القانونية

نظرة قانونية – الـمـفـوضـيـة الـعـلـيـا الـمـسـتـقـلة للانـتـخـابـات فـي الـعـراق

نظرة قانونية – الـمـفـوضـيـة الـعـلـيـا الـمـسـتـقـلة للانـتـخـابـات فـي الـعـراق

د. فلاح اسماعيل حاجم

2004 / 11 / 17

نــظــرة قــانــونــيــة :
الـمـفـوضـيـة الـعـلـيـا الـمـسـتـقـلة للانـتـخـابـات فـي الـعـراق

في مقالة سابقة عن الاجهزة الانتخابية اشرنا الى ان اساليب تشكيل تلك الاجهزة وحجم صلاحياتها تختلف من دولة الى اخرى؛ واشرنا كذلك الى ان المهمة الرئيسية لتلك الاجهزة تنحصر في القيام بالتحضير ومن ثم اجراء الانتخابات ومراقبة سلامتها والانتقال الى المرحلة النهائية المتمثلة في عد الاصوات واعلان النتائج النهائية لها. ولم تفتنا الاشارة الى ان الواقع الاستثنائي الذي يعيشه بلدنا في الوقت الحاضر كان له الاثر الحاسم في تحديد كيفية تشكيل الجهاز الانتخابي الاهم في العراق؛ حيث تم يأليف المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق بموجب أمر سلطة الائتلاف المؤقتة رقم 92 والموقع من قبل المدير الاداري للسلطة المؤقتة انذاك بول بريمر. واذا كان ثمة معارضة لهذه الهيئة الانتخابية فانها (المعارضة) لا تعدو ان تكون معنوية وتنبع من ذات الدوافع التي تعارض تواجد القوات متعددة الجنسية في العراق ايا كانت دوافعه و سواءاً كان ذلك التواجد في الوقت الراهن سلبيا ام انه جاء بطلب من الحكومة العراقية المؤقتة وللمساعدة على التعامل مع الهجمة الارهابية التي يتعرض لها وطننا. ان مطالعة متأنية لامر تأسيس المفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق يعكس بوضوح ان هذه الوثيقة كانت قد سُنَت بعد تحليل دقيق للوضع السياسي في العراق وبما يتفق مع المقاسات المتعارف عليها دولياً وبالشكل الذي يضمن استقلالها التام عن التاثيرات السياسية؛ فاذا كانت بعض التشريعات قد ذهبت الى اشراك الاحزاب السياسية الكبرى وممثلي السلطات التنفيذية في الاجهزة الانتخابية (المانيا؛ المكسيك ؛ استراليا)؛ فان الفقرة 2 من القسم الخامس من القرار اجازت ” للمواطنين العراقيين والمنظمات العراقية ان يقدموا للامم المتحدة اقتراحات باسماء المرشحين السبعة لعضوية المجلس.” (المقصود مجلس المفوضين). معنى ذلك ان رأى المنظمات العراقية لا يعدو ان يكون استشارياً. هذا من جهة ومن جهة اخرى فان منح الامين العام للامم المتحدة حقَ تعيين احد الاعضاء في مجلس المفوضية يضفي على هذا الجهاز مشروعية اكبر. بالاضافة الى ذلك فان القرار المذكور اخذ بما ذهبت اليه اغلب التشريعات الانتخابية في دوّل الديمقراطية الحقيقية من حيث اعتباره المفوضية العليا ” ادارة حكومية مستقلة؛ تحكم ذاتها؛ غير حزبية؛ محايدة ومهنية وتتمتع بصلاحية اعلان وتنفيذ الاحكام التنظيمية والقوانين ………… وتكون المفوضية مستقلة عن فروع الحكومة التنفيذية والتشريعية والقضائية؛ وتكون هي وحدها سلطة الانتخاب الوحيد في جميع انحاء العراق خلال الفترة الانتقالية.” (القسم الثالث –الفقرة 1). وهنا لابد من الاشارة الى ان ضمان استقلالية الاجهزة الانتخابية يتم من خلال تمويلها من ميزانية الدولة؛ وهذا ما اكدت عليه الفقرة 9 من القسم الخامس والتي الزمت الحكومة العراقية ﺒ ” التأكد من حصول المفوضية على جميع الموارد اللازمة لاجراء الانتخابات اثناء الفترة الانتقالية…..”.
ان من المسائل التي ستؤمن استقلالية المفوضية العليا هو حجم الصلاحيات الممنوحة لها وفق قرار الانشاء؛ فقد ادرجت الفقرة 3 من القسم الخامس للقرار صلاحيات المفوضية بالشكل التالي: أ- تقرير وانشاء وتطوير اللوائح الانتخابية والتصديق عليها وتقسيمها وصيانتها؛ ب- المساعدة على بناء الدعم والثقة في اوساط المجتمع في جميع ارجاء العراق في العملية الانتخابية؛ ج- تنظيم وادارة التسجيل والمصادقة على الاحزاب السياسية؛ د- تنظيم وادارة التسجيل والتصديق على المرشحين للانتخابات؛ ﻫ- اقرار صلاحية مراقبي الانتخابات وغيرهم من الموظفين العاملين في ضبط و/أو مراقبة الانتخابات في العراق.
و-ادارة عمليات جداول الناخبين والاقتراع؛
ز- الحكم في الشكاوى والنزاعات الانتخابية؛
ح- التصديق على نتائج الانتخابات.
انني ارى انه كان من الممكن احالة بعض صلاحيات المفوضية الى اجهزة الدولة الاخرى سيما وان بعضاً من تلك الصلاحيات اقرب الى طبيعة عمل تلك الاجهزة ؛ فوظيفة تسجيل الناخبين؛ على سبيل المثال؛ اقرب الى اجهزة السلطة المحلية من ناحية طبيعتها. وكذا الحال بالنسبة لمهمة تسجيل الاحزاب السياسية التي من الممكن جعلها من اختصاصات وزارة العدل ( اقصد تسجيلها ليس كمرشحة لخوض الانتخابات وانما لتثبيت وضعها القانوني كشخصية اعتبارية).
اما فيما يخص التنظيم الداخلي للمفوضية فقد تناول القرار وبمزيد من التفصيل الهيكل الداخلي للمفوضية مؤكداً في القسم 5 (مجلس المفوضين) على تشكيل مجلس مؤلف من 9 اعضاء؛ سبعة منهم من العراقيين يمتلكون حق التصويت؛ اما العضوان الاخران فهما المدير العام للانتخابات وخبير دولي تختاره الامم المتحدة وكل منهما لا يمتلك الحق بالتصويت. ولم يمنح المشرع حق التصويت لممثل الامم المتحدة عملاً منه بحصر مهمة اتخاذ القرارات بالعراقيين فقط؛ اما حرمان المدير من هذا الحق فراجع ؛ كما اعتقد؛ الى تأكيد حياديته في حال انقسام المجلس؛ ومنحه امكانية التفرغ لاداء مهمات اخرى كثيرة ومتشعبة؛ ويفهم من نص الفقرة 3 من القسم 5 (تنظيم مجلس المفوضين) ان المشرع لم يحدد ان كان المدير العام عراقياً ام لا؛ الا انه (المشرع) اجاز للعراقيين امكانية الاسهام في عملية اختيار اعضاء مجلس المفوضية السبعة وذلك من خلال تقديم الاقتراحات.
ان اعتبار العراق دائرة انتخابية واحدة (الفقرة 3 /القسم 3 من قانون الانتخابات) اغنى عن تشكيل هيئات انتخابية اضافية في الدوائر الانتخابية؛ حيث نصت الفقرة الاولى من القسم السادس على ان المفوضية العليا تتكون من مكتب وطني ومكاتب انتخابية تنشأ في المحافظات والاقضية. وجعلت نفس الفقرة الادارة الانتخابية مسوؤلة امام المجلس مما يؤكد عراقية الهيئة الانتخابية العليا (اشترط القرار ان يكون الاعضاء السبعة الذين يمتلكون حق التصويت من العراقيين فقط). اما بخصوص الوضع القانوني لاعضاء المفوضية فقد تناوله القسم 5 من القرار الذي تشير فقراته الى انه التزم الشروط والموانع الواردة في قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية وقانون الانتخابات العراقية مؤكداً على الآهلية الاخلاقية للمرشحين لعضوية المفوضية العليا والاجهزة التابعة لها بما في ذلك الشروط القاضية بابعاد اعضاء حزب البعث المنحل والمتعاونين مع الاجهزة القمعية للنظام البائد. ويجدر بالاشارة هنا الى ان القرار لم يتضمن اية اشارة الى حصانة اعضاء الاجهزة الانتخابية والتي نراها ضرورية لحماية اعضاء تلك الاجهزة من تجاوزات السلطة التنفيذية. من المسائل القانونية الهامة التي تناولها قرار تشكيل المفوضية بتفصيل كبير هي مسألة حل المنازعات والتي سيكون امر حدوثها من المسلمات في ظروف العراق الراهنة. حيث رسم القرار في قسمه السابع صورة متكاملة عن اليآت التعامل مع الخروقات الانتخابية مانحاً المجلس امكانية النظر في القضايا المتعلقة بالتنفيذ المدني للقواعد والاجراءات التنظيمية مخولاً اياه احالة القضايا ذات الطابع الجنائي الى السلطات المختصة.
عند الحديث عن الوضع القانوني للمفوضية العليا المستقلة للانتخابات في العراق لابد من الاشارة الى ان المفوضية تحمل طابعاًً وقتياً حيث حدد القرار فترة صلاحياتها ” الى حين تأليف مفوضية جديدة بعد نهاية الفترة الانتقالية ؛ او الى ما بعد مرور ثلاثة اشهر عقب التصديق على اول انتخابات تجري بموجب الدستور الدائم؛ ايهما يأتي اولاً.”.
واخيراً ارى لزاماً الاشارة هنا الى انه اذا كان ثمة ما يمكن ان يؤاخذ عليه قرار تشكيل المفوضية فهو اهماله الكامل لآليات ممارسة الحق الانتخابي من قبل العراقيين المقيمين خارج الوطن سوءاً بشكل دائم او مؤقت؛ ولا اعتقد ان هنالك حاجة للتذكير بأن عدد العراقيين المتواجدين خارج الوطن من الضخامة بحيث يجعل من غير الممكن تجاهلهم؛ اذ ان وجود اكثر من مليون صوت انتخابي سيؤثر دون شك على نتيجة الانتخاب. واذا كانت المفوضية قد اتخذت قراراً بانشاء مراكز انتخابية للعراقيين في 14 دولة فأن ذلك مع كونه يشكل خطوة ايجابية الأ انه اجراء غير كاف لتحقيق مبدأ شمولية الحق الانتخابي. وفي جميع الاحوال انني ارى ان نجاح المفوضية في مهمتها باجراء الانتخابات في نهاية شهر كانون الثاني من العام القادم سيؤرخ لبداية عصر جديد في العراق وربما في المنطقة ايضاً….. #

#.    عن الحوار المتمدن.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى