الفكر السياسي

نظــرة قانونيــة: الدستــور الدائــم ومهمــة الاصــلاح السياســي فــي العــراق

نظــرة قانونيــة: الدستــور الدائــم ومهمــة الاصــلاح السياســي فــي العــراق

د. فلاح اسماعيل حاجم

2005 / 4 / 23
مواضيع وابحاث سياسية

تثير التطورات السياسية الجارية في بلادنا في الوقت الراهن اهتماما متزايدا من قبل السياسيين والحقوقيين والمهتمين بالشأن العراقي بشكل عام؛ مما يؤكد الاهمية الاستثنائية التيتمتلكها التجربة العراقية في مجال الاصلاح السياسي والمخاطر التي تعتري هذه التجربة جراء الهجمة الارهابية الواسعة النطاق والهادفة بالدرجة الاولى الى اجهاض هذه التجربة والحوؤل دون امتداد تأثيرها الى دول الجوار الاقليمي والذي بدت تجلياته واضحة في التحركات الجنينية والضيقة النطاق في العديد من المناطق ذات الخصوصيات القومية والاثنية لتلك الدوّل. بالاضافة الى النشاط الملحوظ لمؤسسات المجتمع المدني ومنظمات الدفاع عن حقوق الانسان وازدياد وتيرة المطالبة الشعبية بضرورة البدء بالاصلاح السياسي واشاعة الديمقراطية الحقيقية من خلال تفعيل الحق الانتخابي وضمان المساواة بين المرأة والرجل في الحقوق السياسية. ووضع حد لاحتكار السلطة من قبل الحزب الواحد والفرد الواحد والغاء القيود الدستورية المكرسة لذلك. ويكتسب النقاش الدائر حول الدستور العراقي المرتقب اهمية كبيرة ذلك انه سيشكل الاساس الذي لا يمكن ان تستقيم بدونه دولة الحق والمؤسسات. على انه لابد من الاشارة هنا الى ان هنالك ثمة ارثٍ سيكون لزاماً على المشرع العراقي العودة اليه عند الاعداد لصياغة الدستور الدائم؛ حيث تظمن قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية جملة من المبادئ والاسس القانونية والتي يمكنها ان تكون مصدراً تشريعياً بالغ الاهمية. فقد اسس القانون المذكور (رغم نواقصه) لسابقة في ارساء الاساس القانوني لنمط جديد من العلاقات بين المواطن و الحاكم؛ علاقة تبدو غريبة على مجتماعاتنا التي تعود فيها المواطن ان يكون عنصراً سلبياً في منظومة شائكة من الروابط لم يعد فيها ذلك العنصر المصدر الاول للبناء الفوقي (السلطة) مع انه يمنح تلك السلطة ؛ رغما عنه ؛ مشروعية الاستمرار من خلال مبايعته الدورية لها؛ وطالما تمت تلك المبايعة ( الانتخاب!!!!!! ) باسلوب اقرب الى الهمجية منه الى الاساليب المعاصرة في التصويت؛ حيث يقوم الناخب بكتابة اسم المرشح ( الوحيد طبعا ) بدمه؛ تأكيدا على الحب و الولاء لهرم السلطة؛ فيما اخذت تلك الهيئة تنأى بنفسها بعيدا عن ناخبها واضعة امامه حواجز مستحيلة الاختراق من الاجهزة الامنية و الشعب الخاصة ولجان امن الدولة و المباحث والمنظات الحزبية و فرق الفدائيين و……الخ. و بالاضافة الى كون هذه الاجهزة غير منتجة اساسا ؛ فانها تشكل جيشا طفيليا يثقل كاهل خزينة الدولة ويعيق اقتصادها المنهك اساسا. وبهذا الخصوص لابد من الاشارة الى ان المشرع العراقي قام بخطوة بالغة الاهمية حين قرر في المادة الخامسة من قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية ان ” تخضع القوات المسلحة العراقية للسيطرة المدنية للحكومة الانتقالية…..” فيما حصر واجبات دائرة الاستخبارات ” بجمع المعلومات و تقييم التهديدات الموجهة للامن الوطني وتقديم المشورة للحكومة العراقية…” و اخضع المشرع نشاط هذه الأجهزة للسلطة التشريعية (الفقرة د من المادة الثالثة و الثلاثين) وهذه دون شك سابقة في تأريخ التشريع لجميع بلدان منطقة الشرق الاوسط و الكثير من البلدان النامية؛ حيث ذهبت تشريعات تلك الدوّل الى ربط مسائل الأمن و الاستخبارات بالقائد العام للقوات المسلحة؛اي رئيس الدولة. بالاضافة الى ذلك فقد سعى المشرع العراقي لاستبعاد اي تأثير للقوات المسلحة في رسم السياسة الداخلية و الخارجية للدولة؛ حيث نصت الفقرة ( ب ) من المادة الثامنة و العشرين على انه ” لا يجوز بأي حال من الاحوال ان يكون المنتسب للقوات المسلحة عضوا في الجمعية الوطنية؛ او وزيرا او عضوا في مجلس الرئاسة قبل مضي ثمانية عشر شهراً على استقالته من القوات المسلحة او احالته على التقاعد منها
(التأكيد لنا). وتجدر الاشارة هنا الى ان تأكيد الدستور العراقي المرتقب على ما ورد اعلاه الى جانب الفقرات ( أ- ب –ج ) من المادة السابعة و العشرين من قانون ادارة الدولة للفترة الانتقالية تكون الدولة العراقية قد وضعت الاساس لاستقرار الوضع السياسي مما يؤثر ايجابا على تفعيل عملية البناء و التنميةالاقتصادية.
ان واحدة من القضايا الجوهرية والتي كانت على الدوام في صلب موضوعة الاصلاح السياسي هي قضية حقوق الانسان وضمانات الدفاع عنها في العراق؛ تلك القضية التي لم تعد مسألة وطنية او اقليمية؛ بل امتلكت طابعا دوّليا و اصبحت سببا لاضفاء الشرعية على شن الحروب و اسقاط الانظمة السياسية (يوغسلافيا؛ افغانستان؛ العراق) مما دفع الكثير من الدوّل ؛ وحتى الملكيات المطلقة منها؛ بالتفكير جدياً في عواقب التغاضي عن معالجة قضايا حقوق الانسان وربما كان القيام باجراء الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية واقرار الحق الانتخابي للمرأة من قبل البرلمان الكويتي والغاء المادة المكرسة لانتخاب مرشح واحد في الدستور المصري مثالاً صارخاً لما ذهبنا اليه. لكنني اجد لزاما الاشارة هنا الى ان العراق كان سباقا بين دوّل المنطقة في تناول مسألة حقوق الانسان سواءآ فيما يخص المعالجة القانونية لها او اتخاذ الاجراآت العملية لتطبيقاتها. فمن ناحية المعالجة القانونية لهذه القضية افرد قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية مساحة واسعة للحقوق و الحريات الاساسية ( الباب الثاني من القانون : المواد من 10 الى 23 ) معتمداً في ذلك الى نظرية القانون الدستوري التي تصنف تلك الحقوق و الحريات الى شخصية و سياسية؛ حيث نصت موّاده على الحقوق الشخصية الاساسية كحرية التعليم وحرية العقيدة الدينية و العناية الصحية و الضمان الاجتماعي….الخ ؛ بالاضافة الى الحقوق السياسية مثل حرية الانتخاب و حرية الاجتماع السلمي وحرية تشكيل الاحزاب و الانظمام اليها و الانتماء الى الجمعيات… وغيرها من الحقوق. وهنا ارى من الضروري الاشارة الى اغفال القانون لمسألة تحريم نشاط الاحزاب و الجمعيات التي تدعو الى استخدام العنف كوسيلة لاستلام السلطة او تلك التي تقوم باثارة النزاعات على اسس قومية ودينية أومذهبية وطائفية. ويبدو من نص الفقرة (ج) من المادة الثالثة عشرة من قانون ادارة الدولة ان المشرع ارتأى تأجيل هذه المسألة الى السلطة التشريعية القادمة. في حين نرى ان تضمين الدستور الدائم لبلادنا قواعد من هذا النوع سيكون ذو اهمية قصوى لضمان مستقبل العملية السياسية وصمام امان للديمقراطية الوليدة. وما زلنا بصدد الحديث عن القواعد القانونية و دورها في تفعيل عملية الاصلاح؛ نرى من الضروري الاشارة الى ان الدساتير المختلفة تتضمن المزيد من تلك القواعد؛ الا ان المهم هنا ليس فقط وجود القاعدة في الدستور؛ بل وتوفير آليات تطبيقها. فنظرية القانون الدستوري تميّز بين القاعدة – المبدأ و القاعدة – الهدف؛ ففي حين تقوم الاولى بتنظيم علاقات اجتماعية موجودة فعلا وتطبيق برنامج محدد؛ تحيل الثانية مهمة التطبيق الى المستقبل. ويكمن هذا التصنيف في اساس التمييز بين الدستور في دولة القانون و دستور الدولة ذات النظام الشمولي( التوتاليتاري )؛ اذ يعج دستور الاخيرة بالقواعد – الاهداف؛ التي عادة ما يكون تنفيذها مؤجلاً. هذا من جهة ومن جهة اخرى فأن منزلة الدستور في المنظومة القانونية للدولة تلعب هي الاخرى دورا ليس بالقليل؛ ففي حين يحتل الدستور في دوّل الديمقراطيات الحقيقية المكان الاسمى في تلك المنظومة؛ تتدنى منزلته في دوّل الانظمة اللاديمقراطية الى مستوياتها الدنيا مما يفقده قوّته القانونية( وهي الاهم ).
عند الحديث عن الاصلاح بشكل عام و الاصلاح الجاري الآن في العراق على وجه الخصوص؛ لابد من الاشارة الى الجدل الدائر حاليا؛ ان على المستوى الرسمي او في اروّقة مؤسسات المجتمع المدني؛ حول معادلة العاملين الداخلي و الخارجي في موضوعة الاصلاح. ففي حين يرى البعض من الساسة و الباحثين ان هذه القضية تعتبر مسألة داخلية وان تناولها من قبل الدوّل الاجنبية يعتبر مساسا بالسيادة الوطنية و تدخل في الشؤن الداخلية للدوّل المستقلة؛ يرى يرى اخرون في مسألة الاصلاح عنصراً امميا؛ سيما في زمن العولمة حيث يتشابك الاممي بالوطني في مجالات كثيرة؛ ربما يكون من بين ابرزها مسألة حقوق الأنسان. فيما نرى نحن بأن الاصلاح الداخلي يعتبر مسألة في غاية الصعوبة؛ ان لم تكن مستيحلة؛ ذلك لأن مجرد البدء به يتطلب الغاءاً كاملاً لمنظومة معقدة من التشريعات و النظم القانونية وتغيير جذري لاجهزة الدولة ومؤسساتها المختلفة بما في ذلك اشكال الحكم و انظمته السياسية وربما تطلب الامر تغيير شكل الدولة المساحاتي ايضا؛ وخصوصا في الدوّل ذات التعددية القومية والدينية ذلك ان منح تلك المكونات الاستقلالية في معالجة القضايا ذات الطبيعة المحلية سيكون امراً لا مفر منه. وبهذا الخصوص لابد من التذكير بان انتقال الدوّل الاوربية من الحكم الوراثي المطلق الى تأسيس الجمهوريات و الملكيات البرلمانية مر (الانتقال) خلال بحار من الدماء فيما بات يعرف بالثورة الرأسمالية (او البرجوازية). وعليه فأن صندوق الاقتراع سيكون الاسلوب الوحيد والحل الامثلللكثير من المعضلات المرتبطة بمسألة الاصلاح السياسي. و ما يثير الدهشة حقا الموقف الغريب الذي اتخذه الكثير من المثقفين العرب من مسألة الاصلاح؛ حيث آثروا الوقوف مع اشد القوى ضلامية؛ وتحت شعرات قومية فضفاضة؛ مما يؤكد ما ذهبنا اليه من استحالة اية امكانية لاجراء اصلاح سياسي و اجتماعي حقيقي في ظل سيادة ثقافة الارهاب و العنف.

انني ارى ان عملية الاصلاح الجارية في بلادنا الان لم تبدأ بدخول القوات الامريكية الى العراق؛ كما يذهب البعض؛ بل يمكننا تلمس البدايات الاولى لهذه العملية في العمل المشترك للمعارضة العراقية ابان النظام البائد؛ وذلك من خلال ايجاد آليات و قواسم مشتركة بين الاحزاب و الحركات السياسية العراقية؛ الدينية منها و العلمانية؛ مما اوجد نوعا من الرؤى المشتركة و التفاعل المتبادل في الكثير من القضايا بما في ذلك مسألة الاصلاح. وتجلى ذلك في نهاية المطاف باتخاذ مواقف موحدة و التوقيع على قانون ادارة الدولة العراقية للفترة الانتقالية الذي يعتبر؛ كما نعتقد؛ عقدا دستوريا اكثر منه دستورا مؤقتا. بالاضافة الى ما تقدم نعتقد ان تأثيرا ليس بالقليل قامت به التجربة الكردستانية في العراق سواءا في مجال اشاعة الديمقراطية واشراك المواطنين في تشكيل اجهزة الدولة المنتخبة؛ او من خلال احتضان الفعاليات السياسية العراقية خلال اكثر من عقد من السنين لممارسة نشاطها السياسي ضد النظام البائد. وقد تجلى الاثر الايجابي للتجربة الكردستانية منذ الجلسة الاولى للجمعية الوطنية الانتقالية؛ حيث يقوم الاخوّة الاكراد بنقل تجربتهم الغنية في تفعيل العمل داخل البرلمان. لكن استبعاد العامل الخارجي في عملية الاصلاح سيكون نوعا من التجني على الواقع؛ فلولا اسقاط النظام الدكتاتوري من قبل قوات التحالف؛ و خصوصا الامريكية منها؛ لما كان بامكان العراقيين حتى مجرد البدء بمشروعهم الاصلاحي.
ان ما تم لحد الآن لم يكن سوى الخطوّة الاولى في طريق طويلة و مليئة بالمنعطفات الخطيرة؛ اذ ان هناك المزيد من المهمات التي يترتب على السلطات العراقية الوليدة ومؤسسات المجتمع المدني القيام بها؛ و تقف في مقدمة تلك المهمات: احلال الأمن واعداد مسوّدة الدستور الدائم لأستفتاء الشعب عليه و اجراء الانتخابات العامة وبناء مؤسسات الدولة الدائمة؛ كل ذلك وغيره الكثير يشكل الاساس الضروري لعملية الاصلاح العراقية الرائدة……. #

#.   عن الحوار المتمدن…..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى