القانونية

نظرة قانونية: الوضعية القانونية لعضو البرلمان

نظرة قانونية: الوضعية القانونية لعضو البرلمان

نظرة قانونية: الوضعية القانونية لعضو البرلمان

د. فلاح اسماعيل حاجم

2006 / 6 / 20

شهدت الايام الاولى من عمل مجلس النواب العراقي ظاهرة غريبة تمثلت بعدم انعقاد جلساته وتأجيلها المتكرر وذلك بسبب عدم اكتمال النصاب القانوني المحدد وفقا للمادة السابعة والخمسين – اولا- أ- بالاكثرية المطلقة (50 عضو + عضو واحد), ما يؤشر الى خلل واضح في عمل الجهاز التشريعي – التمثيلي الاهم في بلادنا. ان تخلف النواب عن حضور جلسات البرلمان اضافة الى كونه يمثل خرقا لقواعد التشريع المنظمة للعمل البرلماني وقواعد النظام الداخلي لمجلس النواب وحنثا بالقسم, فانه يوشر ايضا الى خلل واضح في العملية السياسية الجارية في بلادنا الآن وعملية اعادة البناء والتي هي احوج ما تكون الى السند التشريعي, ناهيك عن الدور الرقابي الذي ينبغي ان يقوم به مجلس النواب على نشاط السلطة التنفيذية, بالاضافة الى ذلك فان واحدة من اهم القضايا التي يفترض ان تحتل مكان الصدارة في اجندة مجلس النواب هي محاربة الفساد الاداري المستشري حاليا في اجهزة الدولة, وخصوصا التنفيذية منها. واذا كانت معضلة الاحجام عن المساهمة في جلسات مجلس النواب تعبر عن سوء التزام النائب البرلماني ذاته, فانها تعبر, وربما بنفس القدر, عن خلل واضح في عمل الكتل السياسية البرلمانية وحياتها الداخلية. من هنا ارى ضرورة البحث في الوضعية القانونية لعضو البرلمان, اي حجم الحقوق والامتيازات التي يتمتع بها النائب البرلماني ومجموعة الالتزامات الملقاة على عاتقه بالاضافة الى طريقة وصوله الى المقعد البرلماني …..الخ . على انه لابد من التنبيه هنا الى ان ثمة عوامل تبدو وثيقة الصلة بتحديد الوضعية القانونية لعضو البرلمان, ربما يقف في المقدمة منها شكل الحكم ( ملكي مطلق, جمهوري رئاسي, جمهوري او ملكي برلماني….الخ), والنظام السياسي للدولة (ديمقراطي ام شمولي), وحتى شكل الدولة ( بسيط ام فيدرالي). وفي جميع الاحوال سنقوم بالتركيز في مقالتنا هذه على الوضعية القانونية لنائب البرلمان في انظمة البرلمانية المتأصلة, سيما وان دستور دولتنا يؤسس لهذا الشكل من الحكم.
يعرف التأريخ الانتخابي نوعين من التفويض هما التفويض التمثيلي (ويطلق عليه في الادب القانوني الاوروبي التفويض الحر), اما الثاني فهو التفويض المشروط. ويكتسب هذا التمييز اهمية استثنائية سواءا بالنسبة لنائب البرلمان او بالنسبة للبرلمان كجهاز تمثيلي وتشريعي. فالنائب المنتخب على اساس التفويض (التوكيل) التمثيلي يمثل من الناحية النظرية الشعب باسره بغض النظر عن انتمائه الى هذه الطائفة او تلك, او ان انتخابه قد تم في دائرة انتخابية محددة. ذلك انه ما ان يصبح النائب عضوا في برلمان الدولة حتى يصبح ممثلا للسيادة الوطنية العامة. وهذا يعني ان يقوم النائب بتنفيذ الارادة العامة وليس ارادة المجاميع التي اوصلته الى قبة الجهاز التشريعي للدولة. وتعتبر الوكالة التمثيلية الاكثر انتشارا في الوقت الراهن حيث تضمنتها الكثير من دساتير الدول الديموقراطية (المادة 27 من الدستور الفرنسي والمادة 67 من الدستور الايطالي والفقرة 2 من المادة 67 من الدستور الاسباني والفقرة 1 من المادة 38 من دستور المانيا الفيدرالية….الخ). اما التفويض المشروط (او الالزامي كما يطلق عليه بعض الحقوقيين العرب), فيعني ان ارادة النائب تكون مرتبطة بارادة ناخبيه والذين بامكانهم الطلب الى برلمان الدولة اعتبار التفويض لاغيا, ما يعني اقالة العضو البرلماني. بالاضافة الى ذلك فان التفويض الالزامي يتيح للنائب الجمع بين الوظيفة البرلمانية ووظيفته الاساسية مما يفقد النائب صفة التفرغ مما يؤثر سلبا على انتاجية العمل في كلا المجالين. وما زال مبدأ التفويض الالزامي منتشرا في بلدان الحزب الواحد مثل كوبا والصين الشعبية وكوريا الشمالية وفيتنام….الخ. من هنا يبدو واضحا ان التفويض الحر اصبح من السمات الرئيسية للبرلمانات المنتخبة على اساس التعددية الحزبية. اما في العراق فيتضح من نص المادة (47) من الدستور ان المشرع العراقي قد اخذ بمبدأ الوكالة التمثيلية, حيث نصت الفقرة (اولا) من المادة الذكورة على انه ” يتكون مجلس النواب من عدد من الاعضاء بنسبة مقعد واحد لكل مائة الف نسمة من نفوس العراق يمثلون العراق باكمله……”. فيما منعت الفقرة (سادسا) من نفس المادة “الجمع بين عضوية مجلس النواب واي عمل او منصب رسمي آخر”. وبهذا الخصوص اجد مناسبا الاشارة الى ان قوة التمثيل على الاساس الطائفي يجعل من حصر النائب الاهتمام بشؤون منطقه طائفته (وهي منطقته الانتخابية في اغلب الاحيان) امرا واردا, وهذا ما بدى واضحا من الجلسات الاولى لمجلس النواب العراقي, حيث تلاشت القضايا الوطنية العامة في خظم الجدل حول الهموم الفئوية والطائفية الضيقة. وربما كان اعتماد نظام الدائرة الأنتخابية الواحدة عاملا بالغ الاهمية للتقليل من سلبيات التمثيل الطائفي المعمول به حاليا, ذلك ان اعتماد نظام الدوائر الانتخابية سيزيد من امكانية التخندق وراء المصالح المناطقية والجهوية واهمال المصلحة الوطنية العامة. في ذات السياق اجد لزاما التأكيد على ان اعتماد مبدأ التفويض الحر لا يعني القطيعة بين النائب البرلماني وناخبيه, او التقليل من الاهتمام بمصالح دائرته الانتخابية والدفاع عنها, ذلك ان ليس هنالك من تشريع يمنع عضو البرلمان من التواصل مع ناخبيه والسماع الى قضاياهم وتبنيها امام اجهزة الدولة المختلفة, سواءا تم ذلك بشكل فردي ومباشر او من خلال فعاليات الناخبين المختلفة ومنظمات الحزب الذي ينتمي اليه النائب.
ان واحدا من العناصر الهامة المؤلفة لوضعية النائب القانونية هو حزمة الحقوق والامتيازات الممنوحة لعضو البرلمان, وربما كان مبدأ الحصانة الأهم من بين جميع امتيازاته الاخرى. ويذهب فقهاء القانون الدستوري الى تعريف الحصانة على انها مجموعة الضمانات الدستورية التي تؤمن الحد المناسب من الاستقلالية والحرية في اداء مهامه النيابية, بالاضافة الى الحماية من المسؤولية القانونية اثناء المناقشة والتصويت وابداء الرأي حول مختلف المسائل المثارة تحت قبة البرلمان. بالاضافة الى تحريم احتجاز او اعتقال النائب البرلماني دون اذن مسبق من رئاسة الجهاز التشريعي. ومع ان اغلب التشريعات ذهبت الى منح اعضاء البرلمان الحصانة البرلمانية, الأ انها اختلفت في تحديد دائرة سريان تلك الحصانة وكيفية تأمينها. ويجمع الكثير من الحقوقيين على ان بريطانيا كانت السباقة الى شرعنة مبدأ اللامسؤولية عن ابداء الرأي داخل البرلماني, حيث اكدت لائحة الحقوق الصادرة في العام 1689 على عدم جواز تحريك الدعوى القضائية ضد النائب استنادا الى خطابه داخل البرلمان. ويحرم الدستور الامريكي استجواب عضو الكونغرس عن ابداء ارائه سواءا داخل البرلمان او في اي مكان آخر (الفصل السادس من المادة الاولى للدستور), وكان الدستور الفرنسي لعام 1958 اكثر تفصيلا فيما يخص الحصانة البرلمانية حيث نصت المادة (26) منه على ان ” لا يجوز تعرض عضو البرلمان للملاحقة والتفتيش والاعتقال او المحاكمة بسبب التصويت وابداء اراءه اثناء القيام بمهامه البرلمانية”. ولم يخل الدستور العراقي الجديد عن مبدأ اللامسؤولية حيث اكدت المادة (60 – اولا – أ) على ان “يتمتع عضو مجلس النواب بالحصانة عما يدلي به من اراء في اثناء دورة الانعقاد ولا يتعرض للمقاضاة امام المحاكم بشأن ذلك”. فيما ذهبت الفقرة (ب) من نفس المادة الى تثبيت مبدأ الحصانة الشخصية حيث نصت على عدم جواز ” القاء القبض على العضو خلال مدة الفصل التشريعي الأ اذا كان متهما بجناية, وبموافقة الاعضاء بالاغلبية المطلقة على رفع الحصانة عنه او اذا ضبط متلبسا بالجرم المشهود في الجناية”. وفي الوقت الذي ذهبت فيه الكثير من الدول البرلمانية الى اعتماد مبدأ الحصانة النسبية , اي حصرها في فترة انعقاد الفصل التشريعي, يتبنى المشرع الدستور العراقي مبدأ الحصانة المطلقة حيث تؤكد الفقرة (ج) من المادة (60) الانفة الذكر على ان ” لا يجوز القاء القبض على العضو خارج مدة الفصل التشريعي الا اذا كان متهما بجناية, وبموافقة رئيس مجلس النواب على رفع الحصانة عنه, واذا ضبط متلبسا بالجرم المشهود في جناية”.
ان ضمان استقلالية النائب البرلماني عن السلطة التنفيذية و عن محاور صراع المصالح المختلفة (بما في ذلك الخارجية منها) لا يتم من خلال منحه الحصانة النيابية فحسب, وانما بتأمين استقلاله المادي ايضا. من هنا ذهبت الكثير من الدساتير الى تحديد مكافأة مادية مجزية (اسبانيا, الولايات المتحدة الامريكية, المانيا الفيدرالية, مصر العربية, الجمهورية اللبنانية ………الخ). وفي الوقت الذي ذهب البعض منها الى تحريم التلاعب بمقدار تلك المكافأة طيلة فترة صلاحية البرلمان (التعديل 27 من الدستور الامريكي), ارتأت اخرى ان يسن مقدار المكافأة بقانون (المادة 91 من الدستور المصري والمادة 60 – أولا- من الدستور العراقي), لكن المتعارف عليه ان تتم معادلة حجم المكافأة مع الراتب المخصص لعضو الحكومة (النمسا), او كبار موظفي الدولة (فرنسا). ويبدو حجم المكافأة كبيرا جدا اذا ما اضيفت اليها المبالغ المخصصة لادارة مكتب النائب ورواتب مساعديه (وحمايته الخاصة في الحالة العراقية), وتكاليف اقامة نواب الدوائر البعيدة عن العاصمة, بالاضافة الى تكاليف الايفادات…الخ. واذا كانت اغلب التشريعات قد حرَمت الجمع بين العمل النيابي والاعمال الاخرى, فانها (التشريعات) استثنت العمل الفكري والادبي وكذلك التعليمي من هذا المنع, ما يشكل لعضو البرلمان مصدرا ماديا اضافيا. مقابل تلك الامتيازات تتضمن التشريعات جملة من الالتزامات التي ينبغي على عضو البرلمان القيام بها, يقف في المقدمة منها التزام النائب بحضور جلسات البرلمان والمشاركة في النقاش والتصويت والالتزام بقواعد العمل البرلماني…الخ. ولا تخلو الانظمة الداخلية للبرلمانات من اجراءات انضباطية اذا ما خرق النائب التزاماته الاساسية, وربما كان حرمان عضو البرلمان من النقاش لفترة محددة الاكثر انتشارا من بين تلك الاجراءات, وفي بعض الاحيان قد تصل الى حد الاعفاء المؤقت من مهامه النيابية (بريطانيا وفرنسا).
ان واحدة من المسائل التي استأثرت باهتمام كبير من قبل فقهاء القانون الدستوري و المشرعين هي حجم الصلاحيات والاختصاصات الموكلة للعضو البرلماني او لمجموعة من البرلمانيين. ولأن الموضوع على قدر كبير من الاهمية نأمل ان نفرد له مقالة خاصة في القريب المنظور.
عند الحديث عن الوضعية القانونية لعضو البرلمان ارى مناسبا الاشارة الى موضوعة انتهاء التفويض النيابي, حيث عرف التراث البرلماني للدوّل الديمقراطية اساليب مختلفة لأنهاء النيابة البرلمانية, وقد كان من بين اكثرها انتشارا اسلوب الفصل استنادا الى حكم قضائي بحق النائب نتيجة لأرتكابة الجرم المشهود او الاساءة واظهار عدم الاحترام الواضح للبرلمان (الهند), وكذلك التخلف عن جلسات البرلمان لفترة معينة بدون موافقة هيئة رئاسة البرلمان (النمسا). على انه لابد من الاشارة هنا الى ان السلطة المخولة بانهاء نيابة العضو البرلماني اما ان تكون البرلمان ذاته من خلال التصويت, او ان يتخذ القراربالفصل من قبل المحكمة الدستورية بناءا على توصية رئيس الجمهورية (النمسا). وقد منح التشريع الالماني عضو البندوستاغ المُقال امكانية الاعتراض على قرار البرلمان لدى المحكمة الدستورية الفيدرالية. وقد ذهبت اغلب التشريعات الى منح العضو البرلماني الحق بالاستقالة الطوعية من جهاز الدولة التشريعي, سواءا كانت تلك الاستقالة لاسباب شخصية او بسبب الانتقال الى عمل آخر لا يمكن الجمع بينه وبين الوظيفة البرلمانية. ذلك ان الجمع بين الوظيفة البرلمانية وممارسة الأعمال الحرة او بشغل مناصب حكومية اخرى قد يفقد النيابة البرلمانية واحدا من اهم خصائصها, ألأ وهي صفة التخصص.
انني ارى ان تفعيل الجوانب الاجرائية في النظام الداخلي لمجلس النواب العراقي وايفاء اعضاء المجلس التشريعي لدولتنا بوعودهم الانتخابية سيكون حافزا ليس لتنشيط دور البرلمان في العملية السياسية فحسب, وانما لتعزيز ثقة الناخب العراقي بممثليه أيضا…. #

# عن الحوار المتمدن….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى