المقالات والبحوث

موقف الشريعة من سن الحضانة

بعد ان نشرتُ مادة تتعلق بمقترح تعديل أحكام الحضانة في قانون الأحوال الشخصية النافذ الموسومة (فشل المعالجة التشريعية وأثارها السلبية … حضانة الأطفال انموذجاً) وردتني بعض الرسائل والتعليقات من بعض الأفاضل من المختصين وغير المختصين ويذكرون فيها بان تحديد سن الحضانة على وفق مقترح التعديل هو حكم شرعي أقرته الشريعة الإسلامية ولا يجوز مخالفته، ولان الدستور قد اقر اعتبار الشريعة الإسلامية مصدر التشريع الأساس على وفق أحكام المادة (2/أولا) من الدستور التي جاء فيها الاتي (أولاً:- الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع) وبذلك فان المقترح هو عين الصواب والنص النافذ مخالف للشريعة الإسلامية، كما أفاد بعض الأفاضل بان سن الحضانة للصبي هو سن السابعة وللأنثى هو سن التاسعة هذا من ثوابت الإسلام وإجماع فقه المذاهب الإسلامية جميعها، وللوقوف على هذه الآراء والتعليقات لابد من الوقوف على وجهة نظر المذاهب الإسلامية تجاه سن الحضانة وهل اتفقت جميعا على حكم محدد ام ان أحكامها شتى ومتباينة، كذلك هل ما عرضه الأفاضل وما ورد في مقترح التعديل يمثل تطبيق لنص الدستوري باعتبار الشريعة الاسلامية المصدر الرئيسي للتشريع وسأعرض للموضوع على وفق الاتي : أولاً: سن الحضانة عند فقهاء المذاهب الإسلامية: ان المذاهب الإسلامية لم تتفق على سن معينة لتكون حداً لحضانة الأم ومن ثم تنقل إلى الأب وعلى وفق الاتي : ‌أ. أشار فقهاء الجعفرية إلى أحكام عدة منها سن الحضانة للصبي سنتين وللأنثى سبع سنوات، لكنه لم يجعل ذلك مطلقاً بل وردت استثناءات عليه وفي احدى فتاوى سماحة المرجع الأعلى السيد علي السيستاني إلى جواز ان يبقى المحضون عند حاضنته حتى وان تجاوز سن الحضانة المقرر بسنتين وعلى وفق الاتي (حضانة الطفل بعد مضي سنتين من عمره من حق أبيه خاصة ، ولكن إذا كان الأب يجد ان في فصله عن امه مفسدة عليه ولو من جهة عدم توفر من يقوم بحضانته إلى الوجه اللازم شرعاً فلابد ان يعهد بحضانته إليها ولا فرق في ذلك بين زواج الأم بزوج آخر وعدمه) الفتوى منشورة في موقع مكتب المرجع الأعلى السيد علي السيستاني الإلكتروني (https://www.sistani.org/arabic/qa/0450/) ودلالة هذه الفتوى ان سن الحضانة ليس من الثوابت التي لا يجوز تركها وانما تخضع لظروف المحضون والحاضن. ‌ب. يبنما عند الحنفية ففيه اكثر من قول فبعض الفقهاء قالو مدة الحضانة للصبي قدرها سبع سنين وبعضهم بتسع سنين. ‌ج. اما عند المالكية فان مدة حضانة الصبي من حين ولادته إلى أن يبلغ ولم يحددها بسن معينة، ومدة حضانة الأنثى حتى تتزوج ويدخل بها الزوج بالفعل. ‌د. الشافعية فانهم لم يضعوا حداً لسن الحضانة حيث قالوا ليس للحضانة مدة معلومة فإن الصبي متى ميز بين أبيه وأمه فإن اختار أحدهما كان له ذلك. ‌ه. أما الحنابلة فانهم اعتبروا سن الحضانة سبع سنين على حد سواء بالنسبة للأنثى والذكر. ومن خلال هذا العرض نرى ان مذاهب المسلمين الرئيسية الخمسة لم تتفق على سن معين للحضانة بل وجدنا بعضها أطال بأمدها لحين البلوغ أو زواج الأنثى، وهذا يجعل من القول بان النص النافذ يخالف الأحكام الشرعية قولاً واهناً لا يقوى على الصمود بوجه الحقائق الشرعية. ثانياً: مخالفة ثوابت الإسلام وإجماع الفقهاء: بعض الأفاضل في تعليقاتهم ورسائلهم يشيرون إلى ان النص النافذ يمثل مخالف لثوابت الشريعة الإسلامية لان الدستور اعتبر الإسلام دين الدولة الرسمي، وهو مصدرٌ أساس للتشريع على وفق المادة (2) من الدستور، وعند السؤال عن ماهية الثوابت الإسلامية تكون الإجابة بعمومية غير واضحة بأنها الأحكام التي وردت في القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة والإجماع، وللوقوف على هذه الثوابت لابد وان نرى هل وجد لها الفقه صور محددة ام انها مازالت محل جدل الى يومنا هذا ومازالت غير محدد وتخضع للرأي والاجتهاد، وسأعرض للأمر على وفق الاتي :ـ ‌أ. عند النظر في مفهوم (إجماع فقهاء المسلمين) فانا نجد انهم اختلفوا في كل شيء على وفق اجتهادهم ومشاربهم العقائدية وهذا الاختلاف كان رحمة لان فيه إثراء للفكر الإنساني يواكب حاجات المجتمع بإطارها القرآني، فاذا وجد في رأي مذهب واحد على خلاف الأخرين فانه يعدم الإجماع ولا تنهض قاعدة الأخذ به لأنه محل إجماع المسلمين ولاحظنا الاختلاف بين مختلف المذاهب واحيانا في المذهب الواحد سواء فيمت يتعلق بالحضانة او بغيرها مما لا يضفي صفة الإجماع على الرأي المقترح للتعديل ، لكن قد يشكل محل اقتناع من فقهاء مذهب واحد دون بقية المذاهب فان الإجماع عليه يكون في اطار ذلك المذهب وليس للشريعة الإسلامية، لأنها تضم اكثر من مذهب واحد وانها قد تتعدى حتى المذاهب الخمسة الرئيسية، وحيث ان النص النافذ في حكمه الواردة في المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية النافذ الذي جعل الحضانة حق للام على وفق التفصيل الوارد فيه ينسجم تماما وحكم بعض المذاهب ومنها الشافعية والمالكية على وفق ما تقدم ذكره الذي لم يجعل سن محدد للحضانة. ‌ب. أما عن القول بان الدستور الزم المشرع باعتماد الشريعة الإسلامية مصدر أساس للتشريع فانه لم يقصد ان تكون الوحيدة وإنما ممكن ان يكون بجانبها مصادر أخرى، فضلاً عن كون هذا النص يقصد به توجيه المشرع إلى أحكام الشريعة الإسلامية كمصدر كلي ينتظم كافة المذاهب الفقهية على السواء، دون التقيد بمذهب معين من تلك المذاهب أو بأرجح الأقوال فيها، وإنما له ان ينهل من كل عيون الفقه الصافية والنقية، بما يخدم الصالح العام وها ما قضت به المحكمة الدستورية العليا المصرية عدة قرارات منها قرار الحكم العدد 10 / سنة قضائية 5 في 3/تموز/1976 وتكرر هذا القول في قرارات لاحقة. وفي ختام القول فان سن الحضانة لم يكن محل إجماع عند فقهاء المذاهب الإسلامية ويبقى للمشرع ان يحدد السن التي يرى فيها مصلحة المحضون وما ورد في المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية لا تمثل مخالفة للشريعة الإسلامية كما يروج لها البعض في سعيه لتعديلها، حيث استمعت إلى اكثر من شخص سواء في مجلس النواب أو في غيره يتعلل بهذا القول ويسوقه إلى العامة على ان نص المادة (57) النافذ فيه مخالفة للشريعة الإسلامية مما اقتضى التنويه الى عدم صحة هذا القول. قاضٍ متقاعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى