الفكر السياسي

هل يبني مبدأ المحاصصة العراق الديمقراطي؟

هل يبني مبدأ المحاصصة العراق الديمقراطي؟

هل يبني مبدأ المحاصصة العراق الديمقراطي؟

رشاد الشلاه

2005 / 4 / 21

انطلاقا من نظرة متفائلة، فان العراق الآن على أعتاب وضع الحجر الأساس لبناء دولة عصرية ديمقراطية يفترض أن تلبي طموحات شعبه، وتضع حدا لمعاناته، بعد نكبته بأبشع نظام ديكتاتوري شمولي وباحتلال دولي ، وبهذا الاعتبار الذي تعلنه على الأقل الغالبية من الفعاليات السياسية العراقية، فإن الركون إلى مبدأ المحاصصة في المناصب و التشكيلات السياسية العليا وكذلك في بقية مناصب و وظائف الدولة، سيكون عقب أخيل في هذا البناء .
أن تجربة تشكيل وعمل مجلس الحكم المؤقت عقب سقوط النظام الديكتاتوري، ومن ثم حكومة السيد أياد علاوي،اللذين ُبنيا اعتمادا على قاعدة المحاصصة الاثنية والدينية و الطائفية؛ أكدتا أن المحاصصة سابقة غير صحيحة، أضرت بالحالة السياسية العراقية ضررا كبيرا ، وهي التي تقف اليوم في مقدمة الأسباب التي أدت إلى حالة استعصاء تشكيل الحكومة العراقية المفروض انبثاقها وفق نتائج انتخابات كانون الثاني الماضي . وأيا كان وراء اعتماد هذه القاعدة – قوات الاحتلال أو ممثل الأمم المتحدة في العراق أو بعض أطراف الفعاليات السياسة العراقية- وأيا كانت مبررات اعتمادها في حينها، فإن تكريسها سيهدد أسس بناء الدولة العراقية الديمقراطية العتيدة التي ينشدها العراقيون .
إن الديمقراطية السياسية والاجتماعية تتنافى بالمطلق مع مبدأ المحاصصة الذي يعني من بين ما يعني إضعاف روح الانتماء للوطن وللشعب ككل، ويضع بموازاتها الانتماء للقبيلة أو الدين أو المذهب، وبالتالي يؤسس و يذكي النعرات الشوفينية ويعمق التفرقة الدينية والمذهبية المقيتة، وسيكون عائقا جديا أمام تطبيق معيار اعتبار النزاهة و الكفاءة والوطنية هي المؤهلات الأساسية في اشغال الوظائف الحكومية. وما شهدته بعض الوزارات العراقية من تعيينات وفق استحقاقات مبدأ المحاصصة واعتبار هذه الوزارة أو تلك إقطاعية خالصة للوزير وحزبه، خير مثال ملموس، أثار استياء وسخطا واسعين بين جماهير شعبنا التي عبرت عن خيبتها ومرارتها لمثل تلك الممارسات. ومن اللافت الآن أن اعتماد مبدأ المحاصصة طال حتى نسب تعيين موظفي الجمعية العامة التنفيذيين، وعلى هذا فإن الخوف يصبح مشروعا من تعمق حالة الخراب والفساد والفوضى العامة التي تعصف في البلد الذي يكفيه ما عاناه .
من هذا الواقع فإن مسؤولية جسيمة تلقى اليوم على عاتق القوى السياسية العراقية وخصوصا اليسارية والديمقراطية واللبرالية المؤمنة حقا بالديمقراطية منها، تتمثل بالتصدي لتكريس هذا المبدأ.
إن مهمة ملحة وحيوية كهذه لا تتحقق عبر المناشدات أو التمني على هذا الحزب أو تلك التشكيلة السياسية، بل هي إحدى ميادين الصراع التي أفرزها تداعي تطور الأوضاع السياسية بالأساس وتباين منطلقات ومصالح التشكيلات السياسية العراقية، لذلك فهي تتطلب عملا مثابرا منظما يتوجه إلى الجماهير العراقية على اختلاف انتماءاتها ومعتقداتها وتبصيرها بالمأزق الذي يتوعدها وبالمخاطر الجدية التي تحيق بالعراق مكونات وتربة إذا ما أمعنت بعض القوى السياسية المتنفذة في مساعيها لاعتبار مبدأ المحاصصة هو المبدأ الذي ” يلائم” التنوع العرقي والديني والمذهبي والسياسي في العراق، واضعة مصالحها الخاصة فوق مصلحة الوطن ومصلحة أوسع فئات شعبنا.
إن تعدد المعتقدات الدينية والمذهبية وتنوع الانتماءات ألاثنية، هي ميزة ثراء روحي وغنى حضاري و ثقافي زاخر امتاز بها سكان العراق، وكانا رافعين هامين أهَلا وادي الرافدين ليسهم وفي عصور مختلفة بقسط هام في تكوين وازدهار الحضارة البشرية، فلا ينبغي تحويلهما إلى لعنة تصل بنا إلى مرحلة ما بعد خراب البصرة.  *

*. عن الحوار المتمدن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى