 مليار دولار مديونية خارجية و 47 مليار دولار مديونية داخلية . كان بالإمكان تعديل سعر برميل النفط الى (70) دولار , ليحصل العراق على عائدات اضافية تقدر بنحو ( 18) مليار دولار يمكن من خلاله الاستغناء عن الديون الخارجية والداخلية وتغطية عجز الموازنة واضافة الفائض الى الانفاق الاستثماري بمشاريع واضحة واستراتيجية مهمة تسهم في تعزيز الصناعة والزراعة وزيادة مساهمتهما بالناتج المحلي الاجمالي.

مؤشرات كارثية عن الاقتراض الخارجي والداخلي في موازنة 2019
الدين الخارجي = 16.609 ترليون دينار
الدين الداخلي = 444 مليار دينار
اجمالي الدين = 17.053 ترليون دينار
مدفوعات الفوائد = 4.314 ترليون دينار منها 1.651 ترليون دينار عن الدين الخارجي
أقساط خدمة الدين ( القسط الاصلي + سعر الفائدة ) = 11.188 ترليون دينار منها 3.178 ترليون دينار اقساط خدمة الدين الخارجي
لماذا يقترض العراق ويتحمل دفع الفوائد الكبيرة والموازنة فيه تحقق فائضا اذ حقق العراق في عام 2018 فائضا حقيقيا مقداره 5.820 ترليون دينار تم تدويرها الى موازنة عام 2019 ؟ واذا كان البعض يدعي بان القروض المدرجة في الموازنات العراقية لا يجري تفعيلها وانما هي قروض حين الطلب فهو واهم لان مدفوعات الفوائد كانت 4.086 ترليون دينار عام 2018 ارتفعت الى 4.314 ترليون دينار في موازنة عام 2019 فيما ارتفعت اقساط خدمة الدين من 8.247 ترليون دينار عام 2018 الى 11.188 ترليون دينار عام 2019 .وكل ذلك حصل بسبب الزيادة المستمرة في الاقتراض لتغطية العجز المخطط في الموازنة .

موازنة 2019 قيد جديد على حكومة عبد المهدي
لا توجد رؤية حكومية حول مسار وطبيعة الاصلاح الاقتصادي الذي تسعى الحكومة الى تحقيقه . وما اهم الاصلاحات المنفذة في العام 2018 ، ولم توضح الحكومة في موازنتها لعام 2019 عن الاجراءات المزمع اتخاذها لتنفيذ البرنامج المتكامل للإصلاح الاقتصادي الذي يهدف الى تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ورفع معدلات التشغيل والاهتمام بالحماية الاجتماعية اذ ان الموازنة غاب عنها المؤشرات الكمية المتعلقة بمعدلات النمو والبطالة ، ومعدلات الدين الحكومي ، ومعدلات التضخم ، ومعدل نمو الاقتصاد العالمي . كما لم توضح الموازنة توجهات السياسة المالية في العراق والتحديات التي تواجهها . الموازنة هي خطة أو برنامج عمل، تترجم فيه الحكومة سياستها الاقتصادية والاجتماعية إلى أهداف سنوية رقمية، وليست مجرد برنامج عمل خاص بوزارة المالية يبين الكفاءة في إدارة الأموال وحسب ولا تتقرر فعالية الموازنة بذاتها فقط، بل ترتبط بأدوات التخطيط المالي الأخرى كسياسة التسليف وسياسة النقد الأجنبي، وتقاس بالنتائج الاقتصادية الاجتماعية وليس بالنتائج المالية فقط. ولذلك تمثل موازنة 2019 رؤية السيد العبادي وطاقمه الوزاري الذي يركز على الطابع التوزيعي للإيرادات العامة واهمال تام لضرورة تطوير القدرات الانتاجية للاقتصاد العراقي وضرورة تنويعه لاستيعاب البطالة الكبيرة للبلد كما تعكس الموازنة سوء الادارة المالية في العراق وعدم قدرتها على التصرف المنهجي في الموارد . ان موازنة 2019 في حالة اقرارها كما هي تضع قيدا كبيرة على قدرات الحكومة القادمة في الحصول على الموارد المالية اللازمة لتحقيق التغيير الاقتصادي المنشود من خلال اعتماد سعر منخفض جدا لبرميل النفط الخام مما خفض كثيرا من الايرادات المالية المتوقعة عام 2019 وادى الى عجز كبير ممول من الاقتراض الخارجي تحديدا مما سيفاقم مشكلة المديونية الخارجية خاصة بعد ارتفاع اقساط خدمة الدين الى نحو 11 ترليون دينار . كما ان المبالغة في تخصيص الاموال للأمن والدفاع لا سيما بعد القضاء على داعش وانحسار العمليات الارهابية بشكل ملحوظ سيلحق الصرر الكبير بالإنفاق المدني الموجه نحو تلبية الحاجات الاساسية للشعب اذ بلغت التخصيصات المالية للأمن والدفاع نحو 25 ترليون دينار وهي تمثل 19.5% من اجمالي النفقات العامة في لا يزيد المخصص للصحة والبيئة عن 2.555 ترليون دينار وهو ما يعادل 2% فقط من النفقات العامة فيما بلغ المخصص لوزارتي التربية والتعليم العالمي معا عن 4.790 ترليون دينار وبنسبة 3.75% . ويزداد الامر سوءا عندما تخصص الموازنة للزراعة والصناعة معا ترليوني دينار فقط وهو ما يمثل 1.5% فقط من اجمالي الموازنة . كل هذه التداعيات تتطلب من السيد عبد المهدي اعادة النظر كليا بهذه الموازنة بما فيها اعتماد سعر جديد للنفط اكثر واقعية وتقليل حجم الاقتراض الخارجي وتخصيص الموارد المالية لإنجاز بعض المشاريع الاستراتيجية مثل ميناء الفاو الكبير ومجمع البتروكيمياويات والمصافي واعادة تأهيل القطاع العام ودعم القطاع الخاص الوطني حتى لو تطلب الامر تأخير عرض الموازنة على البرلمان العراقي الى شهر تشرين الثاني او كانون الاول المقبل .

موازنة 2019: تخصيصات كبيرة ووظائف قليلة
بغية التقليل من حجم البطالة المرتفع جدا في العراق وبالذات بطالة الشباب وفرت الموازنة العامة الالاف من فرص العمل للتعيين في الادارة الحكومية وفي القطاع العام الحكومي مع انها منعت التعيين في دوائر الدولة بإسلوب التعاقد . ولم توضح الموازنة العدد المستحدث من الوظائف ولا نعلم مدى الدقة في الاخبار المستندة الى وزارة المالية والتي تشير الى 60 ألف وظيفة تم استحداثها في الموازنة . غير اننا بالاستناد الى الارقام الواردة في الجداول الملحقة في الموازنة توصلنا الى ما يلي : مجموع العاملين في الدولة لعام 2018 = 2.894.712 مليون
مجموع العاملين في الدولة في موازنة عام 2019 = 2.931.961 مليون
الزيادة المستحدثة في عدد العاملين في الدولة في موازنة عام 2019 = 37.249 الف فرصة عمل . وبغض النظر عن اي الرقمين ادق فقد ترتب على استحداث هذه الوظائف ارتفاع تعويضات الموظفين (رواتب الموظفين والمتقاعدين والحماية الاجتماعية والمتعاقدين وغيرها) من 54.448 ترليون دينار عام 2018 الى 58.553 ترليون دينار عام 2019 بزياده قدرها 4.105 ترليون دينار ، وتشكل الرواتب نحو 45.6% من اجمالي النفقات العامة في العراق. ونظرا لارتفاع التخصيصات المالية لفقرة الرواتب بمقدار 2.534 ترليون دينار فإن الوظائف المستحدثة في الموازنة جدا قليلة اذ ان هذه الزيادة في التخصيصات كافية لاستحداث أكثر من 300 الف وظيفة جديدة . وحسنا فعلت الحكومة عندما اطلقت هذه الوظائف لان العمل من ابسط حقوق الانسان وواجب على الدولة غير ان التوسعة في عدد العاملين واستحداث الوظائف الجديدة لم يرافقها توسعة حقيقية في الطاقات الانتاجية والخدمية للقطاع العام والادارات الحكومية وكان من المفروض للدولة ان يكون لها برنامج واضح لتحديث القطاع العام واقامة بعض المشاريع الاستراتيجية الموفرة للعمل من اجل تنويع الاقتصاد العراقي والانتقال به من اقتصاد ريعي الى اقتصاد انتاجي بالتزامن مع تبني حزمة من الاجراءات الداعمة للقطاع الخاص الوطني وهو ما اغفلته الموازنة معززة بذلك من الصفة الريعية للاقتصاد وهو ما يحول دون تبني اجراءات حقيقية لمعالجة مشكلة البطالة في العراق .

اسئلة حائرة
لماذا ارتفعت استيرادات العراق من الوقود اللازم للكهرباء من 921 مليار دينار في موازنة عام 2018 الى 3.8 ترليون دينار في موازنة عام 2019 ؟
لماذا ارتفع دعم غاز البصرة من 1.252 في موازنة عام 2018 الى 2.364 ترليون دينار في موازنة عام 2019 ؟
لماذا تضاعفت تعويضات الكويت من 772 مليار دينار في موازنة عام 2018 الى 1.553 ترليون دينار في موازنة عام 2019 ؟
لماذا تخصص الموازنة 360 مليار دينار للمشاريع النفطية في اقليم كردستان مع ان الاخير لا يسلم الحكومة المركزية ايراداته النفطية ؟

البصرة في موازنة 2019
حصة البترودولار في الموازنة العامة = 5% من ايرادات النفط الخام
اي انها تعادل 4.687 ترليون دينار
تخصيصات البصرة عن البترودولار = 856 ترليون دينار
تخصيصات البصرة عن تنمية الاقاليم = 76.9 ترليون دينار
تخصيصات البصرة الاستثمارية عن البترودولار وتنمية الاقاليم = 932.9 مليار دينار
التخصيصات الاستثمارية لكردستان = 2.391 ترليون دينار منها : 922.655 ترليون دينار لمحافظة اربيل مع انها لا تسلم ايراداتها النفطية وغير النفطية الى المركز .
حصة البصرة الحقيقية من البترودولار فقط لا تقل عن 3.750 ترليون دينار
اي ان المخصص للبصرة في الموازنة هو اقل من 25% من استحقاقاتها القانونية
اما الفقرة المثبتة في الموازنة التي تنص على تخصيص 20% من المبالغ المتحققة من زيادة الايرادات النفطية الفعلية عن المخططة الى المحافظات المنتجة كل ستة اشهر فهي لا تعني شيئا والغرض من ورودها في الموازنة للتغطية على عدم رغبة الحكومة المركزية في اطلاق الاموال المخصصة للمحافظات المنتجة للنفط وفي مقدمتها البصرة وهو ما سبق ان حصل في موازنة 2018. كما لا يوجد في الموازنة اي تخصيصات مالية للبصرة عن ايرادات المنافذ الحدودية المثبتة في فانون رقم 21 للمحافظات غير المنتظمة بإقليم والذي نص على حصول المحافظات التي لها منافذ حدودية على 50% من ايرادات منافذها الحدودية . كما لم تشر الموازنة الى كيفية تسديد مستحقات البصرة من البترودولار للسنوات السابقة . ولذلك ينبغي على نواب البصرة تحديدا ومجلس المحافظة والمحافظ الالتفات الى هذا الموضوع الخطير وتداركه فبل فوات الاوان .

التحديات التي تواجه موازنة عام 2019
1.التأخر في اعداد الحسابات الختامية والمقصود بالحساب الختامي بانه بيان يتضمن النفقات العامة التي انفقت والايرادات العامة التي حصلت خلال فترة مالية غالبا ما تكون سنة ، ولذلك فان الاختلاف المحوري يتمثل في ان الموازنة العامة تتضمن ارقاما تقديرية في حين ان الحسابات الختامية تتضمن ارقاما حقيقية فعلية ، ويلاحظ ان لكل موازنة عامة حسابا ختاميا يصدر عن الفترة ذاتها التي تكون قد نفذت فيها الموازنة العامة . وبمقارنة ارقام الموازنة العامة بارقام الحساب الختامي يمكن معرفة مدى صحة ارقام الموازنات العامة ومطابقها للواقع .
2.لاتوجد رؤية حكومية حول مسار وطبيعة الاصلاح الاقتصادي الذي تسعى الحكومة الى تحقيقه . وما اهم الاصلاحات المنفذة في العام 2018 ، ولم توضح الحكومة في موازنتها لعام 2019 عن الاجراءات المزمع اتخاذها لتنفيذ البرنامج المتكامل للإصلاح الاقتصادي الذي يهدف الى تحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة ورفع معدلات التشغيل والاهتمام بالحماية الاجتماعية اذ ان الموازنة غاب عنها المؤشرات الكمية المتعلقة بمعدلات النمو والبطالة ، ومعدلات الدين الحكومي ، ومعدلات التضخم ، ومعدل نمو الاقتصاد العالمي . كما لم توضح الموازنة توجهات السياسة المالية في العراق والتحديات التي تواجهها .
3.سوء الادارة المالية في العراق وعدم قدرتها على التصرف المنهجي في الموارد
4.تخطيط النفقات في العراق : إن اقتراح وضع الايرادات ما هو إلا عملية تقديرية تقوم بها جهة إعداد مشروع الموازنة ابتداء , ومن ثم فإن هذه التقديرات لاتمثل صورة حقيقية للنفقات التي سيتم أنفاقها فعلا أو الإيرادات التي سيتم تحصيلها في السنة القادمة , ومن هنا تبرز الحاجة إلى دقة ووضوح هذه التقديرات. وخاصة فيما يتعلق بسعر النفط المخطط الذي بعد الاساس في تقدير العائدات النفطية للبلد .
5.لم تصمم الموازنات المنفذة خلال الفترة 2004- 2019 على اسس ترقى إلى المعايير الدولية المعتمدة من قبل صندوق النقد الدولي المتعلقة بشفافية الموازنة ، و يحددها الصندوق بأربعة مجالات أساسية وهي وضوح الأدوار والمسؤوليات، توفر المعلومات للجماهير، تحضير منفتح للموازنة وتطبيق منفتح لها وضمانات النزاهة
6.لم تبتعد المالية العامة العراقية طوال السنوات الماضية عن دائرة التناقض بين مسألة الكفاية الانتاجية وبين مسألة العدالة في توزيع ثمار الناتج المحلي الاجمالي للبلاد ، فكفة العدالة في توزيع عوائد الموازنة قد هيمنت على مسألة الكفاية الانتاجية
7.تقتضي الضرورة ضغط النفقات التشغلية الى ادنى حد مكمن وخاصة فقرة الرواتب التي تشكل جانيا مهما من النفقات التشغلية من خلال الغاء القوانين التي تسمح للمواطن العراقي ان يتقاضى اكثر من راتب واحد والغاء الرواتب التقاعدية للذين ليس لهم خدمة وظيفية لا تقل عن 15 عاما وكما هو ساري المفعول على الموظفين الاخرين
8.مشكلة الفساد المستشرية في العراق والتي تحول دون تنفيذ مشاريع الموازنة بشكل كفوء وتقديم الخدمات العامة بشكل مقبول ومن أجل إصلاح الموازنة والحد من الفساد فيها يجب العمل بالآتي :-
‌أ.تأسيس مكتب خاص بالموازنة من شأنه توفير المعلومات الخاصة بالموازنة بشفافية تامة وبما يسمح للسلطة التشريعية والمواطنين من معرفة الكيفية التي تنفق فيها الأموال مما يفسح المجال لمحاسبة المخلين والحد من الفساد.
‌ب. منح ديوان الرقابة المالية والمؤسسات الرقابية الأخرى ، مراقبة إيرادات الدولة ونفقاتها ، وبما يمكنها من اكتشاف مكامن الخلل والفساد الذي يحصل في الموازنة ومعالجته.
‌ج.مراجعة ودراسة الاتفاقات المتعلقة بالمشاريع التنموية والاستثمارية لغرض ملاحظة أوجه الصرف ومواطن الهدر والضياع وتوجيه الأموال نحو النفع العام.
‌د.تعزيز العلاقة بين السلطة التشريعية والمؤسسات الرقابية والتعاون فيما بينها من أجل تعزيز الشفافية في الموازنة العامة للدولة وتحقيق الأهداف المشتركة التي تسعى إلى استخدام الموارد العامة بكفاءة عالية لبلوغ تنمية مستدامة ومتنوعة.
هـ.عند إقرار الموازنة يجب أن يودع جميع ما يقبض من الإيرادات كالضرائب والرسوم والأرباح وعوائد الدولة من إدارة أملاكها ونشاطها في الخزينة العامة للدولة ، ولا يجوز تخصيص أي جزء من أموال الخزينة أو الإنفاق منها لأي غرض لم يدرج ضمن بنود الإنفاق في الموازنة مهما كان نوعه .
9.هناك فجوة زمنية مابين اعتماد الموازنة العامة من البرلمان وبين إشعار وزارة المالية لإطلاق صرف مبالغ التخصيصات من جهة وبين إيداع تلك المبالغ في حسابات الوزارة من جهة أخرى , وهذا الأمر قد يترك تأثيرا سلبيا على تنفيذ المشاريع وانجازها …. #

#. عن الحوار المتمدن…


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى