القانونية

نــظرة قــانونيــة: اللجــان البـرلمانيــة

نــظرة قــانونيــة: اللجــان البـرلمانيــة

د. فلاح اسماعيل حاجم

2005 / 5 / 15

باقرارها النظام الداخلي تكون الجمعية الوطنية قد قطعت شوطا كبيرا في طريق التأسيس لبرلمانية حقيقية في عراق ما بعد الدكتاتورية. ذلك ان النظام الداخلي يعتبر القانون الاساسي الذي يراد له تنظيم النشاط الداخلي لجهاز الدولة التشريعي بما في ذلك تنسيق العمل بين اجهزته المساعدة ومنح المشروعية للقرارات الصادرة عنها. واذا كانت المهمة الاساسية للجمعية الوطنية العراقية هي كتابة المسودة للدستور الدائم (الفقرة أ من المادة الواحدة والستين من قانون ادارة الدولة) ومراقبة عمل السلطة التنفيذية خلال الفترة الانتقالية؛ فان عملية تشريع القوانين تكمن في الصيم من مهمات الجمعية الوطنية؛ كما نصت الفقرة (أ) من المادة الثلاثين من القانون المذكور. من هنا يبدو مبررا التأخير في تشكيل اللجان البرلمانية والمناقشة المستفيضة لهيكليتها؛ ذلك انها تشكل الخلايا الاساسية والتي لا يمكن ان يستقيم بدونها اي عمل برلماني حقيقي.
ان واحدة من الصفات المميزة للتركيبة الداخلية لجهاز الدولة التشريعي هي امتلاكه لمنظومة متكاملة من اللجان؛ تضطلع بمجموعها بمزاولة الاختصاصات الموكلة دستوريا لبرلمان الدولة؛ حيث يؤلف النظام الداخلي لذلك الجهاز مرشداً ومصدراً لعملها. ويمكن تصنيف تلك اللجان على اساس نوع المهمة الموكلة اليها (لجنة الاعضاء؛ اللجنة القانونية؛ لجنة الامن؛ اللجنة المالية…..الخ) اي كل ما بات يطلق عليه في القانون الدستوري بلجان الاختصاص. وعادة ما تمارس هذه اللجان نشاطها منذ تشكيلها في بداية الدورة البرلمانية وحتى نهاية الفترة المحددة قانونياً او دستوريا لمزاولة البرلمان مسوؤلياته (في الحالة العراقية حتى 15 كانون الثاني 2005.استناداً الى الفقرة 5 من المادة 61 من قانون ادارة الدولة). وهنا تجدر الاشارة الى ان ثمة ما يشبه الاجماع على لجان اختصاص برلمانية تقليدية محددة نصت عليها تشريعات وانظمة البرلمانات المعاصرة. فيما تؤثر التركيبة القومية والعشائرية والدينية للمجتمع؛ وفي الكثير من البلدان الجغرافية ايضاً؛ على عدد تلك اللجان ( في البرلمان الاسرائيلي 9 لجان؛ في مجلس النواب الامريكي 22 وفي مجلس الشيوخ 16 لجنة؛ في مجلس العموم البرطاني 15؛ في الغرفة السفلى لبرلمان السويد 16 لجنة…الخ) على انه تنبغي الاشارة هنا الى انه ليس هنالك من عدد ثابت لتلك اللجان؛ اذ ان عددها يتغير من دورة لاخرى. وربما كان للظرف العراقي الراهن بالاضافة الى التركيبة الحزبية لبرلمان الفترة الانتقالية العراقي الاثر الحاسم في تحديد عدد اللجان واوجه نشاطها. واعتقد انه كان من الاجدى تقليص عدد اللجان في الجمعية وزيادة عدد اعضاء كل لجنة ومنحها صلاحية تشكيل اللجان الفرعية لانجاز المهمات ذات الطبيعة المتشابهة؛ وذلك ليس بغريب على التجارب البرلمانية. اذ ان توزيع الاعضاء بمجاميع صغيرة على اللجان البرلمانية قد يؤدي الى ما يمكن ان نطلق عليه تضارب الصلاحيات والذي سيفضي؛ كما تشير التجارب البرلمانية؛ الى فوضى العمل وتنازع القرارات.
لقد تميزت اساليب تشكيل اللجان البرلمانية؛ لكن الاكثر شيوعا في البرلمانات المعاصرة هو اسلوب المحاصصة الحزبية والذي يأخذ بعين الاعتبار حجم الفرق والكيانات الحزبية الممثلة في البرلمان عند تحديد عدد اللجان ونسبة تمثيل القوى السياسية فيها مع ان بعض التشريعات ً اوكلت رسمياً مهمة تعيين اعضاء اللجان لرئيس البرلمان (اليابان؛ الهند؛ هولندا). الا ان ذلك لا يعني غياب التعيين الفوقي للجان البرلمان من قبل رئيس الدولة وحزبها الحاكم؛ وخصوصا في دول الانظمة الشمولية والدكتاتورية التي ترى في اللجان البرلمانية؛ كما في البرلمان ذاته؛ اجهزة استشارية ليس الأ. وما زلنا بصدد الحديث عن حجم الصلاحيات التي تتمتع بها اللجان البرلمانية لابد من الاشارة الى ان جدلاً واسعاً كان وما يزال دائراً بين فقهاء القانون الدستوري حول الجوانب السلبية والايجابية لتوسيع صلاحيات اللجان البرلمانية ؛ ففي حين يرى بعضهم ان زيادة اختصاصات تلك اللجان قد يؤدي الى نقل مركز الثقل من قاعة النقاشات الى دوائر اللجان الضيقة مما يعد اخلالا ًبمبدأ جماعية العمل؛ وجد اخرون في توسيع صلاحيات اللجان تحقيقاً لمبدأ تقسيم العمل و عاملاً مساعداً في تفعيل البرلمان وتسريع العملية التشريعية. وفي جميع الاحوال لا ينبغي لمبدأ التخصص والذي يكمن في صميم توزيع البرلمانيين على اجهزة البرلمان الداخلية (اللجان) ان يكون ذريعة لترحيل اختصاصات البرلمان الى لجانة الدائمة؛ ذلك لان اللجان المنبثقة عن البرلمان ليست سوى اجهزة داخلية يراد لها ان تكون مساعداً لجهاز الدولة التشريعي وليس بديلاً له.
ان استعراضاً سريعاً للخارطة البرلمانية المعاصرة سيبين اوجه التشابه والتمايز بين النظم البرلمانية وخصوصاً في مجال آليات عمل لجانها المختصة. ففي حين اوكلت اغلب التشريعات والانظمة الداخلية لتلك اللجان مهمة دراسة مشاريع القوانين واجراء التعديلات الضرورية عليها ومن ثم احالتها لجلسة البرلمان؛ منحت اخرى اللجان البرلمانية امكانية ممارسة اختصاصات الجهاز التشريعي للدولة في حالة حل البرلمان او انتهاء الفترة القانونية لدورته. معنى ذلك ان تلك التشريعات تنظر الى اللجان البرلمانية ليس فقط باعبارها اجهزة فرعية للبرلمان وانما كبديل للسلطة التشريعية (اسبانيا؛ المكسيك؛ بوليفيا؛ فنزويلا….,الخ). حتى ان الدستور الاسباني اباح للجانه الدائمة اصدار بعض التشريعات مؤقتة السريان وخصوصاً عند تأخر انعقاد الدورة البرلمانية لهذا السبب او ذاك او انقضاء فترتها الدستورية (المادة 78).
من المسائل التي استأثرت باهتمام كبير من قبل المختصين بالشأن البرلماني هي ممارسة الصلاحيات الرقابية من قبل لجان الجهاز التشريعي للدولة حيث تقوم الاخيرة بالتحقيق والاستجواب؛ وقد منحتها اغلب التشريعات امكانية الطلب الى اعضاء الجهاز التنفيذي للدولة والقادة السياسيين المثول امام اجتماعات تلك اللجان والادلاء بما يمكن ان يسهل المهمة الرقابية للبرلمان؛ في ذات الوقت من الضروري الاشارة الى ان اعضاء السلطة التنفيذية لا يتحملون مسوؤلية مباشرة امام اللجان البرلمانية وقرارات الاخيرة لا تكون الزامية بالنسبة لهم. بالاضافة الى ذلك فان للبرلمان الحق بتشكيل لجان مختصة مؤقتة تكون مهمتها الاساسية اجراء التحقيق عند الضرورة. على انه لابد من التذكير هنا بان ما يميز عمل اللجان المذكورة هو ان جلساتها سرية؛ وفي كثير من الاحيان يترتب على اعضاءها تقديم تعهد خطي بعدم تسريب ما يدور في جلسات اللجنة (لجان الامن والدفاع على وجه الخصوص) فيما تعتبر محاضر الجلسات وثائق سرية غير قابلة للنشر.
ان من القضايا الهامة والتي شكلت وما تزال تشكل معضلة بالنسبة للكثير من البرلمانات هي مسألة التزام البرلمانيين بحضور اجماعات لجان الاختصاص المختلفة. فغياب عدد محدد من الاعضاء اضافة لاخلاله بالنصاب القانوني ومشروعية القرارات المتخذه من قبل اللجان؛ فانه يؤثر سلبا على مجمل عمل البرلمان ويعيق اداءه الوظيفي. وقد ذهبت الانظمة الداخلية البرلمانية الى معالجة هذه المسألة باساليب مختلفة توزعت بين اعفاء العضو من عمل اللجنة وحسم نسبة من راتبه الشهري (في البرلمان الفرنسي مثلاً).
انني اعتقد ان اهتماماً استثنائياً ينبغي ان تحظى به لجان الجمعية الوطنية الانتقالية وذلك ليس لانها تعمل في ظروف بالغة التعقيد والحراجة فحسب؛ بل ولانها تشكل مدرسة ابتدائية للكثير من نواب الشعب الذين سيدخلون التأريخ كرواد لاول تجربة برلمانية حقيقية في تأريخ العراق المعاصر….. #

#  عن الحوار المتمدن…..


facebook sharing button
twitter sharing button
pinterest sharing button
email sharing button
sharethis sharing button

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى