القانونية

هل اسقاط حضانة الام بسبب زواجها من رجل اخر محل إجماع المذاهب الاسلامية؟

بعد ان نشرتُ مادة تتعلق بمقترح تعديل أحكام الحضانة في قانون الأحوال الشخصية النافذ الموسومة (فشل المعالجة التشريعية وأثارها السلبية … حضانة الأطفال انموذجاً) وردت تعليقات وأراء من بعض الأفاضل مما دعا إلى عرض توضيح يتعلق بموقف الشريعة حول سن الحضانة، إلا ان ذلك لم يكن كافياً وإنما وردت اعتراضات من بعض الأخوة الكرام عبر مواقع التواصل الاجتماعي تفيد بان بقاء الحضانة لدى الأم بعد زواجها يتعارض مع ثابت من ثوابت الإسلام لان الرسول الكريم (ص) قد قال لامرأة قالت له (يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ ابْنِي هَذَا كَانَ بَطْنِي لَهُ وِعَاءً، وَثَدْيِي لَهُ سِقَاءً، وَحِجْرِي لَهُ حِوَاءً، وَإِنَّ أَبَاهُ طَلَّقَنِي، وَأَرَادَ أَنْ يَنْتَزِعَهُ مِنِّي. فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ (ص) أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) لكن أعود إلى قول سابق ومكرر بان مفهوم الإجماع هو ان يتفق جميع فقهاء المسلمين من كل المذاهب على حكم معين، فاذا وجد في رأي مذهب واحد على خلاف الأخرين فانه يعدم الإجماع ولا تنهض قاعدة الأخذ به ويقول الشيخ الصدوق بان الإجماع هو (ان يفتي جميع القدماء في مسألة وكانت في كتبهم فإنها تفيد الإجماع وتكشف عن قول المعصوم عليه السلام) مصدر القول (كتاب الهداية للشيخ الصدوق ـ منشورات مؤسسة الإمام الهادي (ع) في قم ـ عام ـ ص 22) وعند البحث في موضوع إسقاط حضانة الأم عند زواجها برجل غير الأب للطفل المحضون، وجدت ان بعض المذاهب لا تعتبره سبباً لإسقاط الحضانة ومنها المذهب الظاهري فيقول ابن حزم الأندلسي (الْأُمُّ أَحَقُّ بِحَضَانَةِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ وَالِابْنَةِ الصَّغِيرَةِ حَتَّى يَبْلُغَا الْمَحِيضَ، أَوْ الِاحْتِلَامَ، أَوْ الْإِنْبَاتَ مَعَ التَّمْيِيزِ، وَصِحَّةِ الْجِسْمِ – سَوَاءٌ كَانَتْ أَمَةً أَوْ حُرَّةً، تَزَوَّجَتْ أَوْ لَمْ تَتَزَوَّجْ، رَحَلَ الْأَبُ عَنْ ذَلِكَ الْبَلَدِ أَوْ لَمْ يَرْحَلْ – وَالْجَدَّةُ أُمٌّ) ومصدر القول كتاب (المحلى في شرح المجلى بالحجج والآثار لمؤلفه ابن حزم الأندلسي ـ منشورات دار ابن حزم في بيروت ـ ج 10 ـ ص143) و أوضح بان ذلك لا يتقاطع مع قول الرسول الكريم (ص) (أَنْتِ أَحَقُّ بِهِ، مَا لَمْ تَنْكِحِي) حيث يقول ابن حزم الأندلسي ان هذا الحديث هو خاص يعالج حالة بعينها وليس بحكم عام وعلى وفق قوله (أَمَّا قَوْلُنَا – إنَّهُ لَا يَسْقُطُ حَقُّ الْأُمِّ فِي الْحَضَانَةِ بِزَوَاجِهَا إذَا كَانَتْ مَأْمُونَةً وَكَانَ الَّذِي تَزَوَّجَهَا مَأْمُونًا – فَلِلنُّصُوصِ الَّتِي ذَكَرْنَا وَلَمْ يَخُصَّ – عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ – زَوَاجَهَا مِنْ غَيْرِ زَوَجِهَا) مصدر القول (كتاب المحلى المشار اليه في أعلاه ـ ج 10ـ ص146) وبهذا القول نجد ان صفة الإجماع انتفت عن القول بان زواج الأم من رجل اخر يكون سبباً لإسقاط الحضانة وانه قول لا إجماع عليه بعدما ثبت ان المذهب الظاهري يختلف مع بقية المذاهب الأخرى، وعندما لا يكون هناك إجماع فان للمشرع صلاحية وسلطة في اختيار ما يراه مناسباً لتمشية أمور المجتمع، مما يتيح للمشرع الذي يصدر القوانين المنظمة للحياة العامة في البلاد أن يختار ما يراه مناسب لمتطلبات الحياة وظروف تطورها، وفي رأي للمحكمة الدستورية العليا في مصر بقرارها المرقم 201 لسنة 2002 عند تصديها للطعن بعدم دستورية قانون الخلع المصري رقم 1 لسنة 2000 وكان الطاعن يرى انه يخالف الأحكام الشرعية، ثم قضت المحكمة برد الطعن وكان من بين هذه الحيثيات التي بررت بها دستوريته هو سلطة المشرع في أن يختار ما يراه مناسب من الأحكام الفقهية وعلى وفق الاتي ( لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها فهذه الأحكام وحدها هي التي لا يجوز الاجتهاد فيها إذ تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلاً أو تبديلاً. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعاً لتغير الزمان والمكان. وعلى خلاف هذا، تأتى الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أم دلالتها أم فيهما معاً. فهذه الأحكام هي التي تنحصر فيها دائرة الاجتهاد، ولا تمتد إلى سواها، حيث تتغير بتغير الزمان والمكان لضمان مرونتها وحيويتها، وعلى أن يكون هذا الاجتهاد واقعاً في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، متوخياً تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما يقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال. ولئن جاز القول بأن الاجتهاد في الأحكام الظنية حق لأهل الاجتهاد فأولى أن يكون هذا الحق ثابتاً لولى الأمر يستعين عليه في كل مسألة بخصوصها، وبما يناسبها بأهل النظر في الشؤون العامة. وأية قاعدة قانونية تصدر في هذا الإطار لا تحمل في ذاتها ما يعصمها من العدول عنها وإبدالها بقاعدة جديدة لا تصادم حكماً شرعياً قطعياً، وتكون في مضمونها أرفق بالعباد، وأحفل بشئونهم، وأكفل لمصالحهم). ومن خلال العرض المتقدم نجد بان إسقاط حضانة الأم بسبب زواجها من رجل اخر غير الأب للمحضون لا يعد من الثوابت المجمع عليها لوجود رأي مخالف عند المذهب الظاهري، ومن ثم يكون السبب الذي يتعلل به بعض المنادين بتعديل المادة (57) من قانون الأحوال الشخصية بان النص الحالي يخالف إجماع المسلمين فانه كلام في غير محله ولا يمثل القول الصواب وإنما هو محل اختلاف الفقه لذلك اقتضى التوضيح بملحق مستقل يكون في سلسة التصدي لموضوع المادة (57) أحوال شخصية. قاضٍ متقاعد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى