الفكر السياسي

نظرة قانونية: مبادئ الدستور

نظرة قانونية: مبادئ الدستور

فلاح اسماعيل حاجم

2005 / 9 / 13

مواضيع وابحاث سياسية

 

 

يدور الحديث هذه الايام وعلى نطاق واسع حول مشروع الدستور الدائم للدولة العراقية والذي تمخض عن عمل اللجنة الدستورية التي تم تشكيلها اثر مخاض عسير والتي كانت وليدة المزاوجة بين الاستحقاق الانتخابي والمحاصصه الطائفية مما بات يؤثر سلباً ليس فقط على عمل تلك اللجنة، وانما على مجمل العملية السياسية في بلادنا، ذلك ان الارتهان الى مواقف القوى السياسية ذات الاغلبية البرلمانية وبرامجها (وهي مؤقتة بطبيعة الحال) سيؤدي الى ولادة وثيقة هي الاقرب الى الوثيقة البرنامجية منه الى دستور دائم لشعب يتوق الى التأسيس لدولة الحق والمؤسسات. ان قراءة سريعة لما رشح عن اللجنة الدستورية وما تسرب من فصول مشروع الدستور المرتقب تجعلنا نقف امام وثيقة هي ابعد ما تكون عن القانون الاساسي بالمعنى المتعارف عليه في علم القانون الدستوري. وان اكثر ما يمكن ملاحظته في هذه الوثيقة هو هذا المزج غير المتجانس بين القواعد المأخوذة عن دساتير لانظمة مختلفة مع محاولة فاشلة لاعطائها صبغة وطنية، مما نتج عنه مجموعة من القواعد التي يصعب تسميتها بالقانونية ذلك انها تعبير جلي عن مساومة سياسية بالغة الصعوبة والتعقيد.

ان واحدة من المعضلات التي تواجه القائمين على صياغة الدستور (اي دستور) هي معالجة اشكالية التوفيق بين الثابت والمتغيّر في القواعد الدستورية. فقانون الدولة الاساسي باعتباره تعبيراً عن مصالح الطبقات الاجتماعية ممثلة بقواها السياسية لابد وان يكون نتاجاً للمساومة السياسية بين تلك القوى. فيما تشذ دساتير الانقلابات العسكرية والانظمة الشمولية عن هذه القاعدة ذلك ان منزلة القواعد المثبتة في تلك الدساتير تتدنى الى الدرجة التي تصبح فيها مجرد ديباجة لقرارات ولوائح اجهزة الدولة المختلفة والتنفيذية منها على وجه الخصوص. وهنا تجدر الاشارة الى ان احالة العلاقات التي يدخل تنظيمها في صلب اختصاص قواعد القانون الفرعي ( التشريع العادي) الى القانون الاساسي سيؤدي بالضرورة الى منح تلك القواعد صفة المرونة، بمعنى ان تكون امكانية تعديلها او الغائها واردة وبسيطة، وهذا ما لا يتناسب مع واحدة من اهم سمات الدستور المعاصر ألا وهي سمة الجمود و الديمومة. من هنا برزت الضرورة الى صياغة المبادئ الدستورية والتي تؤلف بمجموعها الاسس اللازمة لقيام البناء الدستوري المتين للدولة. الأ انه ينبغي التذكير بان تثبيت المبادئ الدستورية في القانون الاساسي للدولة لا يعني الالتزام بها او تطبيقها, ذلك ان مسألة الالتزام بالمبادئ المثبتة في دستور الدولة ترتبط ؛ قبل كل شئ؛ بنوع الحكومة واهلية النظام السياسي السائد. حتى انه يتعذر العثور على دستور؛ وخصوصا من بين دساتير الجيل الثاني؛ خال من المبادئ الدستورية الاساسية. وفي جميع الاحوال فان تضمين الدستور لتلك المبادئ يمتلك اهمية استثنائية سوءا من الناحية الشكلية (القانونية) او من الناحيتين الايديولوجية والسياسية ناهيك عن تأثير تلك المبادئ المباشر على كيفية تنظيم العلاقات الاجتماعية. بالاضافة الى ذلك فان تلك المبادئ تلعب دورا بالغ الاهمية في تسهيل مهمة الرقابة سواءا على دستورية القوانين واللوائح المسنة من قبل اجهزة الدولة المختلفة او على انشطة تلك الاجهزة. وسيكون من المفيد الاشارة بهذا الخصوص الى ان تجربة اجهزة الرقابة الدستورية للكثير من البلدان تؤكد على ان تحديد دستورية او عدم دستورية اللوائح القانونية وكذلك تفسيرها (اللوائح) يتم؛ في اغلب الاحيان؛ بالرجوع الى المبادي الدستورية. ان تشعب المبادئ الدستورية واختلاف مواضيعها دفع الكثير من المفكرين والحقوقيين الى تصنيفها على اساس نوع العلاقات التي تقوم تلك المبادي بتنظيمها. فقد ذهب الكثيرون الى تصنيفها الى مبادئ عامة واخرى خاصة. فاذا كانت المبادئ العامة تشكل ما توصلت اليه الحضارة الانسانية حتى نهايات القرن العشرين وما بات يشكل قاسما مشتركة لكافة البلدان والشعوب بغض النظر عن الانتماء العرقي والطائفي والديني والقومي ……الخ؛ تعكس مجموعة المبادئ الخاصة خصوصة التطور السيا- قانوني لمجموعة محددة من الدوّل. على انه اجد لزاما الاشارة بهذا الخصوص الى ان البعض من الحقوقيين والسياسيين ذهب الى التشكيك بعمومية (شمولية) المبادئ الدستورية الديمقراطية معتبرا اياها نتاجا للحضارة الغربية ومنافية لقيم وتقاليد وثقافة الشعوب وتهديدا (لثوابتها) القومية والدينية.

ان استعراضا سريعا لتأريخ التطور الدستوري للحضارة الانسانية سيبين دون ادنى شك بان جملة من الثوابت باتت تشكل قواسم مشتركة بين الامم والشعوب وهي ما اصبحت نشكل المبادئ الاساسية لدساتير الديمقراطيات الحقيقية, وان القول بوجود مبادئ بديلة تتماشى مع ثوابت الامة وقيمها ما هو الا محاولة لتبرير التجاوز على تلك المبادئ وشرعنة تجاوزات انظمة الحكم الشمولية وتبرير بقائها. فحقوق الافراد وحرياتهم الاساسية,على سبيل المثال لا الحصر, لا يمكنها ان تكون سوداء او بيضاء, اسلامية او افريقية, عربية او اوربية. وان التجاوز على تلك الحقوق وخرقها يعتبر خرقا للقانون الدولي الانساني والذي تشكل قواعده الحصيلة الاسمى للتراث البشري.

ان تحليلا لمبادئ الدستور الاساسية والتي توصل اليها الفكر الحقوقي الانساني سيوضح لنا بجلاء بانها (المبادئ) تشكل العنصر الاكثر اهمية في دستور الدولة ذلك ان غيابها سيؤدي الى الاخلال بكامل النسيج الحقوقي للدولة والمجتمع.

ان واحدا من بين مبادئ الدستور الاساسية هو دولة الحق (او دولة القانون) والذي ظهر لأول مرة في المادة السادسة عشرة في لائحة حقوق الانسان لعام 1789 والذي اصبح فيما بعد من المبادئ الاساسية لدساتير الديمقراطيات الحقيقية سواءا تمت الاشارة اليه صراحة ام من خلال تضمينه للتشريع الفرعي. على انه لابد من الاشارة هنا الى ان الكثير من الدساتير المعاصرة ضمّنت هذا المبدأ في القواعد- الاهداف, اي احالت امكانية تطبيقه الى اوقات لاحقه. أما مبدأ سيادة الشعب, والذي يعني ان السلطات العامة تنبع من الشعب وانها تستمد شرعيتها منه وذلك من خلال اختياره لتلك السلطات او الاسهام في تنفيذ وضائفها من خلال ممثليه, فقد وجد تجلياته ليس في دساتير الدول ذات النظم الجمهورية فقط, وانما في اغلب دساتير الدول الملكية ايضا (بلجيكا, اسبانيا, المغرب, اليابان, كومبوديا؛ النيبال….وغيرها). على انه لابد من الاشارة , ونحن في معرض الحديث عن مبدأ سيادة الشعب, او السلطة الشعبية , كما تشير بعض الدساتير, الى ان الكثير من بلدان الديمقراطية الحقيقية وضعت هذا المبدأ تحت حماية دستورية استثنائية وذلك من خلال التحريم الصريح للاستحواذ على السلطة سواءا من قبل الاشخاص أوالمجموعات (روسيا وارمينيا وملدوفا) و احتكارالسيادة (فرنسا وبلغاريا واغلب المستعمرات الفرنسية السابقة). او من خلال تثبيت حق الشعب في مقاومة واسقاط السلطات التي لا تمتلك الشرعية (لائحة الاستقلال الامريكية والفقرة الرابعة من المادة العشرين من الدستور الالماني لعام 1949 ودساتير كل من غانا ونيجيريا وبنين وبوركينا فاسو وهنغاريا وجمهورية الجيك ). عند الحديث عن المبادئ الدستورية لابد من الاشارة الى ان ثمة مبادئ قد ظهرت مؤخرا ولم تكن معروفة سابقا في التراث الدستوري للكثير من البلدان النامية وتلك التي نشأت على انقاض بلدان المنظومة الاشتراكية ومن بين تلك المبادئ ,على سبيل المثال, مبدأ اقنصاد السوق الموجه, ومبدأ التعددية السياسية والايديولوجيه, ومبدأ التكافل الاجتماعي, ومبدأ العدالة الاجتماعية …..وغيرها. مما اصبح يشكل موضوعا خصبا للجدل بين السياسيين والحقوقيين على اختلاف مشاربهم. ربما يبدو الحديث عن المبادئ الدستورية غريبا دون تناول تلك المبادئ والتي بات وجودها يشكل العمود الفقري لأي بناء دستوري ديمقراطي معاصر,ومنها مبدأ الفصل بين السلطات ومبدأ سيادة القانون, لكني وجدت ان دولة الحق ومبدأ السيادة الشعبية الذين مر تناولهما اعلاه لا يمكن ان يستقيما دون الفصل بين السلطات وسيادة القانون.

اما المجموعة الثانية فتلك التي تتشكل مما يمكن ان نطلق عليه المبادئ الخاصة, اي تلك التي تضمنتها دساتير وتشريعات مجموعات من الدوّل تبدو متشابهة فيما بينها سواءا من ناحية شكل الحكم او النظام السياسي القائم. فمن بين المبادئ الاساسية لدستور الدولة الاشتراكية وتلك التي (تتلبس بلباسها) هي الدور القيادي للحزب الواحد, وسيادة الملكية الاجتماعية, ووحدة السلطة ومبدأ المركزية الديمقراطية….. وغيرها.وتشكل المبادئ الخاصة ركنا مهما من دساتير البلدان النامية فمبدأ القومية ؛على سبيل المثال, وجد انعكاسه في الكثير من دساتير تلك البلدان (ديباجة دستور اندينوسيا و والمادة السادسة من دستور بنغلادش) فيما يبدو الانتماء القومي مبدأً مميزا لغالبية الدساتير العربية (المادة الاولى من الدستور الكويتي, ومثيلتها في دستورجمهورية مصر العربية ودستورالمملكة الاردنية الهاشمية ودستور مملكة البحرين,والمادة الثانية من دستور الجمهورية العربية السورية, والمادة السادسة من دستور الامارات العربية المتحدة…..الخ). ولا اجد ان هنالك ضرورة للتذكير بأن تثبيت المبادئ في القواعد الدستورية سيؤثر بشكل مباشر على جوهر القواعد الدستورية المنظمة للعلاقات الاقتصادية والسياسية والايديولوجية. واجد لزاما بهذا الخصوص التأكيد على ان وجود القواعد في دستور الدولة لا يعني امكانية تنظيمها للعلاقات الاجتماعية مارة الذكر ذلك ان اغلب تلك القواعد تندرج تحت ما يمكن ان نطلق عليه القواعد الميّته, بمعنى ان هناك هوة كبيرة بين القاعدة (الشكل) والعلاقات الاجتماعية, موضوعة التنظيم (الجوهر). من هنا ذهب البعض من علماء القانونة الدستوري الى تصنيف الدساتير الى دساتير فعلية واخرى شكلية. ففي حين تشكل الاولى اسا س البناء في دولة الديمقراطية المتأصلة, يكون الدستور الشكلي من مميزات المنظومة الحقوقية للغالبية العظمى من بلدان العالم الثالث, وخصوصا الشرق اوسطية منها. انني ارى ان الدستور الدائم للدولة باعتباره حصيلة المساومة السياسية بين القوى الاساسية الفاعلة في المجتمع والذي سيتحوّل الى وثيقة قانونية ملزمة للجميع حال استفتاء الشعب عليه, ينبغي ان يؤسس لسلطة الجميع, وان اغراقه ببرامج احزاب كاتبيه سيلغي صفة الديمومة. وهي الاهم في االتجربة العراقية للاصلاح السياسي…    #

 

#.   عن الحوار المتمدن….

 

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى