القانونية

مشروع قانون التأمينات الاجتماعية – رؤية نقدية

مشروع قانون التأمينات الاجتماعية – رؤية نقدية

د. نبيل جعفر عبد الرضا

2017 / 11 / 17


لم يحظ مشروع قانون التامينات الاجتماعية الذي صادق عليه مجلس الوزراء مؤخرا على رضا وقبول العديد من الشرائح الاجتماعية وفي مقدمتهم الموظفين والمتقاعدين الذين وجدوا فيه خطوة الى الوراء قياسا الى الاستحقاقات التي حصلوا عليها في قانون التقاعد الموحد الرقم 9 لعام 2014 من جهة وقياسا الى مستوى الاسعار التي تجنح دائما نحو الارتفاع مما بؤدي الى تدني القيمة الحقيقية لدخولهم النقدية من جهة اخرى .
يستهدف القانون من وجهة النظر الحكومية التي جاءت في المادة الثانية من القانون تامين العيش اللائق للمشمولين بأحكامه ، وضمان الدخل للمؤمن عليهم وخلفهم في حالات التقاعد والعجز والشيخوخة والاصابة والوفاة ، والمساهمة في تعزيز قيم التكافل الاجتماعي ، وضمان وصول مظلة الحماية الاجتماعية الى فئات أكثر .
في مشروع القانون نواحي ايجابية عديدة تتعلق بشمول العاملين في القطاع الخاص بالرواتب التقاعدية ( بصيغ معينة لن نتطرق اليها حاليا ) وهو ما سيسهم في تطوير القطاع الخاص في العراق من خلال توفير العيش المضمون للمتقاعدين من القطاع الخاص وهي خطوة متقدمة بالقياس الى القوانين السابقة . وكذلك حافظ القانون على الامتيازات الممنوحة لعوائل الشهداء والمفصولين السياسيين .
وفي المقابل يستهدف المشروع اجراء تخفيض كبير في رواتب المتقاعدين وهي سابقة خطيرة إذ لم يحدث في تاريخ العراق ان تم تخفيض رواتب اي فئة من المجتمع – بل حدث مرة- في ظل التقشف – عام 1972 بعد تأميم النفط ، وهو ادخار اجباري وليس تخفيض للرواتب.
يتضمن مشروع القانون 126 مادة . تشير(المادة 3/ثانياً) التي تنص على سريان القانون بأثر رجعي على الذين احيلوا الى التقاعد قبل نفاذه، أي انه لا أحد في العراق مستثنى من هذا القانون
ولغرض الوصول الى تقييم موضوعي لمشروع قانون التأمينات الاجتماعية في النواحي التي لها علاقة برواتب المتقاعدين من موظفي الدولة فقط لا بد من التطرق اولا الى الكيفية التي يتم بها احتساب الرواتب التقاعدية في عدد من البلدان العربية ثم التطرق الى مواد القانون وتحليلها وبيان ابعادها ومخاطرها الحقيقية وآثارها المستقبلية ليس فقط على المستولى المعاشي للمتقاعدين وانما ايضا على المستوى العلمي في البلد اذ ان مشروع القانون التامينات الاجتماعية قد الغى قانون الخدمة الجامعية لعام 2008 ( مع مجموعة اخرى من القوانين ) وهو ما سيؤدي لاحقا الى الحاق الضرر الفادح بالمسيرة العلمية للبلد وسيفتح ابواب الهجرة امام التدريسيين بحثا عن فرص افضل . علما ان مشروع القانون كان انتقائيا اذ انه لم يلغ القوانين الخاصة بالقضاة .
ولغرض الوصول الى تقييم موضوعي لمشروع قانون التأمينات الاجتماعية في النواحي التي لها علاقة برواتب المتقاعدين من موظفي الدولة فقط لا بد من التطرق اولا الى الكيفية التي يتم بها احتساب الرواتب التقاعدية في عدد من البلدان العربية ثم التطرق الى مواد القانون وتحليلها وبيان ابعادها ومخاطرها الحقيقية وآثارها المستقبلية ليس فقط على المستولى المعاشي للمتقاعدين وانما ايضا على المستوى العلمي في البلد اذ ان مشروع القانون التامينات الاجتماعية قد الغى قانون الخدمة الجامعية لعام 2008 ( مع مجموعة اخرى من القوانين ) وهو ما سيؤدي لاحقا الى الحاق الضرر الفادح بالمسيرة العلمية للبلد وسيفتح ابواب الهجرة امام التدريسيين بحثا عن فرص افضل . علما ان مشروع القانون كان انتقائيا اذ انه لم يلغ القوانين الخاصة بالقضاة .
ثمة فوارق شاسعة بين راتب الاستاذ الجامعي الذي يتراوح ما بين 700-4000 دولار شهريا وبين رواتب نظرائهم في قطر والكويت والامارات والسعودية وعمان ، علما ان هناك مخصصات اخرى تمنح للاستاذ الجامعي في هذه البلدان وهي ما تعمق بالتالي من الفوارق مقارنة برواتب اساتذة الجامعة في العراق . ومن اللافت ان راتب الاستاذ الجامعي في بلد بلا موارد وهو لبنان يصل الى نحو 7500 دولار شهريا كحد اعلى وهو ما يعادل تقريبا ضعف راتب الاستاذ الجامعي في العراق . فيما تبدو الفوارق واسعة في الحدود الدنيا للرواتب في البلدين التي تبلغ 2500 دولار في لبنان مقابل 700 دولار في العراق . وفي قطر يصل راتب الاستاذ الجامعي الشهري الى 22880 دولار ، وفي الكويت 13790 دولارا ، وفي الامارات 10875دولارا ، وفي السعودية 8000 دولارا ، وفي عمان 5434 دولاراضافة الى بدل سكن وبدل تعليم الأبناء بواقع 800 دولار .
أما الكيفية التي تصرف فيها الرواتب التقاعدية في بعض البلدان العربية ، ففي الاردن مثلا وهي بلد فقير تعيش الى حد كبير على المساعدات الخارجية ، يمكن ان يتجاوز مقدار الراتب التقاعدي (125%) من الراتب الإسمي الوظيفي . وفي البحرين يحسب الراتب التقاعدي على اساس متوسط رواتب السنتين الاخيرتين من الخدمة ويزداد الرتب التقاعدي بنسبة 3% سنويا . ويكون الحد الادنى للراتب 800 دولار زائدا 400 دولار مخصصات غلاء المعيشة . اما في سلطنة عمان فيتم صرف 92% من الراتب الاسمي زائدا 75% من المخصصات المختلفة ( بدل ماء وكهرباء وسكن ) لمن له خدمة وظيفية تصل الى 20 سنة . وفي قانون المعاشات والتأمينات الاجتماعية الاماراتي (رقم 7 لسنة 1999)، نرى ان احتساب المعاش يكون بنسبة (60%) من رواتب آخر ثلاث سنوات بكل ما فيه من مخصصات يضاف اليه (2%) عن كل سنة تزيد عن خمس عشرة سنة من الخدمة الوظيفية، على الا يتجاوز المعاش (100%) من الراتب الوظيفي، وما زاد عن ذلك يستحق المتقاعد عليه مكافأة بواقع راتب ثلاثة أشهر عن كل سنة خدمة . وكذا الحال بالنسبة الى قطر والكويت التي يصل فيها الراتب والمخصصات الى نسبة 100% . في قانون التقاعد والتأمينات الاجتماعية القطري (رقم 24 لسنة 2002) نرى ان احتساب الراتب
يكون على اساس (5%) من آخر راتب مضروباً في عدد سنوات الخدمة على الا يتجاوز المعاش مقدار الراتب الوظيفي .
المواد المدرجة في مشروع قانون التأمينات الاجتماعية تعطي دلالات واضحة على مدى التراجع الذي سيلحق بالمتقاعدين الحكوميين في العراق في حالة تشريع القانون وسيفقد المتقاعدين العديد من المزايا التي حصلوا عليها في قانون التقاعد الموحد لعام 2014 . فالراتب التقاعدي يحسب على اساس معدل الراتب الوظيفي للموظف خلال 84 شهرا من خدمته التقاعدية الاخيرة في حين كان يحسب الراتب التقاعدي بموجب قانون التقاعد الموحد لعام 2014 اساس معدل الراتب الوظيفي للموظف
خلال 36 شهرا من خدمته التقاعدية الاخيرة . وفي المادة (40) في مشروع القانون الجديد فإن معادلة الراتب التقاعدي تحسب على النحو الآتي :
الحالة الأولى : عند الإحالة إلى التقاعد بسبب بلوغ السن القانوني أو لأسباب صحية أو لسبب الوفاة أثناء الخدمة فيعتمد الرقم (2,5) عن كل سنة من الخدمة المؤداة قبل نفاذ المشروع بينما يعتمد الرقم (2) عن الخدمة المؤداة بعد نفاذ المشروع.
الحالة الثانية : في غير الحالات المذكورة آنفاً يعتمد الرقم (2,5) عن الخدمة المؤداة قبل تأريخ نفاذ المشروع والرقم (1,5) عن الخدمة المؤداة بعد تأريخ نفاذ قانون التأمينات الإجتماعية
في حين كان يحسب الراتب التقاعدي بموجب قانون 2014 على اساس معدل الراتب × 2,5 × (عدد اشهر الخدمة 12) مقسوما على 100.
نصت المادة (35/عاشراً) من قانون التقاعد الموحد على منح المتقاعد مخصصات للشهادة الحاصل عليها قبل أو أثناء الوظيفة بمقدار 5في المائة عن شهادة الدبلوم و10في المائة عن شهادة البكالوريوس و15في المائة عن شهادة الدبلوم
العالي و20في المائة عن شهادة الدكتوراه في حين تم إلغاء هذه المخصصات بموجب المشروع مما يلحق غبناً بالمتقاعدين من حملة الشهادات.
وفي المادة – 5 : ثانيا أ من مشروع قانون التأمينات الاجتماعية تمنح مخصصات غلاء معيشة للمتقاعدين بنسبة 1% من الراتب التقاعدي عن كل سنة خدمة بما لا يزيد على 25% من راتبه التقاعدي وتشمل للمتقاعدين المحالين الى التقاعد من تاريخ نفاذ هذا القانون ولمدة 5 خمس سنوات . في حين اشارت المادة 35 – تاسعا من قانون 2014 : أ تمنح مخصصات غلاء معيشة للمتقاعدين بنسبة 1% واحد من المائة من الراتب التقاعدي عن كل سنة خدمة
لم يحدد المدة وجعلها مفتوحة حسب الخدمة التقاعدية للموظف .
وعلى العموم يمكن تثبيت الملاحظات النقدية لمشروع قانون التأمينات الاجتماعية على النحو الآتي :

بعد التدقيق والتمحيص لمشروع قانون التأمينات الاجتماعية نجد ان مشروع هذا القانون سيوسع من مظلة الحماية الاجتماعية نظرا لشموله العاملين في القطاع الخاص وهو ما سيترك اثرا ايجابيا على اداء القطاع الخاص وعلى الاقتصاد العراقي عموما . وفي المقابل نستطبع تأشير العديد من الجوانب السلبية في هذا القانون ومنها :
1- سيقلص كثيرا رواتب المتقاعديين الحاليين والمستقبليين.
2- الغاء مخصصات الشهادة.
3- سيلغي مخصصات غلاء المعيشة لمن سبق تقاعده ويقلصها ويصرفها لمن يتقاعد بعد القانون ولفترة نفاذ 5 سنوات فقط.
4- سيقلل الراتب الى معادلة مريعة خطيرة وبالتالي تقليص الرواتب في حدود قليلة جدا.
5- سيقلص حصة الورثة من راتب المتقاعد المتوفي .
6- سيؤدي الى الغاء قانون الخدمة الجامعية رقم (23) لسنة 2008 ، مما سينعكس سلبيا على المسيرة العلمية في البلد وسيفتح ابواب الهجرة امام التدريسيين بحثا عن فرص افضل .
7- لن تكون للخدمة الطويلة للموظف ذات اثر بعد 40 سنة لكون معادلة الاحتساب ستضرب في 2 وليس 2.5 لمن اكمل ال65 من عمره اما قبل ذلك فسيكون العدد هو 1.5 إذ ان راتبه التقاعدي لن يزيد عن 80% من راتبه الاسمي .
8- القانون انتقائي اذ انه لايشمل القضاة مثلا الذين تحسب رواتبهم التقاعدية بمعدل 80% من آخر راتب والمخصصات الكلية البالغة 150 % علما ان الرواتب الاسمية للقضاة تتراوح ما بين 1,5 – 2,250 مليون دينار .
9- سيؤدي حتما الى تمسك الموظفين بالوظيفة لان التقاعد سيعني له كارثة وبذا لن يتم ترشيق الدولة اوتوفير فرص عمل جديدة للمواطنين… &

&. عن الحوار المتمدن….

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى