الفكر السياسي

نظرة قانونيــة: المعالجــة القانونيــة لمسؤوليــة الجهاز التنفيذي للدولــة

نظرة قانونيــة: المعالجــة القانونيــة لمسؤوليــة الجهاز التنفيذي للدولــة

د. فلاح اسماعيل حاجم

2005 / 4 / 13
مواضيع وابحاث سياسية

بدءاً لابد من الاشارة الى اني اتعمد استخدام عبارة الجهاز التنفيذي للدولة بدلاً من مصطلح الحكومة؛ ذلك ان الانظمة الشمولية والدكتاتورية والتي عاشت شعوبنا في ظلها لسنين طويلة سعت (وما تزال تسعى في اغلب بلدان المشرق العربي) الى تجريد الدولة ككيان سيا- حقوقي من عناصرها الاساسية وهي الارض والسكان والسلطة العامة واختزالها في واحدة من اكثر السلطات استساغة للقمع واستعداداً لانتهاجه كاسلوب لادارة الدولة؛ اي السلطة التنفيذية. فليس غريبا ان تجد الكثير من القادة السياسيين في بلداننا يستخدمون مصطلحي الدولة والحكومة كمترادفين؛ مما يؤكد على الاثار السلبية لتأصل الفكر الشمولي في وعي المواطن وغياب الثقافة الحقوقية ليس لدى المواطن البسيط فحسب بل ولدى البعض من اصحاب القرار ايضاً. لقد كان موضوع مسؤولية الجهاز التنفيذي للدولة واحدة من القضايا التي اثارت ولا تزال تثير جدلاً كبيراً وسط الحقوقيين والسياسيين والمهتمين بشأن الدولة والقانون بشكل عام؛ وتتأتى الاهمية الاستثنائية لهذه المسألة ليس فقط لانها تمس واحدة من سلطات الدولة الثلاث؛ بل ولأن لها تأثير مباشر على معالجة الحقوق والحريات الاساسية لمواطني الدولة ومدى صيانتها (الحقوق) من تعسف السلطة التنفيذية؛ ذلك ان تلك السلطة ممثلة باجهزتها المختلفة (الشرطة والجيش وقوى الامن والمخابرات…الخ) هي اكثر السلطات قرباً واحتكاكاً بالمواطن. وتكتسب موضوعة مسؤولية الحكومة اهمية استثنائية في الوضع العراقي الراهن حيث السقوط السريع للنظام الشمولي البعثي وغياب البرنامج الواضح (انذاك) لدى القوى الوطنية عن كيفية التعامل مع الوضع الطارئ بالاضافة الى الاجندة الخاصة للاحتلال حول البديل الذي يراد تأسيسه لعراق ما بعد النظام التوتاليتاري؛ كل ذلك جعل من امراض معروفة مثل الفساد الاداري والمحسوبية وجرائم مثل الرشوة وهدر المال العام وغيرها امراً ليس محتملاً فحسب بل واكيد الحصول لا سيما في بلد كانت الجريمة تشكل احد اركانه الاساسية. من هنا تأتي اهمية الدراسة الشاملة والبدء بسن التشريعات اللازمة لتحديد مسؤولية الحكومة العراقية عن المخالفات القانونية والجرائم بانواعها المختلفة سواءاً الفردية منها او تلك التي يمكن ان ترتكب بشكل جماعي؛ على انه لابد من الاشارة هنا الى ان نوع الحكومة (مؤقتة كانت ام انتقالية او دائمة) لا يمكن ان يؤثر على حجم المسؤولية ونوعها ذلك ان مقدار المسؤولية وحجمها لا يرتبط بنوع الحكومة بقدر ارتباطه بمقدار الضرر الاجتماعي الناتج عن المخالفات والخروقات او الجرائم التي ترتكب من قبل الحكومة واعضائها؛ حتى انه يمكننا القول بان اعضاء الحكومة المؤقتة والانتقالية يتحملون مسؤولية اكبر ؛على الاقل من الناحية الاخلاقية؛ ذلك ان استغلال الظرف الاستثنائي لارتكاب مخالفات تضر بمصلحة البلاد يعد امراً منافيا لابسط الاخلاق السياسية ناهيك عن مخالفته للتعاليم الدينية والعرف العشائري السائد.
لقد تناول علم القانون الدستوري وباسهاب كبير موضوعة مسؤولية الحكومة حيث ذهب اغلب المختصين الى اعتبار جماعية المسؤولية ومبدأ التضامن من المميزات الاساسية للحكومة في الدول التي اتخذت من البرلمانية شكلا للحكم (اسرائيل؛ ملدافيا؛ اليونان؛ تركيا…وغيرها) وتعني المسوؤلية الجماعية ان يتحمل اعضاء الحكومة مسؤولية جماعية امام الجهاز التشريعي للدولة (البرلمان) بغض النظر عن اختلاف مواقفهم الشخصية داخل الحكومة عند اتخاذ القرارات؛ مما يعني اعفاء اعضاء الحكومة من مناصبهم في حال عدم نيلهم لثقة البرلمان او سحبها (الثقة) من الحكومة. وتبدو الصورة مختلفة بعض الشئ في الجمهوريات النصف رئاسية (فرنسا؛ سريلانكا؛ اوكرايينا …وغيرها)؛ حيث يعتبر موقف رئيس الدولة الفيصل في حسم قضية المسؤولية الجماعية للحكومة. الا ان بعض الدول ذهبت في تحديد مسؤولية الحكومة الى المزاوجة بين مبدأي جماعية المسؤولية وفرديّتها حيث اجازت تشريعاتها اقالة اعضاء الحكومة بصورة فردية شريطة صدور قرارين عن البرلمان ورئيس الحكومة بسحب الثقة عن الوزير المعني (غواتيمالا؛ اليونان؛ كوستاريكا؛ كولومبيا؛ فنلندا ….وغيرها). ويبدو ان المشرع العراقي ذهب الى الاخذ بمبدأ المزاوجة بين المبدأين ايضاً حيث نصت الفقرة (أ) من المادة الاربعين على ان “يكون رئيس الوزراء والوزراء مسؤولين امام الجمعية الوطنية؛ ولهذه الجمعية الحق بسحب الثقة سواء من رئيس الوزراء او الوزراء مجتمعين او منفردين…..”.
ونظرت التشريعات ايضاً في امكانية احالة اعضاء الجهاز التنفيذي للدولة الى المسائلة القضائية بطلب من البرلمان (فرنسا؛ فنلندا؛ رومانيا؛ تايلند…الخ). وان اختلفت في تحديد الجهة المخولة بالنظر في قضايا اعضاء الحكومة. فقد احالتها بعض التشريعات الى احد مجلسي البرلمان (الولايات المتحدة الامريكية)؛ واعتبرتها اخرى من اختصاص المحكمة الدستورية (المانيا وايطاليا)؛ فيما اوكلت الكثير من التشريعات مهمة التحقق والمقاضاة لجهاز قضائي خاص مثل المجلس الاعلى للقضاء (فرنسا؛ الغابون؛ المغرب؛ وبعض المستعمرات الفرنسية السابقة في القارة الافريقية).اما في العراق فقد منح قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية الجمعية الوطنية حق “استجواب المسؤولين التنفيذيين؛ بمن فيهم اعضاء مجلس الرئاسة ومجلس الوزراء وبضمنهم رئيس الوزراء وأي مسؤول اخر اقل رتبة بالسلطة التنفيذية؛ ويشمل هذا الحق التحقيق وطلب المعلومات واصدار الاوامر بحضور اشخاص للمثول امامها.” ( الفقرة ز من المادة الثالثة والثلاثين ومشروع النظام الداخلي للجمعية الوطنية).
اما مبدأ التضامن فيعني ان يتحمل اعضاء الحكومة مسؤولية تضامنية عن اتخاذ القرارات وتنفيذ خطط وبرامج الحكومة حتى وان اختلف بعض اعضائها مع تلك القرارات؛ حيث تضع اغلب التشريعات اؤلئك الاعضاء امام خيارين وهما الاستقالة من الحكومة او التنفيذ الحرفي لقراراتها؛ فيما تحرم غالبية تلك التشريعات على الوزراء التشهير علنا بالحكومة خلال فترة تواجدهم في صفوفها. ولم ترد اية اشارة في قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية لهذه المسألة مما افسح المجال؛ كما نعتقد؛ لبروز ضاهرة فوضى التصريحات لدى اعضاء الحكومة المؤقتة المستقيلة.
عند الحديث عن مسؤولية الحكومة لابد من الاشارة الى ان ثمة اجماع لدى علماء القانون الدستوري حول تمييز اربعة اشكال من المسؤولية تقف في المقدمة منها المسؤولية السياسية والتي تعتبر الاكثر انتشاراً؛ حيث تكون الحكومة مجتمعة او اعضائها منفردين مسؤولين اما امام البرلمان؛ او امام رئيس الدولة؛ وحتى امام رئيس الحكومة ذاته. وتتجلى المسؤولية السياسية امام البرلمان بسحب الثقة من الحكومة او احد اعضائها؛ ما يعني الاستقالة الجماعية او الفردية. وقد ذهبت اغلب الدساتير الى اعتبار الحكومة مسؤولة سياسيا امام المجلس السفلي للبرلمان؛ فيما انفرد الدستور الايطالي باعتبارها مسؤولة امام مجلسي البرلمان. اما مسؤولية الحكومة امام رئيس الدولة فقد وجدت تجلياتها في الجمهوريات الرئاسية ونصف الرئاسية؛ حيث يقوم رئيس الدولة باقالة عضو الحكومة في حال قيام الاخير بخطوات مخالفة للبرنامج السياسي للرئيس. وكان هذا النوع من المسؤولية الاكثر انتشاراً في الجمهوريات الرئاسية ونصف الرئاسية التي قامت على انقاض الاتحاد السوفيتي. وليس غريبا على التشريعات الدستورية منح رئيس الجهاز التنفيذي للدولة (رئيس الوزراء) حق الطلب الى اعضاء حكومته تقديم استقالاتهم (فرادى او مجتمعين) ؛ وقد وجد هذا النوع تطبيقاته في الدول البرلمانية؛ الجمهورية منها والملكية (المملكة المتحدة؛ اليابان؛ ايطاليا؛ الهند…الخ) فيما اشترطت تشريعات الجمهوريات النصف رئاسية موافقة رئيس الجمهورية على قرار رئيس الحكومة اقالة احد وزرائه؛ ذلك ان كليهما يشتركان في تعيين الوزراء.
الشكل الآخر من المسؤولية؛ والذي وجد اهتماما كبيرا لدى الحقوقيين والمختصين بشأن الدولة والقانون هو المسؤولية الجنائية لاعضاء الجهاز التنفيذي حيث يتحمل عضو الحكومة ورئيسها وحتى رئيس الدولة مسؤولية جنائية جراء ارتكابه افعال يصنفها القانون الجنائي للدولة على انها جرائم. وبهذا الخصوص لابد من الاشارة الى ان اغلب الفقهاء ذهبوا الى اعتبار المسؤولية الجنائية ذات طابع فردي؛ مع ان التأريخ عرف حكومات بكاملها قامت؛وبشكل منهجي؛ بارتكاب جرائم تدرجها قواعد القانون الدولي والمحلي على انها جرائم ابادة جماعية؛ الا ان ذلك لا يلغي بأي حال المبدأ القانوني القائل بفردية العقوبة الجنائية. وما زلنا بصدد الحديث عن المسؤولية الجنائية اجد مناسباً الاشارة الى ان اكثر الجرائم انتشاراً في اوساط الوزراء وحتى رؤساء الدولّ هي جريمة الاختلاس والرشوة وهدر المال العام؛ حيث شهدت السنوات العشر الاخيرة من القرن الماضي موجة من المحاكمات لمسؤولين اتهموا بارتكاب جرائم رشوة واختلاس من بينهم ؛على سبيل المثال؛ رئيس كوريا الجنوبية ونائبه ورئيس البرازيل ورئيس وزراء اليابان وآخرون. اما المسؤولية المدنية والتي يطلق عليها احيانا المسؤولية المادية فتتجلى في الدعاوى المقدمة من المواطنين المتضررين ماديا بسبب التنفيذ الخاطئ من قبل الحكومة للتشريعات السارية؛ اذ يترتب على الحكومة او اعضائها منفردين ازالة الضرر الناتج او تعويض المتضررين جراء اخطاء الحكومة.
من المسؤوليات البسيطة والواسعة الانتشار ايضا المسؤولية الادارية لاعضاء الحكومة والاجهزة التنفيذية التابعة لها. ويسري هذا النوع من المسؤوليات على الوزراء مثلما يسري على رئيسهم ورأس الهرم في الدولة (الرئيس) في حالة مخالفتهم للانظمة الداخلية والتعليمات الخاصة بتنظيم العمل. وتتميز المسؤولية الادارية بفرديتها وبساطتها وبشكلية العقوبة عليها (تنبيه؛ تحذير؛ توبيخ…الخ). وما يميز المسؤولية الادارية ايضا ً هو تنظيمها من قبل تشريعات العمل السارية. انني ارى ان جهداً كبيراً ينتظر المشرع العراقي لصياغة تشريع عصري يكفل تحديداً دقيقاً لمسؤوليات الجهاز التنفيذي للدولة العراقية مع التأكيد على ان الخروقات القانونية؛ التي يرقى بعضها الى مستوى الجرائم ؛ والتي يكون ضحيتها المواطن العراقي لا يمكن ان تسقط بالتقادم سيما ونحن بصدد التأسيس لدولة الحق والمؤسسات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى